الأنسان وفضائل الاخلاق

* د. رضا العطار

قد يقول دعاة النزعة الطبيعية المتطرفة انه لمن خطل الرأي ان نعزل السلوك البشري عن غيره من مظاهر السلوك في الطبيعة، فان حياة الانسان لا تزيد عن كونها مجرد عملية تكيف مستمرة يتحقق بين الكائن وبيئته. وتبعا لذلك فانه ليس امعن في الخطأ من ان نقحم على الاخلاق اعتبارات الرغبة والارادة وكأن للافكار دور في تحديد السلوك.

بيد ان القائلين بهذا الراي ينسون ان الموجود البشري كائن ناطق يصدر عن بواعث ويعمل في سبيل تحقيق بعض الغايات ويكوّن لنفسه فكرة عن كل نمط خاص يجتذبه في سلوكه ويسعى جاهدا في سبيل صبغ حياته بصبغة معينة من التنسيق.

وما كان الانسان موجودا اخلاقيا الا لانه كائن عاقل يملك من الفكر والارادة ما يستطيع معه تجاوز مستوى الغريزة والتسامي الى مستوى السلوك الاخلاق الحر.

والحق ان ما نسميه الخير انما هو عملية يقوم فيها الانسان بالبحث عن القيم بوصفها غايات. ولا يمكن ان يكون هناك قهر او اكراه على فعل الخير. لان الخيرية لا بد من ان تكون وليدة الحرية، فالانسان حيوان اخلاقي لانه كائن حر يملك الاختيار بين فعل الخير وفعل الشر- – – وربما كانت الحرية هي القوة العظمى في كل الحياة البشرية ولكنها في الوقت نفسه الخطر الاعظم الذي يتهددها باستمرار. وانه لمن طبيعة الانسان ان يحيا دائما على هذا الخطر، ولكن هذا الخطر نفسه هو دعامة حياته الاخلاقية، لانه لولاه لما كان الانسان كائنا اخلاقيا.

وليس يكفي ان نقول ان حرية الانسان الاخلاقية نعمة ونقمة معا، وانما يجب ان نضيف الى ذلك ايضا ان الانسان يحمل خطره في ذاته، اعني في صميم القوة الابداعية التي تكوّن صميم وجوده، وعلى حين ان سائر الكائنات تواجهها اخطار من الخارج، نجد ان الانسان هو الموجود الوحيد الذي يواجهه الاخطر من الداخل. – – – ولعل هذا هو السبب في ان فلاسفة الاخلاق طالما حذروا الانسان من نفسه. وطالما دعوه الى مقاومة ذاته، حتى لقد احالوا الاخلاق الى شبه صراع ضد الذات. وقد لا نجانب الصواب اذا قلنا ان حياة الكائن الاخلاقي هي اشبه ما تكون برحلة يقوم بها المرء على حافة هاوية. وان كل ابتعاد عن هذه الهاوية لا بد من ان يتخذ طابع التنازل عن الوجود الاخلاقي – لان من شانه ان يدنو بالمرء الى هاوية جديدة، وربما كان السبيل الضيق القائم بين الهاويتين هو وحده الطريق المؤدي الى الفضيلة الاخلاقية.

اننا لا نريد بطبيعة الحال ان نغوص لمشكلة الحرية الاخلاقية وانما حسبنا ان نقول ان الحياة الانسانية الصرفة لا تبدأ الا حيث تنتهي الحياة البهيمية الصرفة اي حيث يبدأ الشعور بالذات او التجربة الباطنية التي تدرك فيها الذات نفسها بوصفها هي علة الافعال

– – – وهنا يظهر الفارق الكبير بين الحياة البهيمية الغريزية والحياة البشرية الخلقية، فان البهيمة تخضع للدوافع والانفعالات العمياء ولا يتصف بالقدرة على الاختيار في حين ان الانسان يتحكم في اهوائه وانفعالاته ويشعر بانه قوة فاعلة وارادة حرة.

حقا اننا قد نصطدم بعوائق خارجية نقع تحت تأثيرها او قد نلتقي ببعض الضرورات الخارجية عند الفعل ولكننا ما كنا لندرك الضرورة لو لم نكن احرارا، كما اننا ما كنا لنفهم معنى الظلام لولم نكن قد عهدنا فكرة النور – – – ومهما يكن من امر تصورنا للبواعث التي قد تؤثر على سلوكنا وسلوك الاخرين فاننا لا بد من ان نعدّ الاختيار Choice حدثا فرديا لا نكاد نجد له نظيرا في العالم الطبيعي كله، والواقع اننا نفهم ان الفعل الحر ليس هو ذلك التصرف الذي يصدر بعفوية بحيث نقول للشئ كن فيكون بل هو نشاط ايجابي مستمر تسعى من ورائه الارادة الى تحرير ذاتها مستندة في هذه العملية الشاقة الى وسائل مادية وامكانات عقلية.

وليس في وسعنا ان نفصل مفهوم الحرية الاخلاقية عن مفهوم الخبرة الخلقية لان من المؤكد ان الحرية لا بد من ان تمارس ذاتها عبر التجارب المختلفة التي تصطدم بها. وان الحرية لتعرف انها تحيا في عالم مليء بالضروريات والعوائق، فهي لا بد من ان تحقق ذاتها من خلال تلك الخبرات العديدة التي نتعامل فيها مع الضروريات لتصبح حرة بكل ما في الكلمة من معنى – – – والحق انه لا سبيل لنا الى تحقيق اي اتساع في افقنا الاخلاقي الا من خلال خبرات الحياة مع ما يقترن بها من صراع وخطأ وشقاء وياس وفشل – الخ، واذا كان من شان الحرية ان تؤدي غالبا الى الاصطدام بخبرة الخطأ الخلقي فان من شان هذه الخبرة نفسها ان تزيد من ثراء حياتنا الاخلاقية والروحية.

وكل مضمون من مضامين الحياة الاخلاقية بما في ذلك من خطيئة وندم وعذاب وألم – الخ ينطوي بالضرورة على قيمة اخلاقية. ولا شك ان الثراء الخلقي هو دائما حليف الحياة المليئة والخبرة الواسعة، وعلى حين ان اهل النظر الاخلاقي الضيق قد يرون كل شئ عديم القيمة، نجد ان اصحاب النظرة الاخلاقية الواسعة يرون القيمة في كل شئ، فان الخبرة الاخلاقية توسع من آفاقنا الروحية وتكشف لنا الكثير من القيم.

وليس في وسع احد ان ينقل الى الاخرين خبرته الاخلاقية بكل ما لها من دلالة روحية عاشها وعاناها لحسابه الخاص وانما لا بد لكل شخص من ان يستخدم حريته الخاصة في مواجهة تجارب الحياة الشخصية التي لا بد له من معاناتها، واما الدروس التي قد ينقلها اليه الاخرون فانها لن تكون بالنسبة اليه سوى مجرد مفاهيم خاوية او خبرات عقيمة.

ونحن نعرف كيف ان المربي المستبصر لم يعد يتوهم انه يستطيع ان يدرب تلاميذه بحيث يخلق منهم ما شاء وكيفما شاء ! حقا ان بعض الوالدين لا زالوا يظنون انهم يستطيعون ان ينقلوا خبراتهم بتمامها الى ابنائهم ولكن التجربة نفسها سرعان ما تظهر على انه لاسبيل مطلقا الى نقل الاخلاق المكتسبة الى الاجيال القادمة – – – وما دام سبيل الحياة لا بد من ان يظل دائما طريقا خاصا يضرب فيه كل فرد لحسابه الخاص ويخوضه دائما بمفرده، فان فيلسوف الاخلاق لم يعد يستطيع اليوم ان يحاكي المربي الواهم الذي يعتقد ان خبرات الكبار حاسمة بالنسبة الى الصغار، وانها لا بد من ان تقيهم وتعصمهم مواطن الزلل.

ولو كانت المشكلة الخلقية هي بهذا القدر من السهولة لما وجد على ظهر الارض سوى الحكماء ! ولكن فيلسوف الاخلاق يعلم حق العلم انه على الرغم من وحدة المبادئ الاخلاقية الاساسية التي تستلهمها شتى الشرائع والسنن والقوانين، فانه لا بد لكل جيل من ان يكوّن لنفسه حكمته الخاصة، ولا بد لكل فرد منا في زمانه الخاص وموقفه الذاتي من ان يعمل على اكتشاف شروط توازنه.

ومعنى هذا ان الاخلاق مغامرة كبرى يحياها كل موجود بشري لحسابه الخاصن يعبّر من خلالها عن التزامه امام وحدته التاريخية الخاصة. فليس من شان الاخلاق الفلسفية ان تقضي على الحرية البشرية بل هي تقصر كل جهدها على انارة السبيل امام تلك الحرية. وهكذا نخلص الى القول بان الاخلاق تخاطب انسانا واق

عيا ينتسب الى حضارة انسانية بعينها ويحاول دائما ان ينشد (الانسانية) في الانسان.

· مقتبس من كتاب فلسفة الحياة د. زكريا ابراهيم – جامعة القاهرة

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close