في ادب الحياة، العمر المثمر لا يعني ان نزيد من حياتنا سنينا، وانما نزيده حياة

د. رضا العطار

قارن بين المواطن العراقي المتقاعد والرجل الانكليزي المتقاعد مثلا، فان هذا الثاني قد اتخذ اسلوبا للحياة ايام شبابه، لزمه بعد ذلك مدة شيخوخته، فوجد في سن السبعين والثمانين اهتمامات والتذاذات ورياضات متعددة لا يجدها زميله عندنا.

فهو ابان شبابه تعود الرياضة ولذلك هو يلعب التنس بقوة العادة وهو في السبعين.

وفي ايام شبابه اعتاد المطالعة وشراء الكتب والاهتمام بالاراء ومناقشة الافكار ولذلك هو في الشيخوخة بقوة العادة ايضا يمارس كل هذه الاشياء في لذة ونشاط.

وفي شبابه كان الانكليزي يقرأ الصحف ويعرض لبرنامج الاحزاب ويناقش السياسة الداخلية والخارجية، ولذلك هو في شيخوخته يمارس السياسة ويشترك في الاحزاب .. وفق ما تعوده ايام شبابه. كل هذه الشؤون تملأ فراغه وتشغل وقته واهتمامه، ولذلك هي تستبقي شبابه. فالشيخ الانكليزي في الثمانين لا يركد ولا يستسلم للكسل لان شخصيته ايام شبابه هي نفس شخصيته ايام شيخوخته، بحوافزها ومطامحها وعاداتها.

فاذا كانت عاداتنا في الشباب سيئة فانها سوف تكون اسوأ في الشيخوخة. ومتاعب المسنين عندنا انما ترجع في الاغلب الى ان شخصياتهم التي تكونت في شبابهم كانت ولا تزال دون الوفاء بحاجاتهم النفسية والروحية. فهناك وحدة سيكولوجية بين الشباب والشيخوخة، ارجو ألاّ يفهم مما قلت اني اعلل جميع عاهات الشيخوخة عندنا سواء أكانت نفسية او ذهنية او جسمية بأسلوب الحياة الذي يختاره كل منا، ذلك ان هناك ظروفا مدنية وثقافية واجتماعية تتعسنا وتشقينا في شيخوختنا، كما ان ظروفا اخرى مما تضارع ظروفنا تسعد الاوربين والامريكيين.

فاننا في العراق مثلا نمرض اكثر من الاوربين، لأن معظم مدننا غير نظيفة، ولأن اسلوبنا في طهو الطعام سيئ، ولأن قطاعات واسعة من شعبنا فقراء لا يحصلون على مقدار البروتين الكافي في طعامهم.

ففقر المسن تتعسه وليس هو مسؤلا عن فقره، وانما تعود المسؤلية هنا الى اولئك المستعمرين سواء أكانوا من الاجانب او من حكامنا المحليين الظالمين، الذين يبقون على الشعب فقره بسبب عدم تطبيق نظام العدل الاجتماعي عندنا، هذا النظام الذي نادى به الاسلام منذ بزوغ فجره، هذا الاسلام الذي اتخذناه دينا رسميا لبلدنا.

تأمل ايها القارئ كيف اختلفنا. فقد تقدم الطب في الغرب وكاد يقضي على جميع الامراض الميكروبية واوشك على ان يشفي ايضا جميع الامراض الانحلالية. فطالت الاعمار واستبقت الشيخوخة مقدارا كبيرا من صحة الشباب ونشاطه.

نحن نعاني في عالمنا العربي من مشكلة المرض والاعمار القصيرة. وهم يعانون في اوربا وامريكا مشكلة الصحة والاعمار الطويلة، ذلك انهم يؤدون راتبا لكل من بلغ سن التقاعد.

كانت انكلترا تؤدي هذا المعاش في اوائل القرن الماضي لنحو خمسة ملايين مسن، ولكن نتيجة تحسن الصحة العامة، لن تمضي سنوات كثيرة حتى بلغ عدد هؤلاء المسنين عشرة ملايين. وقل هذا في سائر الاقطار الصناعية. اليست هنا مشكلة ؟ — يا حبذا هذه المشكلة نراها في بلادنا. نعم ولكن بعد تحسن ظروفنا الاقتصادية، اذ يكون في المستطاع ان تؤدي المعاشات السخية للمسنين ومن فوقهم ومن دونهم.

اننا نسعد بالشيخوخة عن طريقين: يكون الاول ان نصبح امة عصرية صناعية متقدمة، فيتوافر الثراء ونحصل به على الاحسن من الطعام والمسكن والهندسة المدنية، لان المدينة النظيفة لا تقل قيمتها في الصحة العامة و المسكن النظيف بل لعلها تزيد، وهذا كله من واجبات الدولة والمجتمع. والطريق الثاني هو الواجب الشخصي، اي ما يقوم به المرء نحو نفسه حتى يعمر العمر الطويل.

ولكن العمر الطويل لا يعني ان نزيد الحياة سنين وانما هو يعني ان نزيد السنين حياة.

اذ ليس هناك سوى العذاب والهوان في ان نمضي شيخوختنا مع الشلل او الروماتزم او الارق او العمى او الصمم، فأمراض الشيخوخة ليست ميكروبية وانما هي انحلالية.

حين تعجز الكليتان او القلب او الكبد او الشرايين عن التأدية الحسنة لأعمالها. ومن شأن هذه الامراض الانحلالية انها تتسلل صامتة خفية. وهي في كل حالة ثمرة او ثمرات لعادات سيئة في العيش، مثل النهم الى الطعام او الافراط في الجهد اثناء المضاجعة او السهر الطويل او التعرض للبرد او نحو ذلك.

ونحن بالطبع سنموت اخر العمر باحد هذه الاسباب او بغيرها فليست هناك وقاية تنجينا من حتمية الموت، ولكن يجب الاّ تطول الشيخوخة المتهدمة كي نصل بها الى التسعين.

انني احيانا اتأمل الصحة والمرض في الشيخوخة، فأنتهي الى الاحساس بان صحة المسنين هي الحكمة، اي انهم كانوا حكماء في عيشهم ايام شبابهم وكهولتهم، فأتجهوا اتجاهات سليمة صانتهم بعد السبعين والثمانين — واعظم ما يسعدنا في الشيخوخة ان نتعلم في شبابنا كيف نشغل فراغنا بغير العمل الذي كنا نرتزق منه، اي بهواية معينة، وقد تكون هذه الهواية هي نفسها العمل الذي كنا نمارسه في عهد الشباب، وهذه هي السعادة العظمى.

* مقتبس من كتاب حياتنا بعد الخمسين لسلامة موسى

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close