اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح 6

(*) د. رضا العطار

لقد كانت مدينة البصرة المركز الرئيسي لدراسات الادب العربي في بادئ الامر وهذا يشير الى ان احد العوامل التي عملت على تشجيع تلك الدراسات كانت اكاديمية (جنديسابور) ومدينة (الحيرة) حيث استقى الحيريون معارفهم اليونانية عبر اللغة السريانية وحلت الكوفة والبصرة في العصر الاسلامي المزدهر محل الحيرة.

يقول احمد امين : (كان طبيعيا ان ينشأ علم النحو في العراق … لان الاداب السريانية كانت في العراق قبل الاسلام وكان لها قواعد نحوية فكان من السهل ان توضع قواعد عربية على نمط القواعد السريانية خصوصا واللغتان من اصل واحد، وهي اللغة السامية، بهذا كان السابقون الى وضع النحو هم البصريون اولا ثم الكوفيون.

واذا كان المسلمون قد تأثروا بالسريان فيما اتخذوه لضبط لغتهم واعرابها فان السريان كانوا وراء المنهج الذي اتخذه النحاة لكتبهم ذلك انهم كانوا يشتغلون بالفلسفة والعلوم اليونانية في مدرسة جنديسابور الفارسية ولقد ادّى ذلك الى ان اصبحت المعارف اليونانية منتشرة في بلاد فارس.

واذا كانت ثقافة كل عصر تلبي مطالبه وتشبع حاجاته فان ثقافة العصر الاموي قد قامت بدورها حقيقة، انهم لم يفرغوا للشؤون العلمية بقدر ما فرغوا للأمور السياسية.

الا اننا نصادف من بينهم من لم يدخر وسعا في سبيل تشجيع الحركة الادبية والتقدم العلمي. واذا لم يقدّر لنتائج جهودهم ان تظهر بجلاء فان هذا يرجع لعدم استقرار الامور طوال ايامهم وقرب عهدهم بالعصر الجاهلي.

فالحروب والفتن الداخلية والخارجية التي قاست شرّها البلدان الاسلامية في العصر الاموي وما رافق ذلك من اضطراب الاحوال الاجتماعية والاقتصادية. كل هذه الامور قضت ان يكون سير الحياة الفكرية في ذلك العهد بطيئا الا ان هذا العصر شكّل النواة الاولى وكان عصر حضانة واستعداد هيّا لمجيئ الحياة العلمية والثقافية وازدهارها في العصر العباسي والتي كانت قد تأصلت جذورها في ثقافات العهود السابقة في ايام السريان والفرس والاغريق. فاذا ما اشرنا الى ما كان عند العرب من طب وفلسفة وعلوم ورياضية، لسنا نعني بذلك ان هذه العلوم كانت من نتاج العقل العربي الصميم وان واضعيها كانوا من ابناء الجزيرة العربية بل نقصد ان هذه العلوم وضعها في اللغة العربية رجال نشأ اكثرهم في عصور الخلافة وكانوا من جنسيات مختلفة ويدينون بأديان مختلفة فمنهم المسيحيون، ومنهم الفرس واليهود والمسلمون.

لقد كان انتقال الخلافة من الحجاز الى سوريا من العوامل التي فتحت الباب امام السريان ليسهموا بجهودهم في بناء الدولة الاسلامية. كما كان لهذا الانتقال اثره في تطور الحضارة. فلقد وجد العرب انفسهم حكاما لمنطقة كانت ولاية رومانية خاضعة لقانون روماني وادارة منظمة جدا. وقد ابقوا كل هذا كما كان. كذلك كانت دمشق وهي العاصمة الرسمية لسوريا مدينة اغريقية، وكان فيها مدرسة ظلت تحتفظ بشهرتها حتى تاريخ الفتح الاسلامي.

هذا وقد شهد العهد الاموي انقلابا خطيرا في النظام السياسي بالنسبة لما كان عليه في عهد الخلفاء الراشدين. فلقد تبدل مفهوم السلطة المتعارف عليه منذ ايام النبي محمد اذ تحول هذا المفهوم من نظام الشورى الى نظام الملك عن طريق الوراثة وبدأ هذا التحول على يد معاوية الذي سارع الى تنصيب ابنه يزيد خلفا له منفردا برأيه من دون الاخذ بعين الاعتبار ما قد يترتب على التفرد من ردّات فعل، قد تكون لها انعكاسات سلبية تقود الى تدمير كيان دولته برمتها فيما بعد.

فمنذ ان نصب معاوية ابنه يزيد خليفة، عمد الى اجراء تغيرات واسعة في المؤسسات القائمة، تتلائم والوضع الجديد الناشئ عن الفتوحات فاستعاض عن النظام المستوحي من القرآن بنظام آخر. قضى بالغاء الشورى وتحويلها الى ملك. وقد نحا معاوية بالخلافة نحو الملكية فتحول النظام القائم على الوراثة المستندة الى العصبية العائلية واعتبر ان اساس الشورى القائم على الدين لم يعد ممكنا وعشيرة بني امية كانت تتباهى كونها كانت تسمى نفسها سابقا: ( بيت قريش الملكي )

هذا ولم ينظر الامويون الى المسيحيين نظرة ازدراء وخاصة بني تغلب وتنوخ وبكر الذين بقوا على دين المسيحية في الوقت الذي انخرطوا في الجيوش الاموية المعادية للأسرة العلوية وزعيمها (علي بن ابي طالب). فمعاوية كان ضد فكرة التحول الجماعي في الدين من طريق القوة نظرا لما يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على سياسة الدولة، فالمسيحيون كانوا يتمتعون زمن الخلفاء الامويين ببعض الامتيازات. ويعود ذلك الى انهم كانوا يشكلون العنصر الاهم في الجيش والادارة. وعهد معاوية الى مسيحيين سوريين تميزوا بحكمتهم وتفوقهم في العلوم الادارية والمالية على عرب الحجاز في ان يحتلوا المناصب الرفيعة في الدولة.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

الى الحلقة التالية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close