اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح 5

(*) د. رضا العطار

وللحصول على حضارة، كان لا بد للعربي من الرحيل خارج بلاد العرب وما اكثر ما طمع في البلاد الغنية التي تحيط ببلاده المجدبة، بل انه اسس احيانا امارات صغيرة على الحدود الا انه كان يحتاج الى امرين يحفزانه الى التوسع في الفتح هما الوحدة الوطنية والدافع القوي حتى جاءه النبي محمد، فجمع شمل العشائر المتنافسة المتناحرة وآلف بينها، وجاءهم بدين يقاتلون من اجله.

صحيح ان هذا العربي ساكن الصحراء كان دائما وما زال شكاكا ماديا في قرارة نفسه وان ذهنه الذي يتميز بالشدة والصفاء والحدة وان خالطه شيء من الضيق، هذا الذهن دائم اليقظة في محيطه الخاص لم يكن متطلعا الى المسائل الروحية ولا ميالا الى تصديقها، الا ان الوحدانية البسيطة الصارمة التي جاء لهم بها رسول الاسلام بما فيها من مبادئ الثواب والعقاب الحسّية كان لها في نفسه سحر غريب. على اننا مع ذلك لا نستطيع ان نزعم ان الدين كان السبب الاساسي لفتوحات العرب المسلمين الساحقة مهما كانت دعوته قوية وملزمة.

كان هناك حافزا اكثر وضوحا هو الشهوة الجامحة الطبيعية للحصول على الغنائم. فقد كان امامهم امبراطوريتا الفرس والروم القديمتان الغنيتان اللتان شاختا وانهكتهما الحروب والعلل الداخلية ولم تقو احداهماعلى ان تبدي من المقاومة سوى اقصرها وافشلها، كما كان امامهم ايضا ومحط انظارهم بلدان الهلال الخصيب الغنية بمياهها وزراعتها وصناعتها وحضارتها وهي في نظرهم البلدان التي تدر عسلا ولبنا.

ووجد عرب الصحراء انفسهم في مدى عشرين سنة سادة على الممتلكات الواسعة التي كانت من قبل تحت امرة القياصرة والاكاسرة، وكان على تلك الشعوب ذات اللغات والديانات والثقافات المختلفة التي اشربت افكار العلماء والفلاسفة والشعراء والاغريق وامثالهم، وتدربت على مبادئ القانون كان عليها ان تخضع خضوعا تاما، يكاد ان يصل الى حد العبودية لحكام جهلاء لا يستطيعون التكلم بغير العربية وليس لهم سوى كتاب واحد – القرآن – وهو مصدر الثقافة والقانون.

وكان هذا العربي الوافد من الصحراء بما فيه من صلف وكبرياء ينظر الى هذه الشعوب الخاضعة لحكمه بما لها من تقاليد عريقة في العلم والمعرفة والحكمة والقانون، نظرته الى قوم أقل منه شأنا وهو ابن الصحراء الاصيل.

ولما لم يكن على شيء من الثقافة والعلم والفلسفة فقد احتقر اصحابها احتقارا تاما،

كذلك لما لم يكن لديه الرغبة في التعليم. وكان آخر ما يخطر له ببال ان يصيّر هؤلاء القوم الذين اخضعهم بهذه السهولة الفائقة، لسيطرته و في زمن قصير جدا. وكانت السيادة هي الشيء الوحيد الذي يستطيعه ويرغب فيه ولذلك لم يفعل شيئا في مدى قرن تقريبا من الزمان الا ان يحكم الاقطار الشاسعة التي فتحها.

وكان الخلفاء الامويون الذين اتخذوا دمشق عاصمة لهم بدلا من المدينة سنة 661 حكاما مسلمين متهاونين ادركوا انه كلما اعتنق شخص الاسلام كان هذا معناه خسارة في ضريبة الرؤوس وهو مبلغ كانت تجبيه الدولة من غير المسلمين وفقا لأحكام القرآن. وكانت قد اصبحت المورد الاساسي لخزانة الخليفة بعد ان خفّت الغنائم الوفيرة التي جلبتها الفتوح الاولى، ولهذا تركوا الشعوب المحكومة تتمتع بعقيدتها بحرية تامة واستمرت المدارس ودور القضاء تواصل عملها كما كانت من قبل الا انه ايّا ما كانت الاحكام التي يمكن استنباطها من القرآن. فأنها لم تكن تكفي للفصل في القضايا المعقدة التي كان يتطلب البت فيها والاعتماد على مبادئ القانون العلمي السائد في بلدان الهلال الخصيب وشرقي البحر الابيض المتوسط انذاك وخاصة مبادئ القانون الروماني منها.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

الى الحلقة التالية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close