التحدي الأخير لفريق البنائين

محمد الكاظم
كواحد من الذين يكتبون منذ أكثر من عقد من الزمن عن ضرورة تحول دورالسياسة من مرحلة النضال الى مرحلة الإدارة، لابد لي ان أكون متفائلاً بالرؤساء الثلاثة الذين أسندت إليهم مهمة قيادة مفاصل الدولة المهمة مؤخراً. فأنا اكتب منذ سنوات عما اسميه بمرحلة (موت المناضل)، التي ادعو بها الى التخفف من أفكار هيمنت على العقل السياسي النظري منذ بدايات العمل الحزبي في العراق، متأثرة ببقايا الخطاب الانفعالي الذي رافق المشاعر المتعلقة بمواجهة الظاهرة الاستعمارية ثم تحول مع الزمن الى مواجهة الآخر، سواء كان ذلك الآخر يمثل الغرب، او الآخر الإقليمي، او الآخر المحلي.
الأفكار التأسيسية التي تتبناها معظم التيارات السياسية المتصارعة على الحكم منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى الآن تقوم على المشاعر الثورية الانقلابية النضالية وهناك حاجة ماسة اليوم لتحول العقل السياسي للتفكير بمرحلة الإدارة السليمة الرشيدة والتخطيط للمستقبل. فنحن بلد لا يستطيع فيه سياسيونا ان يمارسوا السياسة دون تخيل وجود خندق آخر، فقد استغرقنا في هوس التصنيف لدرجة اننا صنعنا خنادقنا الخاصة المتمثلة بالآخر القومي، والآخر المذهبي، والآخر الحزبي. وآخر المؤسسة.
لعدة أسباب اعتقد اننا امام مرحلة تحول جديدة في العراق قد لا تنفع معها طريقة مقاربتنا التقليدية للواقع السياسي في العراق، سأبدأ برئيس مجلس النواب الشاب غير المعبأ بثقافة الماضي وشعاراته وحساباته وطريقته في قراءة الأمور كما كان من سبقوه في هذا المنصب، فهذا الرجل كان منشغلا بإكمال دراسته الجامعية الأولية في الوقت الذي كان النظام السابق يتداعى. وحصل على الماجستير في الهندسة في أجواء العراق الجديد. أي ان حياته العملية بدأت مع بداية هذه تجربة ما بعد 2003 فهو واحد من ابنائها. علّمه العمل في المقاولات ان يكون واقعياً منفتحاً على الآخر وعارفاً بخبايا الإدارة الحكومية.
اما بالنسبة لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف فرغم كونهما يصنفان على انهما من جيل المناضلين ضد الدكتاتورية، الا انهم كانا مصنفيّن داخل حزبيهما على انهما من خانة الأفندية المثقفين الأكاديميين المشتغلين بالفكر، وليس من حملة السلاح ولا من كهنة التنظيم الحزبي، لذلك واجه كل منهما الكثير من الاعتراضات من الحرس القديم داخل حزبه، فقد استصعب جيل المقاتلين ان يأتي (أفندي) من مقاعد الدراسة ليصبح ضمن دائرة صناعة القرار. كما استصعبوا ما يطرحه أبناء المدارس والاكاديميات الميالون الى احتواء الآخر والتعامل معه، في الوقت الذي كانت الحاجة ماسة لأبناء البارود الذي كانوا عماد مرحلة مقارعة الدكتاتور.
نحن امام تجربة جديدة ليس امامها غير ان تنجح، فرئيسُ جمهوريةٍ يحمل الدكتوراه في الإحصاء وتطبيقات الكومبيوتر، ورئيسُ وزراءٍ مختص في الاقتصاد السياسي يؤلف كتباً في الاقتصاد، ورئيسُ برلمان يحمل شهادة الهندسة المدنية وخبرة المقاولات. لابد ان يصنعوا بعض الفرق في ادارة الدولة التي تحتاج الى بناء. إنه فريق بنائين إذا لم ينجحوا فلن ينجح أي شخص آخر.
اعول على هذه الخلفيات العلمية أكثر من الخبرة السياسية. واشعر بإمكانية حصول تحول في عقل السلطة، وأستطيع ان أتفاءل بمن فكر ببناء جامعة، أكثر من الذي فكر ببناء جماعة. هذا المزاج قد ينجح في فصل منظومتنا الإدارية عن المنظومة السياسية، وقد يساهم في إعادة فهمنا لأنفسنا من اجل التعامل مع الآخر، وقد ينجح في بناء الشراكات بدل حفر الخنادق، وانشاء جسور من الثقة مع الآخرين على أساس المصالح لا على أساس الانفعالات والوهم الخطابي. ربما يقودنا هذا التحول في النهاية الى الحديث عن منجزات حقيقية تقدم للمواطن بصيغة الماضي، لا بصيغة (سوف….) التي كرهناها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close