محادثات كويتية-سعودية-إماراتية مع العراق حول ملف الطاقة.. ما الجديد؟

بعدما أصبح ملف الطاقة في العراق باعثاً على احتجاجات شعبية، واضطرابات متعددة في بعض المحافظات العراقية، وخصوصاً الجنوبية منها، تتقدم الكويت والسعودية والإمارات بحلول ومباحثات تجريها مع الجانب العراقي، بعدما قطعت إيران إمداداتها للعراق من الكهرباء في أوج أشهر الصيف الملتهبة. وتحاول الدول الخليجية الثلاث عبر تلك المباحثات أنْ تعرِض حلولاً مستدامة، لا يتوقف تأثيرها على الجانب الاقتصادي من توثيق العلاقات مع العراق، وإنما الانفتاح عليه في سياق رؤية أمنية وسياسية مشتركة ذات طابع إستراتيجي.

الربط الكهربائي مع الشبكة الخليجية

في سياق كهذا، يمكن النظر إلى ما كشفه مسؤول إماراتي أمس عن أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي بدأت محادثات مع العراق للربط الكهربائي مع شبكته  وقال مطر النيادي وكيل وزارة الطاقة والصناعة الإماراتية لوكالة “رويترز” للأنباء إنّ “هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي تدرس مع السلطات العراقية ربطاً كهربائياً بمحافظة البصرة في جنوب العراق”.

 

ويعاني العراق ومحافظته الجنوبية البصرة انقطاعات في الكهرباء منذ أعوام مع تدهور الخدمات العامة.  وذكر النيادي، على هامش مؤتمر في مدينة مراكش المغربية، أنّ مجلس التعاون الخليجي قد يصدّر فائضه من الكهرباء.  وأضاف أنّ مجلس التعاون الخليجي ينتج 100 جيجاوات سنوياً، لا يُستهلك منها إلا 30 بالمئة في فصل الشتاء. وأشار إلى أنّ مجلس التعاون الخليجي يدرس أيضاً ربطاً كهربائياً مع منطقة القرن الأفريقي وشبه الجزيرة الهندية، من دون الخوض في تفاصيل، وفق ما أفادت “رويترز”.

الإمارات العربية المتحدة  بدأت محادثات مع العراق للربط الكهربائي مع شبكته

الإمارات العربية المتحدة بدأت محادثات مع العراق للربط الكهربائي مع شبكته

فشل عراقي في إقناع إيران

وكانت إيران قد قطعت خط الكهرباء المغذي للعراق بقدرة ألف ميغاواط مطلع تموز (يوليو) الماضي؛ بسبب تراكم الديون، ما أثّر سلباً وبشكل مباشر في عدد ساعات تجهيز الكهرباء في محافظات ذي قار والبصرة وميسان جنوبي البلاد. وقد أعلن وزير الكهرباء العراقي (في ذلك الحين)، قاسم الفهداوي، أنه فشل ووفد عراقي رافقه في زيارة إلى طهران، في إقناع الجانب الإيراني، باستئناف تزويد العراق بالطاقة الكهربائية، علماً أن خط الإمداد الإيراني كان يسهم في 6% من إمدادات الطاقة العراقية. وسرعان ما توجّه الوفد وقتها إلى المملكة العربية السعودية، التي تسعى للانفتاح على العراق منذ فترة بكل الوسائل، وتسعى لكسر الطوق الإيراني المفروض على المجتمعات الشيعية. ووفقًا لوكالة “بلومبيرغ” فقد وافقت السعودية على بناء محطة للطاقة الشمسية، وبيع الكهرباء إلى العراق بسعر مخفض.

 

وقد تسببت أزمة الكهرباء وأزمات خدمية أخرى في مظاهرات شعبية واسعة اجتاحت مدن الجنوب العراقي للمطالبة بتحسين الخدمات وتأمين فرص العمل للعاطلين.

وكانت هيئة المنافذ الحدودية العراقية أعلنت منذ أواخر تموز (يوليو) الماضي وصول العشرات من مولّدات الكهرباء المقدمة من الكويت؛ للمساعدة في سد احتياجات محافظة البصرة من الطاقة دون معوقات أو أي رسوم جمركية.
وقال رئيس الهيئة، الدكتور كاظم العقابي، في بيان، إنّ 17 مولداً كهربائياً كبيراً مقدمة من الكويت وصلت إلى الحدود العراقية، في الرابع والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، إلى جانب كميات كبيرة من الوقود؛ وذلك بناء على توجيهات من أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بهدف “التخفيف من معاناة الشعب العراقي”، وفق ما أوردت صحيفة “القبس” الكويتية حينذاك.

 وصول العشرات من مولّدات الكهرباء المقدمة من الكويت

وصول العشرات من مولّدات الكهرباء المقدمة من الكويت

طفرة خليجية استثنائيةً في معدلات استهلاك الطاقة

والواقع أنّ دول الخليج العربية تشهد طفرةً استثنائيةً في معدلات استهلاك الطاقة؛ حيث سجل إجمالي الطلب على الطاقة لديها بالمعدل ارتفاعاً سنوياً بنسبة 5 في المئة تقريباً، خلال العقد الأول من الألفية الثالثة؛ كما تذكر الباحثة عائشة السريحي، في دراسة نشرها “معهد دول الخليج العربية في واشنطن” في الحادي والعشرين من آب (أغسطس) الماضي.

 

وتشير السريحي إلى أنه ما بين عام 2003 وعام 2013، ازداد استهلاك الكهرباء في المنطقة بمعدل 6 إلى 7 في المئة سنوياً – أي بوتيرة أسرع من أي مكان آخر في العالم. وقرابة الـ50 في المئة من إجمالي الطاقة الكهربائية المولّدة في دول الخليج مخصصة للقطاع السكني، حيث يحتكر تكييف الهواء جزءاً كبيراً من الطلب. وبما أن قطاع الطاقة مدعوم من الحكومة بنسبة عالية، يعتبر الاستهلاك الفردي للكهرباء في دول الخليج كبيرًا أيضاً، إذ فاق في عام 2014 العشرة آلاف كيلواط في الساعة للشخص الواحد، وتخطى بذلك المتوسط العالمي (البالغ 3127 كيلواط في الساعة للفرد) لا بل تخطى أيضاً المستويات المسجلة في الدول الصناعية الكبرى أمثال المملكة المتحدة (حيث المعدل 5129 كيلواط في الساعة للفرد) وحجّم المستوى المسجل في الدول النامية الأخرى كالهند (805 كيلواط في الساعة للفرد) والصين (3927 كيلواط في الساعة للفرد). وبالنتيجة، تضيف السريحي، تعاظم الطلب على الغاز في كل دول الخليج إلى الضعفين ونصف الضعف منذ عام 2000، وقد نتج ثلثا هذا النمو تقريباً عن توليد الطاقة وحده.

تطوير حقول النفط المشتركة

ولا يتعلق الانفتاح الخليجي على العراق في ملف الكهرباء فقط، بل تدرس الكويت والعراق تطوير حقول النفط المشتركة بينهما. وصرّح وزير النفط وزير الكهرباء والماء الكويتي المهندس بخيت الرشيدي، في آب (أغسطس) الماضي، أنّ الكويت والعراق سيعينان مستشاراً قريباً لدراسة تطوير حقول النفط المشتركة. وأبلغ الوزير الصحفيين أنّ الكويت والعراق حددا أربعة مستشارين حالياً، وسيختاران واحداً منهم لدراسة مشروع الحقول النفطية المشتركة. وأضاف أنّ الكويت تتوقع اتفاقاً مع العراق بخصوص استيراد الغاز وحقول النفط المشتركة قبل نهاية العام الحالي.

تتقدم السعودية بحلول ومباحثات تجريها مع الجانب العراقي

تتقدم السعودية بحلول ومباحثات تجريها مع الجانب العراقي

أولوية حفظ الأمن والاستقرار في العراق

وفي السياق الأمني والإستراتيجي الأوسع، تتابع الكويت بحذر شديد تطورات الأوضاع في العراق الذي تهزّه موجة احتجاجات غير مسبوقة على سوء الأوضاع الاجتماعية وتفشي الفساد لا تبدو متجهة نحو التهدئة، على ما نشرت صحيفة “العرب” اللندنية (21/7/2018)، حيث ذكرت أن الكويت تتخوف من انزلاق الأحداث نحو حالة من الانفلات، خصوصاً في مناطق جنوب البلاد، وهو ما يسبّب حالة القلق الكويتية التي تعبّر عنها عدّة دوائر سياسية وإعلامية، فيما تميل السلطات إلى التعامل مع التطورات بشكل استباقي وعملي، من خلال تعزيز إجراءات الأمن على الحدود مع العراق بالتوازي مع مساعدة الحكومة العراقية على تهدئة غضب الشارع، وهو الأمر الذي تجلّى عملياً بتزويد محطّات الكهرباء المتوقّفة عن العمل بالوقود اللاّزم لإعادة تشغيلها.

اقرأ أيضاً: ماذا قال عضو الكونغرس تيد بو عن وكلاء إيران في العراق؟

ولا تخفي جهات كويتية، تضيف “العرب”، توجّسها من إمكانية استغلال الميليشيات الشيعية العراقية المسلّحة، ذات الصلات القوية بإيران، للأوضاع في جنوب العراق، للانتشار هناك بذريعة حفظ الأمن، بما يتيح لها التمركز في المنطقة المطلّة على الخليج العربي، الذي تريد إيران الزجّ به في صراعها المتنامي مع الولايات المتحدة؛ حيث سبق لطهران أن هدّدت، تصريحاً لا تلميحاً، بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية وحركة تصدير النفط. وترى الجهات ذاتها أنّ تخلخل الاستقرار الهشّ في العراق، وصولاً إلى تهديد استقراره الحكومي، من شأنه أن ينسف الاتفاقات التي تمّت بين العراق والكويت منذ عام 2003 لحسم العديد من القضايا، وطيّ ملفات خلافية بين الطرفين حرصت دولة الكويت على إغلاقها بمرونة لتجنّب تعقيداتها وتداعياتها المحتملة.

مسلم عبد الودود
كاتب مصري

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close