العراق… الاختلاف ممنوع في بلاد الرافدين

بغداد ــ زيد سالم

15 أكتوبر 2018

تزداد الجرائم في العراق يوماً بعد يوم وتتنوع أشكالها، فالسلاح منتشر وغير محصور في يد الدولة. آخر تلك الجرائم استهداف متوحش لأشخاص يعتبرهم المتطرفون مختلفين عن النسيج الاجتماعي للبلاد

لم يكن المسرحي العراقي، كرار نوشي، أول الضحايا، ولم تنتهِ قائمة المغدورين بعارضة الأزياء، تارة فارس، أو بالناشطة سعاد العلي، وخبيرة التجميل رفيف الياسري وزميلتها رشا الحسن، وربما لن تنتهي بالمراهق، محمد المطيري. كلُّ هؤلاء اغتيلوا في فترة وجيزة، بطرق لافتة، إذ جرت تصفيتهم بعمليات سريعة ومصورة بكاميرات مراقبة وأخرى بتصوير حيّ عبر الهاتف، في مشاهد صدمت كثيراً من العراقيين وأثارت استهجانهم، كما تساءلوا عن قدرة القتلة على عبور نقاط التفتيش التي تنتشر بكثافة في شوارع المدن العراقية، بالإضافة إلى عدم اكتراثهم باحتمال تصويرهم أو ملاحقتهم.

هي جرائم من بين عشرات الجرائم التي تحصل يومياً في العراق، من دون التوصل عادة إلى الجناة أو خيوط أولية عنهم، لا سيما تلك الاعتداءات التي استهدفت شخصيات معروفة، وظلت أوراقها في ملفات اللجان التحقيقية التي تفرزها السلطات الأمنية بعد كلّ حادث، وأبرزها وزارة الداخلية، من دون نتيجة.

انتقادات
بعد كلّ حادث، تؤكد وزارة الداخلية أنّها توصلت إلى الخيوط الأساسية التي تكشف عن مرتكبي الجرائم، لكنّ ذلك لا يكون غالباً أكثر من تهدئة للمواطنين المرتابين من الأوضاع الأمنية السيئة، والفلتان والفوضى اللذين يصيبان البلاد، فالوقائع تشير إلى أنّ أيّ جريمة لم تكشف ملابساتها بالكامل بعد.

السلاح ينتشر في العراق بشكل غير مسبوق، تحمله المليشيات، وكذلك عصابات الخطف والإجرام. أما ملف “حصر السلاح بيد الدولة” فقد فشل مراراً وتكراراً في كلّ حكومة من الحكومات التي أعقبت الغزو الأميركي عام 2003. ما زالت العصابات طليقة تنفذ مشاريعها ونشاطاتها اليومية من دون رادع، بينما تكتفي القوات المسلحة العراقية بمختلف تشكيلاتها، بفرض القبضة الأمنية على المواطنين المدنيين غير المتورطين في الجرائم والعمليات الإرهابية، وهو ما يظهر في شكل التضييق عليهم لدى مرورهم من نقاط التفتيش في مختلف المحافظات.

قبل أربعة أشهر، تمكنت عصابة مجهولة من قتل الضابط الكبير، صفاء حسن، وهو مسؤول دائرة الجوازات في مدينة بابل جنوب بغداد، وانتشر مقطع صورته إحدى كاميرات المراقبة في شارع 60 بمدينة الحلّة، حيث جرت عملية التصفية، وتداوله ناشطون وصحافيون. لم تمضِ أيام حتى تقطعت أوصال القضية، لكنّ وزير الداخلية، قاسم الأعرجي، فتح الملف أخيراً، بالإعلان عن اعتقال الجاني الوحيد، أي منفذ الجريمة، وهو شخص واحد فقط، مع العلم أنّ المقطع المصور أظهر ثلاثة أشخاص نفذوا العملية. لكنّ وسائل إعلام محلية، أفادت أنّ المعتقل اعترف أنّ أمر القتل بحق العقيد صفاء حسن، جاء بإيعاز من قيادي في مليشيا “بدر” ببابل، وهي نفس الجهة التي ينتمي إليها وزير الداخلية، وأدى الخبر إلى انتقادات كثيرة تلقاها الأعرجي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الوزير محرج
عدا عن حادثة اغتيال حسن، فإنّ معظم التصفيات التي استهدفت شخصيات عامة، من ناشطين ونجوم في مواقع التواصل الاجتماعي نفذتها جماعات إسلامية، أبرزها مليشيات موالية لإيران “لصد هجمات غربية كافرة”، بحسب ضابط في وزارة الداخلية تحدث إلى “العربي الجديد”. يقول: “التصفيات التي استهدفت الفنانين ونجوم الإعلام والمواقع، لم تكن على خلفية عداء أو مصالح شخصية بين الضحية والقتلة، ولا حتى على أساس سلب الممتلكات، فكرار نوشي، اختطف بعدما انتشرت على موقع “فيسبوك” مقاطع مصورة له، يبدو فيها شعره الأصفر الطويل، ووجهه الحسن، فجرى تمزيق جسده ثم قتله، وحتى تارة فارس، لم يُسرق منها شيء خلال عملية تصفيتها، فقد بقيت سيارتها في الشارع وهواتفها وأموالها، كذلك، كانت حال لاعب كرة القدم الناشئ، محمد المطيري، فقد جرت تصفيته بواسطة سكين مزقت أمعاءه، وظل يعاني أمام عدسة الجاني، وتحاورا بشكل يدلّ على أنّ القاتل متطرف”.

يضيف الضابط، وهو مقرب من وزير الداخلية، أنّ “الوزير محرج من فتح الملفات التي تتعلق بمقتل المشاهير، لأنّه يعرف أنّ غالبية الجناة ينتمون إلى فصائل دينية مسلحة، وهو صديق لهم، لا سيما في السنوات التي كان فيها الأعرجي مقاتلاً ضد نظام صدام حسين”. يشير إلى أنّ “كلّ الفصائل المسلحة والمليشيات ومن ضمنها عناصر ينتمون إلى الحشد الشعبي، متورطون في قتل المشاهير، فهم يعتقدون أنّ العارضة تارة فارس مدعومة خارجياً من أجل تفسيخ القيم الإسلامية في المجتمع العراقي، وترسيخ مفاهيم غربية في عقول النساء المسلمات، أما كرار نوشي، فاعتبروه مثليّ الجنس، بالإضافة إلى محمد المطيري، الذي قتله متشدد بتهمة المثلية أيضاً. وهكذا فإنّهم يحاربون المختلفين والمميزين، بدافع ديني”. يردف: “التحريات والتحقيقات التي تقوم بيها السلطات الأمنية لم تصل إلى أي شيء حقيقي يمكن الاستناد عليه، ومن المستحيل أن تتمكن الدولة من اعتقال الجناة، إذا ما توصلت إليهم، لأنّ الهيئات الأمنية وحتى وزارة الداخلية واللجان التحقيقية وأعضاءها ينتمون إلى أحزاب إسلامية تمتلك مليشيات، وهذه المليشيات في دورها تنفذ عمليات تسميها بالتطهير أو قطع رأس الأفعى”.

ترويع
لم تكتفِ العصابات الإسلامية بترويع العراقيين عبر سلسلة الجرائم بحق المشاهير، إنما ذهبت إلى استخدام صفحات إلكترونية وهمية في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يُعرف بـ”الجيوش الإلكترونية” لتهديد الإعلاميين والناشطين، مثل ملكة جمال العراق لسنة 2017، شيماء قاسم، التي أعلنت عن ذلك عبر حوار تلفزيوني، وهربت إلى العاصمة الأردنية عمّان، بالإضافة إلى شاعرة محلية معروفة، وإعلامي بارز في بغداد.

في هذا الإطار، تقول، “س. ج” وهي صديقة العارضة تارة فارس، لـ”العربي الجديد”، إنّها تلقت تهديدات من “حسابات وهمية” في موقع “إنستغرام” بعد نشرها مقاطع ترويجية مصوّرة في بغداد، لمنتجات تجميلية وصالونات نسائية، ما اضطرها إلى التوقف عن عملها. تشير إلى أنّ من هددوها قالوا لها إنّ عملها يخالف الشريعة الإسلامية، وسيحين موعد تصفيتها قريباً.

تاريخياً، لم يشهد العراق حوادث مثل هذه، في كلّ عهوده السابقة، فقد كانت البلاد قطعة غنية بالتنوع والاستقلالية، فمن ستينيات القرن الماضي حتى عام 2002، حازت المرأة العراقية على حرية لم تعهدها أغلبية البلدان العربية، إلاّ أنّ الأثر الإسلامي المتطرف بدأ بالظهور مع ولادة “جيش المهدي” لمؤسسه زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، في مدن وسط وجنوب العراق، وامتداد أثر تنظيم “القاعدة” في مناطق شماله وغربه، وانتهت الحركات المتطرفة بتنظيم “داعش” الذي اقتص من الشخصيات المميزة، عبر سلسلة ممارسات مسنودة إلى أحكام دينية وأحاديث وتفسيرات لآيات من القرآن.

النائب السابق في البرلمان العراقي محمد اللكاش، يقول إنّ “الأمن الاجتماعي غير متوافر في العراق، والبلاد تشهد أعلى معدلات الجرائم المنظمة”، مبيناً في حديثٍ مع “العربي الجديد” أنّه “بعد طرد تنظيم داعش من البلاد، صار لزاماً على الحكومة العراقية والسلطات الأمنية من حصر السلاح بيدها، ومنع تداوله بيد المواطنين والجهات غير الحكومية، لكن قبل ذلك، لا بدّ من اختيار وزير جديد للداخلية يكون قوياً وشجاعاً ويتصدى للجماعات والمليشيات التي يملك بعضها أسلحة ودراجات نارية، تعود ملكيتها للدولة أصلاً. ففي السنوات التي أعقبت ظهور تنظيم داعش كثرت الاغتيالات وعمليات القتل العمد والسرقات وترويج المواد المخدرة، وانتشرت أماكن الترويج من النوادي والملاهي غير المرخصة، والمرحلة المقبلة تحتاج إلى وزير كفوء قادر على فتح ملفات الفساد والاغتيالات”.

بدوره، يشير رئيس منظمة “إنصاف” لحقوق الإنسان، محمد حيدر، إلى أنّ “العراق بعد عام 2003، صار ساحةً تتجاذبها تيارات وحركات دينية متشددة، وليس من المستبعد أو المستغرب أن تقع حوادث قتل وتصفية على أساس ديني”. يوضح لـ”العربي الجديد” أنّ “ذوي المغدورين لا يقولون إنّ أبناءهم وبناتهم اغتيلوا على أساس ديني، وذلك بسبب الحرج المجتمعي، بالإضافة إلى الخوف من الجماعات نفسها، وينسبونها إلى عصابات مجهولة، وهو ما ترتاح له السلطات الأمنية التي لا تريد التورط مع هذه الجماعات هي الأخرى”.

,
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close