الفرق الباطنية في التاريخ الاسلامي 7- الركنية

أ.د. فرست مرعي
لهذه الفرقة تسميات عديدة منها: الركنية، والاحسائية، وبني عامر وغيرها، وأما تسميتهم بـ (الركنية) فهو من إطلاق مخالفيهم أيضا إشارة إلى ما اصطلح عليه علماء الشيخية من تسمية أصول الدين والإيمان باركان الدين والإيمان، مع عدم المنع من الأول فإنهم في كتبهم ذكروا الاثنين، مع العلم ان إجماع العلماء قائم بأنه لا مشاحة في الاصطلاح .
ثم ان مصطلح أركان الدين والإيمان لم يكن مختصا بعلماء الشيخية والكشفية والركنية فقط وإنما اصطلحه العديد من علماء المذهب الشيعي الاثناعشري في كتبهم: كالشريف المرتضى في كتابه الشافي، والعلامة الحلي في بعض أجوبته على المسائل ، والشيخ علي بن يونس العاملي في كتابه الصراط المستقيم، والمحقق الكركي في بعض رسائله وغيرهم. 
وأما تسميتهم بـ (الأحسائية) فنسبة إلى بلاد الأحساء التي نزح منها الشيخ أحمد الأحسائي وكثير ممن قلده وتلامذته من بعده فرارا من هجمات المد السلفي الوهابي في الجزيرة العربية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.
وأما تسميتهم بـ (بني عامر) فحقيقة الأمر ان الشيخية معتقد ديني يعتنقه الكثير من الناس على مختلف مناطقهم الجغرافية وانتماءاتهم العشائرية، وحيث ان عشيرة بني عامر من العشائر الكبيرة في أحد أهم أماكن وجود الشيخية في منطقة (البصرة)، وان أغلب أفرادها من مقلدي علماء الشيخية، وان موكب عزاء الحسين بن علي (رضي الله عنهما) التابع لهم أسموه (موكب بني عامر).
وتجدر الاشارة الى أن البعض أطلق على الشيخية لقب (بني عامر) جهلا منهم بالانتماءات العشائرية الأخرى لبقية أتباع المدرسة الشيخية في سائر أماكن تواجدهم في العالم الإسلامي، مع العلم ان هناك أفرادا من عشيرة بني عامر بل بطونا برأسها تقلد سائر مراجع المذهب الشيعي الاثني عشري.
ان الشيعة بصورة عامة مأمورون بأخذ معالم دينهم وأموره وأحكامه وحلاله وحرامه من العلماء المتقين والفقهاء العاملين لقول السيد جعفر الصادق . ” أما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام ان يقلدوه”. وللقول المنسوب الى المهدي في توقيعه الرفيع “اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله”. لذلك وجب على كل شيعي ان يفتش عن رجل فقيه عالم زاهد يطمئن إلى ورعه وتقواه وزهده وفقهه فيأخذ منه أحكام دينه عملا بقول الأئمة  المتقدم، ولا يأخذ من ذلك العالم أحكام الدين إلا من أجل انه يحمل روايات الأئمة الطاهرين وينقل أثارهم وأخبارهم لا غير، ولذلك تعددت الفقهاء الحملة والرواة النقلة، وكل أحد من الشيعة أداه الدليل إلى الأخذ من فقيه فانه يعتمد عليه ويرجع في أحكام الدين إليه، وذلك ليس مختصا بالشيخية؛ وإنما هو جار بين الشيعة بصورة عامة. والشيخية مثل سائر الشيعة حين يقلدون علماءهم قلدوا الشيخ احمد بن زين الدين الاحسائي في حياته والفقهاء من تلامذة مدرسته بعد وفاته، أمثال: الكشفية والركنية بشقيها الكرماني والتبريزي.
وفي الحقيقة أن فرقة الركنية ظهرت الى عالم الوجود بعد وفاة السيد (كاظم الرشتي) سن1259هـ/1843م، وعلى إثرها انقسم الشيخيون إلى فرقتين هما : الكرمانية والتبريزية :
1- الكرمانية : هم أتباع الحاج محمد كريم خان الكرماني ويطلق عليهم (الكرامخه) للتخفيف، كما يطلق عليهم اسم ( الركنية)، وذلك لاعتقادهم بـ ( الركن الرابع )، كما ذكرنا آنفاً.
2- التبريزية : وهم أتباع الشيخ حسن جوهر، ويطلقون على أنفسهم الكشفية، وذلك لاعتقادهم أنهم الشيعة الكاملون وأن الله سبحانه قد كشف الغطاء عن بصائرهم، وأدركوا مقامات أهل البيت (عليهم السلام) ومكانتهم الحقيقية دون سائر الشيعة الاثنا عشرية، ثم أطلق عليهم اسم (الإحقاقية) نسبة لصاحب كتاب ( إحقاق الحق ) (الميرزا موسى الاسكوئي) الذي يعتبر أحد مراجعهم وإليه ترجع أسرة الإحقاقي التي تتزعم شيخية تبريز إلى الوقت الحاضر.
ويتواجد الإحقاقيون بشكل رئيسي في دولة الكويت حيث مقر زعامتهم ومرجعيتهم، وفي مدينة تبريز الايرانية، ولهم أتباع متفرقون في الهفوف وبعض قرى الاحساء في المملكة العربية السعودية، وفي جنوب العراق، ويبدو أن تعدادهم السكاني أقل من الكرمانية.
وتتميز مدرسة تبريز بأنها تتبع الشيخ أحمد الاحسائي في أصول الدين والعقائد، وأما في فروع الدين ومسائل الفقه كافة فهي كسائر الشيعة الإمامية الاثنا عشرية ترجع إلى مراجع الشيعة، وأما مدرسة كرمان فقد زادت بعض العقائد والأمورعلى آراء الشيخ الاحسائي، ومسلكهم في الفقه يقرب من الصوفية، لأنهم يرون الرئيس واحداً، ويعطون لشخصه أهمية كبيرة، ولا يحق لأحد غيره في نظره، أن يبدي نظراً في الفقه مهما بلغ من قوة الاستنباط. وينبغي أن ننبه هنا إلى كلا المدرستين تعتقد بأحقيتها في تمثيل الفكرالاحسائي وأن الأخرى ضالة ومنحرفة.
ومن خلال قراءة الاحداث وملاحظة التحولات الاجتماعية،  يبدو أن انشقاق وانقسام الفرقة (الشيخية) كان في بدايته مجرد تعدد مرجعي واختلاف حول المرجع الأصلح ، ثم تحول بالتدريج إلى تعدد مدرسي واختلاف فكري.
وعلى أية حال فإن الركنية تتلخص عقيدتهم في التالي: يعتقدون انّ الدين قائم على أربعة أركان:
١. معرفة الله
٢. معرفة الرسول
٣. معرفة الإمام
٤. معرفة الفقيه الجامع للشرائط الذي يقوم مقام الإمام في زمن الغيبة .
وتجسد الركن الرابع في الشيخ أحمد الأحسائي، ثم في السيد كاظم الرشتي، ثم في الحاج محمد كريم خان الكرماني نفسه ولهذا سميت هذه الطائفة بالركنية.
قال صاحب الذريعة في تصانيف الشيعة: “ولمّا شدّد عليهم الأصحاب (= علماء الشيعة الاثنى عشرية) النكير بعدم وجود ما يسمّى الركن الرابع في الإسلام، ألّف محمد كريم خان الكرماني رسالة عام 1279هـ/1862م، أثبت فيها انّ الركن الرابع هم رواة الأئمة والعلماء جميعاً ولا تختص الركنية بشخص معين”.
ومن الناحية العملية أصبح الركن الرابع منصب تتوارثه سلالة الكرماني حتّى اليوم، باعتبارهم المصداق الحقيقي لهذا الركن. ومن المعلوم أن أسرة الكرماني هم أبناء عمومة الملوك القاجاريين الذين حكموا ايران للفترة من سنة1796م لغاية 1925م عندما تمكن الشاه رضا بهلوي من إقصائهم عن الحكم وتأسيس أسرة جديدة(= الاسرة البهلوية) حكمت ايران لغاية1400هـ/1979م.
وكان مقر زعامة الفرقة الركنية يقع في مدينة كرمان الواقعة جنوب شرق إيران، حيث يتواجد أحفاد الكرماني والأكثرية من أتباعه، ولما قتل مرشدهم (الحاج عبد الرضا الإبراهيمي)عام 1402هـ/1980م في إيران، انتقل مقر الزعامة إلى مدينة البصرة بالعراق أهم معقل لهم بعد كرمان، وقد توفي زعيمهم الحالي (علي عبدالله الموسوي) في 15/1/2015م في مدينة البصرة، وقد رجّح (عامر الفائز) عضو البرلمان العراقي السابق عن الطائفة الشيخية من خلال كتلة المواطن، أن ” يخلف المرجع الديني (زين العابدين الإبراهيمي الكرماني الموسوي) في زعامة الطائفة دينيًا في العالم “، مؤكداً أن ” نجل الراحل الموسوي،(السيد عبد العال الموسوي)، سيكون ممثلاً عن المرجع الديني وزعيم الطائفة في العراق، والراعي لها سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا “.
والركنية أكثر أتباعًا من منافسيهم الكشفية(= الرشتية)، ويتمركز وجودهم في مدينة كرمان ومناطق أخرى من إيران، ثم مدينة البصرة، حيث يتجاوز عددهم ربع المليون نسمة، ولهم تواجد لا بأس به في دولة الكويت.
ويمكن التعرف على أفكارهم من خلال كتبهم، مثل: (رجوم الشياطين)، و(كشف المراد في علم المعاد)، و(هداية الأطفال)، و(هداية الصبيان)، و(إرشاد العوام)، و(الفطرة السليمة)، و(الفلسفية) للشيخ أبو القاسم الكرماني.
وغني عن القول أن مؤسس الفرقة الركنية هو محمد كريم خان الكرماني، الذي ولد سنة 1225هـ/1810م وتوفي سنة 1288هـ/1871م في قرية ( ته رود) الواقعة على بعد 150كم من كرمان في طريق سفره إلى مدينة كربلاء لزيارة الحسين فوافاه الأجل هناك وحمل جسده إلى (لنكر) وأودع هناك، ثم نقل بعد سنة وستة أشهر إلى مدينة كربلاء ودفن بجوار قبر استاذه السيد (كاظم الرشتي) في الرواق المتصل بقبور شهداء الطف مما يلي رجلي الإمام الحسين .
خلف الحاج محمد كريم الكرماني من النتاج العلمي والفكري تراثا ضخما ضمن (286) عنوانا يشتمل على (255) رسالة و(21) فائدة و(9) وصايا ومقالة واحدة و(253) موعظة و(3) واردات و(32) عائدة وخطبة واحدة، في مختلف العلوم: كالفلسفة والعقيدة والسلوك إلى الله والتفسير والأخبار واصول الفقه والطب والطبيعيات (كالفلك والرياضيات) والكيمياء والعلوم الغريبة (كالرمل والخيوط والحصيات والاعداد وتعبير الرؤيا)، والعلوم الادبية (كالصرف والنحو والاملاء وآداب الكتابة).
ويرى بعض المحققين ان الحاج محمد كريم الكرماني أول من تصدى للإصلاح الاجتماعي والتجديد في إيران، وانه سبق السيد (جمال الدين الافغاني) والشيخ هادي النجم ابادي في آرائه وأفكاره، فقد ألف قبلهما كتابا باسم السلطان ناصر الدين شاه القاجاري المقتول(سنة1314هـ/1896م) سماه بـ (الناصرية) طبع يوم ذاك في مدينة بومباي بالهند، وقد طالب فيه بالإصلاح والتجديد، ودل الشعب على طرق النهضة بالبلاد، وكيف يجب أن يكونوا مجددين مصلحين.
وبعد وفاته خلفه ابنه محمد بن محمد كريم الكرماني، الذي ولد سنة 1263هـ/1847م في مدينة كرمان، وتوفي في قرية لنكر الواقعة على بعد حوالي أربعين كم من مدينة كرمان سنة 1324هـ/1906م، وحمل إلى كربلاء ودفن مجاور قبر أبيه والسيد كاظم الرشتي مما يلي الشهداء ورجلي الإمام الحسين .وقد خلف من النتاج العلمي (216) عنوانا يشتمل على (179) رسالة و(11) واردة و(13) فائدة و(5) وصايا و(2096) درسا و(1923) موعظة.
بعده خلفه في زعامة الفرقة الركنية أخوه زين العابدين بن محمد كريم الكرماني، الذي ولد سنة 1276هـ/1860م، وتوفي سنة1360هـ/1941م، وحمل هو الآخر إلى مدينة كربلاء ودفن في رواق أنصارالحسين( رضي الله عنه) مجاورا لمرقد السيد كاظم الرشتي وأبيه وأخيه، وخلّف من النتاج العلمي (157) عنوانا يشتمل على (139) رسالة و(12) فائدة ورقيمتين ومقالتين و(142) درسا و(293) موعظة.
وبعد رحيل الحاج زين العابدين الكرماني قلدت الركنية الشيخية في أمور دينها ابنه الحاج أبا القاسم الإبراهيمي، وبعده ابنه الحاج عبد الرضا الإبراهيمي، ولما اغتيل في كرمان سنة 1401هـ/1980م، قلدت الشيخية (علي السيد عبد الله الموسوي) والذي توفي في1437هـ/ الموافق ل 15/1/2015م.
ولا بد من الاشارة الى أن قناة (الأوحد) الفضائية تابعة للطائفة (الإحقاقية) التبريزية ولا تمثل شيخية كرمان .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close