متى ننشئ ثقافة أنسانية عراقية

لا شك ان العراقيين بعد تحرير العراق من ظلام وظلم حكم الحزب الواحد والرأي الواحد والحاكم الواحد تمتعوا بحرية واسعة ومطلقة الى درجة الفوضى كانت بداية خير على العراقيين الاحرار وفي المقدمة المثقفين لان الحرية للمثقف كالماء للسمك لا ثقافة ولا مثقف بدون الحرية ففي الحرية ينشأ المثقف الحر والمثقف الحر ينشأ الثقافة الحرة التي تنير العقول والدروب وترفع الانسان الى مستوى الانسان وتضع الشعوب على الطريق الصحيح
نعم ان هذه الحرية التي حصل عليها العراقي بعد تحريره من سجن وعبودية صدام كسرت وحطمت ودمرت كل القيود والاغلال والسجون التي صنعها صدام دفعت كل العراقيين بكل اطيافهم ومستوياتهم الى الخروج لتحقيق رغباتهم الخاصة ومنافعهم الذاتية الا قلة قليلة حاولت ان تنطلق من قضايا عامة الا انها فشلت امام الاغلبية الساحقة التي تبحث عن رغباتها وفي المقدمة اللصوص والفاسدين والقتلة والمزورين واخذت كل مجموعة تطبق وتنفذ رغبتها الخاصة وتحقق حلمها التي كانت تحلم به سواء كان صالحا ام طالحا ومن الطبيعي ادى ذلك الى التضارب والتصادم بين فئات الشعب المختلفة وكانت هذه الحالة المؤسفة السبب الاول وراء ما وصل اليه العراق والعراقيين من فوضى وفساد وارهاب
لا شك ان المثقفين يتحملون المسئولية الكبرى عما حدث في العراق من فوضى وفساد وارهاب لانهم كانوا بعيدين عن هموم الشعب ومعاناته عن طموحاته وآماله سواء في مرحلة الدكتاتورية والاستبداد او في مرحلة الحرية والديمقراطية بل ان بعضهم كان من ضمن المطبلين والمزمرين للطاغية ومذابحه ومقابره الجماعية كما ان الكثير من هؤلاء غير شكله ولونه و اصبح من ضمن هذه الفوضى وجعل من نفسه تابعا لأحد قادة هذه الفوضى التي حلت بالعراق بعد التحرير وهكذا ضاعت الثقافة وضاع المثقفين
لا احب التعميم نعم هناك بعث المثقفين استمروا بالتمسك بقيم الثقافة وروحها الانساني لكنهم مجرد افراد لا قوة لهم ولا تأثير لا نجد من يسمعهم ولا حتى من يراهم
فالثقافة لا تكون لها قوة ولا تأثير الا اذا كانت ثقافة جماعية تتحرك وفق خطة مسبقة متفق عليها وتكون متواصلة ومستمرة حتى تترسخ في جذور المجتمع العراقي في عقول ابنائه ثقافة منطلقة من النقاط المضيئة والايجابية في واقعه دافعة بالحاضر الى المستقبل الحر للأسف هذه الحالة لم يتمكن من خلقها المثقفين بعد تحرير العراق بل ولدت حالة جاهلية جديدة وهي العودة الى العشائرية والطائفية والعنصرية والتغزل بالعشيرة والطائفة والقومية يعني عادة الينا ثقافة التجهيل التي كانت سائدة في عصر الطاغية المقبور صدام فانك تسمع وترى ثقافة طائفية عنصرية عشائرية لكنك لا تسمع ولا ترى ثقافة عراقية انسانية
لا تسمع ولا ترى عراقي يعتز بعراقيته ويقول انا عراقي وعراقي انا لا في داخل العراق ولا في خارجه والسبب هو عدم وجود ثقافة عراقية انسانية وهذا يعني الذي تصنع عراقي يفتخر ويعتز بعراقيته هي الثقافة العراقية والثقافة العراقية يخلقها المثقفون
السؤال هل يمكننا ان نصنع ثقافة عراقية انسانية واحدة يتأثر بها ويتفاعل معها كل العراقيين من كل الاطياف والاعراق ويتغنى بها العراقي الحر في كل مكان في داخل العراق وفي خارجه
نعم يمكننا ان نخلق ثقافة عراقية اذا تجمع اذا تمكن المثقفون العراقيون من كل الاطياف والاعراق والمناطق وشكلوا تيار تجمع جمعية ووضعوا خطة لعملهم وتحركوا وفق تلك الخطة ووضعوا خطوط حمراء لا يجوز التجاوز عليها القفز عليها اختراقها مهما كانت الظروف والتحديات مثل
وحدة العراق والعراقيين وحماية الديمقراطية اي التعددية الفكرية السياسية والعمل بجدية واخلاص على دعمها وترسيخها
كما على المثقفين العراقيين ان يدركوا ويعوا ان الديمقراطية ليست سلعة تستورد وانما هي عملية بناء يبنيها الشعب بنفسه ولا يمكنه ان يبنيها الا اذا كان مهيأ لهذه العملية وهذه مهمة المثقف التي يجب ان يهيئ نفسه للقيام بها والا يتحمل المسئولية في فشل الديمقراطية في العراق
وهذا يتطلب من مجموعة المثقفين ان يضعوا خطة ويتحركوا بموجب هذه الخطة والنزول الى الناس الى المجموعات البعيدة عن السياسة التي تعيش في ظل الاعراف العشائرية والنزعة العنصرية المتخلفة والتي لا تعرف قيمة صوتها ورفع مستواها من خلال نشر القيم والاخلاق الديمقراطية ومعرفة اهمية صوتها كما عليكم ان تكونوا على حذر ويقظة من فرض اي فكر او رأي بل عليكم ان تنطلقوا من النقاط المضيئة والايجابية في واقعهم اياكم والاصطدام معهم في مثل هذه الظروف
فالمثقف ليست مهمته فرض الافكار على الآخرين بل مهمته ان يجعل الاخرين احرار في طرح قناعتهم بحرية بدون خوف ولا مجاملة وفي نفس الوقت يحترمون قناعة الآخرين بكل حب واحترام
وهكذا يمكن للمثقف ان يخلق ثقافة عراقية انسانية
مهدي المولى

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close