في ادب الحياة، لنثقف عقلنا ايام الشباب، كي نسعد زمن الشيخوخة

د. رضا العطار

على الرغم عن كل ما يقال، ليس في الدنيا شئ اجلى من الثقافة واسوأ من الموت سوى الشيخوخة المتهدمة المريضة، فخير وسيلة نستعد بها للشيخوخة هي الثقافة واعتياد الدراسة، حتى اذا دخلنا مرحلة الشيخوخة، تبقى مسامات عقولنا متفتحة بسبب اهتماماتنا الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية وقت الشباب التي اختمرت الى عمل صالح. والثقافة عالمية، ليس لها نهاية.

فلو استعرضنا حضارة الرومان في القرون الوسطى مثلا، نجد انها ترجع الى ثقافة كونية، اكتسبتها من خلال التواصل التجاري المزدهر مع دول اسيا وافريقيا، لكن بعد سقوطها انحصرت ثقافتها في القرية فصارت زراعية دينية تقليدية.

واكثرمن التجارة في تحفيز الثقافة، هي الصناعة التي يزدهر العلم و الفن والأدب، تحت ظلها، ويمكننا ان نجزم بالقول بان لا يمكن لأمة ان تكون متمدنة الا اذا كانت أمة صناعية. وحسب القارئ ان يقارن بين امة تعيش وتتاجر بزراعة الذرة واخرى تعيش وتتاجر بصنع السيارات. اية منهما اوسع معرفة وثقافة ؟ .

لاشك ان هذه العلوم تجد وطنها في الأمة الصناعية. وليس هناك سلاح امضى عند الامم الاستعمارية حين تريد ان تحكم شعبا وتستغله وتبقيه في جهالة ابدية هو ان لا تسمح له في اقامة صرح صناعة وطنية وتُقصر نشاطه على الزراعة. لأن العلوم العصرية عندئذ لا تجد السوق التي تكسبها بضائعها الثمن المطلوب. ثم ان حرية الفكر تنمو في الوسط الصناعي, لآن قاعدته هي الابتكار والاختراع والمعارف. وهي تركد في الوسط الزراعي ذو التقاليد والعقائد الجامدة.

وهذا كله كلام عام عن الثقافة. وكنا نحب ان نتوسع فيه. غرضنا قبل كل شئ هو الارشاد العملي للشباب في تثقيفهم الذاتي. فنحن في حاجة الى ان نبرز الفوائد التي تعود عليه من الثقافة. حتى يجد في هذا العرض الحافز الى الدرس واقتناء الكتاب. فنحن نثقف عقولنا كي نجعل العمر البيولوجي يمتد الى العمر الجيولوجي. اي ان العمر الذي لا يتجاوز السبعين ان يمتد بالدراسة وكأنه مليون سنة. فالمثقف يدرس التاريخ البشري وما سبق البشر. ويعرف التطورات والتغييرات التي طرأت على الارض وعلى النبات والحيوان. وهذه الدراسة التي لن تنقطع مدى الحياة توحي الينا قداسة دينية ورغبة صادقة في عمل الخير والرقي الانساني مع التطلع الى المستقبل بروح من التفائل والتضامن البشري, يغمرنا شعور الواجب في أحترام الحياة كلها.

علينا ان نثقف عقولنا عن طريق درس المشكلات العالمية الى جانب مشاكل بلدنا كي نقف على ( العقل العام ) نشارك فيه. نميز بين هذه المشكلات بدراستها, ثم نحمل لواء الكفاح في سبيل حلها وتغييرها, حتى يزول المرض والفقر والجهل والحرب والتعصب

وهذا العقل العام الذي يشغل اذهاننا بما يجري في نيويورك وطوكيو وبومباي وباريس مثلما يجري في بغداد يجب ان يكون جزأ من اهتماماتنا الشخصية، انها صفة تجعل كل انسان منا انسانيا.

. ما اهنأها شيخوخة صالحة عندما ينظر احدنا وقد تجاوز السبعبن في فهرست حياته فيجد العناويين البارزة لما قام به من دراسة وكفاح حتى تكونت له شخصية ناضجة مؤلفة من الاستقلال الروحي والاستمتاع الفني. وما اتعسها شيخوخة يقضيها احدنا في الجهل والجمود وكأنه قد قطع صلته بالعالم . يُقال من وظيفته في سن الستين وكأنه قد اقيل من الحياة كلها, يقضي نهاره على خشبة المقهى جالسا وكأنه في نعاس الموت لكن في الحقيقة انه ميت لكن تأخر دفنه. وذلك لآنه لم يثقف عقله ايام الشباب كما لم يغرس في نفسه اهتمامات دينية، تنير عقله و تنشط روحه او علمية تغذي فكره بالمعارف المشوقة وتحي عواطفه وقد قال الحكيم قديما:

في الجهل قبل الموت، موتُ لآهله * * فأجسادهم قبل القبور، قبورُ

* مقتبس من كتاب حياتنا بعد الخمسين للعلامة سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close