الحوار من القرآن وخطب الامام علي ع.

نعيم الهاشمي الخفاجي

اول واحد حاور وفق التاريخ البشري من خلال الكتب المقدسة ومنها بلا شك القرآن الكريم وهو الكتاب الخاتم لآخر الديانات الهية التي انزلها رب العالمين للبشريه فقد وردت آيات في القرآن الكريم ان الله سبحانه وتعالى قد حاور الملائكة عندما خلق مخلوقه آدم ع وابلغهم مصطفيه عليهم فأتج الملائكة وقالوا لله سبحانه وتعالى اتجعل الذي يفسد ويسفك الدماء، وبعد الحوار اطاعوه وامرهم اذا نفخ بهذا المخلوق روحه عليهم بالسجود لهذا المخلوق المكرم والسجود هو سجود طاعة وليس سجود عبادة فسجد الملائكة كلهم اجمعون إلا ابليس ابى وكان من المستكبرين، ورغم ذلك الله حاور ابليس ودخول بحوار رائع ولم يستعمل القوة مع ابليس وانما اعطاه الله عز وجل حق الاختار بين الطاعة والمعصية، والله استجاب لطلب ابليس ان يبقيه ليوم القيامة رغم علم الله ان ابليس يضل البشرية لكن اقتضت الحكمة الهية ان يعطي الله العقل للانسان وهنا الاختبار بساحة البشر هو من يختار طريق الله او يرفضه، رسول الله ص حاور قريش بالحكمة والموعظة الحسنة، الامام علي ع حاور الصحابة عندما غصبوا حقه وحاور اعدائه عندما اصبح خليفة، وحاور ائمة ال البيت ع الملحدين بحوار هادء وحاوروا اصحاب الديانات المختلفة وقد اعجبني بحث لدكتورة ايرانية في جامعة طهران تحدثت به عن الحوار وفق منهج وقيم الامام علي بن ابي طالب ع وهذا البحث جدا راقي يكشف القيم النبيلة التي كان علي بن ابي طالب ع يستخدمها مع رعيته،
الحوار في كلام الإمام علي عليه السلام
د.انسيه خزعلي

جامعة الزهراء – طهران

الحوار في اللغة والاصطلاح :

الحوار في اللغة من الاصل الثلاثي “حور” بمعنى الرجوع الى الشيء و عنه و كل شيء تغير من حال الى حال فقد حار و المحاورة مراجعة الكلام ، حاورت فلانا في المنطق و احرت اليه جوابا …تقول سمعت حويرهما و حوارهما (فراهيدي،ج٣ص٢٨٧) كما يذكر في لسان العرب اضافة الى المعاني المذكورة :الحور ماتحت الكور من العمامة لانه رجوع عن تكويرها وكلمته فمارجع الي حوارا…و احار عليه جوابه : رده و المحاورة المجاوبة (ابن منظور ، ج٤ص٢١٨).

فكما يبدو ان الحوار اخص من الكلام و الخطابة و يشمل المحادثات الطرفيني التي يتوقع منه رد فعل من الطرف الاخر يعني المتلقي .

اما من حيث استعمال هذا المصطلح و تداولها ،قد لا نعثر على الكثير من عبارة (الحوار) في كلام الوحي أو النصوص الواردة، حيث استخدم القرآن الكريم عبارتي (الحوار) و (الجدال) في عدد قليل من المواضع؛ لكنها لا تشمل المعنى المراد منه في هذا المقال. (سورة ١٨، ٣٤ و٣٧ وسورة ٥٨، ١).

هذا في حين استخدم القرآن الكريم عبارة (الجدل) في ٢٧ موضع وتحدث عن هذا الموضوع من زوايا مختلفة، فلم تقف هذه المصطلح عند حدود النزاعات الفردية أو الإختلافات الإجتماعية بل شملت أيضاً الصراعات الدينية والسياسية التي تسيطر على المجتمع ، واستعمال الجدل كثير في الروايات و الاشارة اليه غالبا يتطرق الى الجانب السلبي والتحذيرمنه بسبب عواقبه السيئة حين يستعمل الحوار في اطار اوسع و يشمل كثير من المحادثات المحدودة وغيرها والجانب السلمي ابرز فيه من الجانب التخاصمي .

“فقد يحدث للانسان ان يتحرك من اجل اعطاء فكرته صفة الوضوح التي تتمثل في النفاذ الى كل جانب من جوانبها لئلا تبقى هناك حاجة للاستفهام اوالمعارضة الناتجة عن خفاء بعض القضايا الملحة وهنا يبرز الحوار الذاتي تارة و الحوار المشترك اخرى. “(فضل الله، ١٩٨٤، ١٦).

ولعلّنا لا نعثر في كتاب نهج البلاغة أو في النصوص الأخرى المروية عن الإمام علي (ع) على عبارة (الحوار) غير أن بإمكاننا العثور في هذه الروايات على عبارات مرادفة ومشابهة لها وكذلك نجد بعض المفاهيم غير المباشرة التي تدلّ على هذا المعنى؛ هذا إلى جانب سيرته (ع) العملية ووصاياه التي تحدثت عن آداب الحديث وأسس العلاقات الإجتماعية والتي يمكن التعرف من خلالها على رؤية الإمام (ع) للحوار وشروطه وأصوله وكذلك الأساليب المؤثرة فيه و لاشك ان الشروط والاساليب في الحوار هذا يرتبط بالاطراف المترامية في الحوار و الظروف الخاصة به كما ان الحوار مع العدو يختلف عن الحوار فيما بين الاصدقاء و الدراسة هذه تعني بهذاالاخير و تبحث عن اهداف و الاصول و الاساليب التي يجب مراعاتها للوصول الى النتيجة .

الحوار المتبادل وفوائده

إن واحدة من خصائص التواصل هي الهدف من إقامته، فلكل من طرفي التواصل أهدافه الخاصة، ويسعى من خلال هذا التواصل إلى تحقيق نتائج طيبة، وتأسيساً على ذلك فإن التواصل ليس ظاهرة غير هادفة وعديمة الجدوى؛ بل إن تحديد الهدف والغاية منها سيساهم في عملية تفعيلها بشكل أكثر ويساعد على تصحيح مسارها .

لقد فصل لينهن (Linehan, ١٩٧٩) بين إثبات الذات المباشر وغير المباشر حيث يعتقد إن إثبات الذات المباشر والمعلن ليس هو الأسلوب الأفضل على الدوام خاصة فيما يتعلق بالأشخاص الذين يسعون إلى جعل الغير ينظرون إليهم بإيجابية، وعلى هذا الأساس، فإن إثبات الذات بصورة مبهمة وغير مباشرة قد تكون أكثر تأثيراً في بعض الأحيان (هارجي.. / ١٩٩٨/ ص٣٠٣).

إن تبادل الحديث والكلام يعود على الشخص المتكلم والمحاور بفوائد عديدة ومختلفة ومن بينها:

تبادل المعلومات.

إن فهم كل إنسان للعالم الذي يعيش فيه محدود بمدى القدرات التي تتمتع به حواسه الخمس، لكن تبادل الحديث بين الأشخاص يساعد على انتقال المعلومات والمفاهيم الخاصة بكل شخص – والمستمدة من رؤيته وإداركه الخاص – إلى الشخص الآخر.

حلّ الخلافات والمشاكل.

إن رؤية الأشخاص وفهمهم للظواهر المختلفة مرتبط بالقواعد التي ينطلقون منها والزاوية التي ينظرون من خلالها إلى الأشياء، فلا يمكن لشخصين أن يشغلا حيزاً وجودياً متساوياً في فترة زمنية واحدة، إلا أن التباين في الرؤية والمعرفة هو أمر طبيعي بحدّ ذاته، على الرغم من إنه يشكل أحياناً عائقاً أمام حلّ القضايا.

بلورة السلوكيات وتعديلها.

كما إن السلوكيات والآراء تتبلور من خلال التعليم والتعلّم فإنها تتغير وتتعدل أيضاً من خلال ذلك، وقد يتم استبدالها بسلوكيات وآراء مغايرة، وفي هذا الإطار فإن سلوكيات الغير وردود أفعالهم تجاه الأفعال والأقوال المختلفة التي تصدر عنا هي في الواقع تمثل إنعكاس لطبيعة سلوكنا مما يجعلنا ندرك مستوى تأثير سلوكنا على الغير، ويمثل هذا الأمر أحد أهم الوسائل التي تساعدنا على تصحيح سلوكياتنا أو تعديلها أو بلورتها.

في الواقع فإن سلوك الغير وردود أفعالهم تجاه سلوكنا وحديثنا هو بمثابة المرآة التي تعكس مستوى التأثير الذي يتركه سلوكنا وحديثنا وردود أفعالنا على الآخرين، ويمكننا من خلال التدقيق في هذه المرآة أن نعرف مستوى المكاسب والأضرار التي نجمت عن سلوكنا وحديثنا (ثريا، ١٩٩١، ٥٥).

ومن هنا فإن الإمام علي (ع) وإلى جانب تأكيده على الهدف من الحوار – الذي أشير إليه؛ فقد بيّن (ع) – ومن خلال سيرته ومحاوراته المتعددة مع الناس؛ وكذلك من خلال الرسائل التي بعثها إلى عمّاله والحكام المختلفين – جملة من الأهداف؛ ومن بينها:

تعريف الحق والدفاع عنه، ودفع الشبهات والردّ على مواطن الإتهام؛ وفي حال لم يتمكن الإنسان من دفع الشبهات والتهم فيكتفي على الأقل بإجراء حوار يتمكن من خلاله من إخراج العقد المتراكمة وإزالة أسباب الضجر والكدر.

منطلقات الحوار

إن فهم كل إنسان للعالم الذي يعيش فيه محدود بمدى القدرات التي تتمتع به حواسه الخمس، لكن تبادل الحديث بين الأشخاص يساعد على انتقال المعلومات والمفاهيم الخاصة بكل شخص – والمستمدة من رؤيته وإداركه الخاص – إلى الشخص الآخرولابد لكل حركة اهداف و غايات يحاول الانسان الوصول اليها عن الطرائق المختلفة و باساليب منسجمة لها و ينبه علي (ع) بهذه المرامي التي نشير الى بعضها:

١- تعريف الحق والدفاع عنه :

إن عملية التواصل – وخاصة التواصل الكلامي – يمكن لها أن تحقق العديد من الأهداف المختلفة، ومن بينها الحصول على المعرفة، والإدراك، والفهم المتبادل، وإظهار ما يضمره الوجدان والتعرّف الأكثر على الشخص المحاور. وقد اعتبر الإمام (ع) هذه الميزة – أي التعارف والتفاهم المتبادل- بأنها من أهداف الحوار، وقد طالب (ع) أصحابه أن يعرّفوا أنفسهم من خلال الكلام والحوار فيقول:

(تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا فَإِنَّ الْمَرْءَ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ) (نهج البلاغة، الحكمة ٣٩٢).

إن ما يجعل الإمام علي (ع) يندفع في الحوار مع إطراف متعددة وبأشكال مختلفة سواء عبر الكتابة أو الحديث المباشر، وسواء مع الناس أو مع عمّاله أو المعارضين له، وحتى مع أعدائه أيضاً – كمعاوية مثلاً – هو بيان الحق ودفع الباطل، حيث يقول في هذا الصدد:

(وَ ايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ) (نهج البلاغة، الخطبة ١٠٤) .

٢- دفع الشبهات والردّ على التهم.

إن من أهداف الحوار هو معالجة سوء الفهم ودفع الشبهات والتهم الموجهة للدين والدول أو أركان هذه الدولة، وقد انطلق الإمام (ع) في كثير من حواراته مع معارضيه أو مع أعدائه من هذا المنطلق وسعى من أجل تحقيق هذه الأهداف، ومن ذلك قوله لطلحة والزبير عندما نقما منه واتهمانه بعدم استشارة أحد في اتخاذ القرارات فقال (ع):

(لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً أَلَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ أَمْ أَيُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ أَمْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ) (المصدر، الخطبة ٢٠٥).

-٣ حلّ مشاكل الناس.

إن الكثير من الحوارات المتبادلة؛ خاصة تلك التي تجري بين الناس والسلطات الحاكمة، تساهم في التخفيف من آلام الناس، وتشعرهم بالراحة وتخفف عنهم الكثير من الضغوط النفسية، إن مثل هذه التأثيرات التي يتركها الحوار على الحالة النفسية للمجتمع تشكل واحدة من الأهداف التي يصبو إليها هذا الحوار، وقد سعى الإمام علي (ع) من خلال حواراته مع الناس ومع أصحابه وحتى مع معارضيه أيضاً إلى تحقيق مثل هذا الغرض فهو يقول:

(أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ وَ اقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ) (المصدر، الكتاب ٥٣) .

إن مثل هذا الأمر – أي تحقيق الأمن النفسي – يمثل أحد الوسائل المهمة التي تساعد الإنسان على الوصول إلى الأهداف التي يسعى إليها من خلال الحوار، إنه ينمّي فيه الشعور بالأمن والراحة ويجعله على استعداد لتقبل الحوار والمفاهيم المطروحة.

يقول الإمام علي (ع): (تأميل الناس نوالك خير من خوفهم نوالك) (غرر الحكم، خوانساري/ج ٣،ص ٣٩٠) .

وذلك لأن المراحل المختلفة للحوار التي تبدأ بالميل والإنجذاب وتنتهي بالتقدم والتأثير تقوم على أساس الشعور بالأمل والإحساس بالأمن.

ولخلق مثل هذا المناخ الآمن ينبغي على طرفي الحوار أن يفهما بعضهما البعض وأن يضع كل واحد منهما نفسه مكان الآخر وأن يستشعر كل واحد منهما الأجواء والأوضاع التي يعيشها الآخر وأن يتخلى الجانبان عن الغرور والغطرسة، ويؤكد الإمام (ع) على ذلك قائلا:

(أصحب الناس بما تحب أن يصحبوك تأمنهم ويأمنوك) (المصدر ،انصاري /ج ١ ،ص ١٢٧) .

إن الحوار يعني التذاكر وتبادل المعلومات بين شخصين أو أكثر ويمتاز بحالة من الإندفاع والتحوّل، أي أنه في حالة حركة إنسيابية مستمرة وبعيدة عن السكون وحالة من شيء إلى آخر ومن حالة إلى أخرى، فلو دققنا في المحادثات والحوارات التي تدور بين شخصين أو أكثر لأمكننا اكتشاف أمور كثيرة في هذا المجال فعلى سبيل المثال سنكتشف اول الأمر حالة الإنجذاب في الحديث بينهما، وهذا الميل والإنجذاب ينشأ في العادة من الحاجة التي يشعر بها أحد أطراف الحوار أو كلاهما، وهما في الوقت الراهن يبحثان عن أجوبة للأسئلة التي تواجههما وعن حلول للمشاكل التي يعانيان منها، والحالة الثانية هي (التقدم) والبحث والتفتيش عن أجوبة وحلول معينة والتي تظهر على شكل حوار ومحادثة، والحالة الأخيرة هي الوصول إلى (أجوبة) والعثور على حلول، إن حالة الإنسيابية والإبتعاد عن السكون هي نتيجة التغير في الحالات والعبور من مرحلة إلى أخرى والتي يطلق عليها بالإندفاع أو (التحوّل)، بينما يطلق على تأثر الأشخاص ببعضهم البعض والذي يتحكم في معدلات سرعة التحوّل من مرحلة إلى أخرى؛ عبارة (التأثير المتبادل) (ثريا، ١٩٩٨، ص١٢) .

حفظ الأصول في الحوار

هناك ميزة أخرى يتميز بها التواصل وهي تعدد الأبعاد، فالقائمون على الحوار؛ ومن خلال اختيار المحاور التي سيبحثونها؛ والمواضيع التي ينبغي عليهم تجنبها، وخاصة فيما يتعلق باختيار الكلمات والأنماط المستخدمة في الحوار؛ وكذلك أسلوب الكلام وسرعته؛ وجميع الخصائص والسلوكيات الأخرى؛ يقومون بالتحكم بطبيعة الحوار ومسيرته (هارجي و…/١٩٩٨ م / ٢٧) .

ولذا ينبغي على أطراف الحوار وبعد تحديد أهدافه المرجوة أن يهتموا بقواعده وأساليبه الخاصة، وأن يتجنبوا الآفات التي تؤدي إلى إنحراف الحوار عن مسيره الصحيح.

بعد بيان أهداف الحوار واتجاهاته ينبغي شرح الأصول الأساسية للحوار وكذلك التعريف بمستلزماته ومحذوراته وذلك للحؤول دون انحرافه عن مسيره.

لقد أكد الإمام علي (ع) مراراً على الصدق في الكلام، وعلى سعي الإنسان إلى استيعاب وإدراك ما يجري على لسانه؛ والحكمة من أي كلمة تصدر عنه؛ والتفكير بعواقبها؛ وإلى جانب ذلك الإعتماد على قول الحق وقبول الحق وعدم التعصب والإنحياز في الحوار وهذا ما يمكن ملاحظته في خطب الإمام (ع) وسيرته، ونشير هنا إلى بعض الشواهد في هذا المجال:

أ- صدق الحديث

إن الشرط الأساس لتحقيق حوار ناجح هو إلتزام أطراف الحوار بصدق الحديث وسلامة السلوك، فعدم الإلتزام بالصدق يلحق الضرر أولاً بالشخص الذي صدر منه فيظهر بالمظهر السيء أمام محاوره مما يحول دون وصول الحوار إلى النتيجة المطلوبة.

يقول الإمام علي (ع) :

(احذر فحش القول والكذب فإنهما يزريان بالقائل) (غرر الحكم، انصاري /ج ١ ،ص ١٤٣) .

إن الإلتزام بالصدق من الأهمية بحيث يؤكد الإمام (ع) على اجتناب الفحش والكذب حتى في أحلك الظروف وأشدها؛ وقد منع أصحابه من استعماله حتى مع جيوش الأعداء، وطالبهم باجتناب مختلف أشكال النفاق والمراء وبالإلتزام بالصدق والعهد وأن لا يناقض حديثهم الواقع؛ حتى لو أدى ذلك إلى التخلي عن الخلافة أو التأخير في تولي الدولة العادلة لزمام الأمور، ومن هنا فعندما أراد الناس بيعة الإمام (ع) على شرط العمل بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وسيرة الشيخين قبل الإمام (ع) بالشرطين الأولين لكنه رفض الشرط الثالث – الذي لم يكن مقتنع به – بكل صراحة ووضوح، فالإمام (ع) وإلى جانب أنه يوصي أصحابه بالإلتزام بالمداراة والرفق والتسامح وعدم التعصب فهو يرفض أن يتخلى أصحابه عن مبادئهم وثوابتهم الأساسية من أجل تحقيق الأهداف التي يسعون إليها، ويوصيهم بألاّ يظهروا على لسانهم بخلاف ما تضمره قلوبهم بل يحذر من هذا الأمر بشدّة قائلاً:

(المنافق لسانه يسر وقلبه يضرّ) (المصدر، ج ١،ص٦٠) .

ويقول (ع): (إني أخاف عليكم عليم اللسان منافق الجنان يقول ما تعلمون ويفعل ما تنكرون)(المصدر /ج١،ص٢٨٤) .

ويقول (ع) أيضاً: (كثرة الوفاق نفاق)(المصدر ،ج٢ ص٥٦١) .

ومن هنا فالإمام (ع) يحذر أصحابه من النفاق ويؤكد على أن التوافق الكامل في الحوارات والأحاديث يدلّل في أغلب الأحيان على النفاق وإنعدام الصدق، كما إن الإمام (ع) يحذر أيضاً من المنافقين، وذلك لأنهم لا يلتزمون بالصدق وقد يعلمون على خداع الإنسان ويتسببون في إنحرافه عن المسيرة حيث إنهم يوافقونه في العلن لكنهم يخالفونه في الخفاء، ويعتبر الإمام (ع) أن خطورة مثل هؤلاء الأشخاص كبيرة إلى حدّ أنه يوصي بعدم مجالستهم وفي حال اُجبر الإنسان على مجالستهم فعليه أن لا يقول لهم بصراحة إنهم كاذبون .

ب- قول الحق والنزول عنده وعدم التعصب

إن قول الحق وعدم التعصب وعدم الإنحياز في الحوار يعتبر من أصول الحوار التي أكد عليها الإمام (ع) حيث يصف الشخص الذي لا يقول الحق بالأحمق والخاسر، وبالرغم من إن الإمام (ع) يفضل الإلتزام بالصمت ويرجحه على الكلام في كثير من الأحيان لكنه يحثّ في المواقف التي تستوجب قول الحق على أن لا يسكت الإنسان.

يقول الإمام (ع): (قولوا الحق تغنموا واستكتوا عن الباطل تسلموا) (المصدر، ج٢،ص٥٣٨).

وعنه (ع): (من استحى من قول الحق فهو أحمق) (المصدر، ج٢،ص٦٧١).

وعنه أيضاً: (لا يخصم من يحتج بالحق) (المصدر، ج٢،ص٨٤١).

ويقول في حديث: (أخسر الناس من قدر على أن يقول الحق ولم يقل) (المصدر، ج١،ص١٩٥).

وعنه في حديث آخر: (القول بالحق خير من العيّ والصمت) (المصدر،ج١،ص٥٤).

ويعتبر الإمام (ع) في مواضع أخرى بأن العمل بالإنصاف في التعامل مع الناس يجلب العزّة والكرامة.

فيقول: (إلا أنه من ينصف الناس من نفسه لم يزده إلا عزّاً) .

إن الشعور بالعزّة لدى الإنسان يبعده عن الكثير من المساوئ ومن بينها عدم الصدق في القول والنفاق في الحديث والتي هي جميعاً ثمرة شعور الإنسان بالذل والهوان.

يقول (ع): (نفاق المرء من ذلّ يجده في نفسه)(المصدر ، ج٢،ص٧٧٧).

وسبب ذلك إن إنعدام الشعور بالعزّة لدى الإنسان لا يبقي له أي أثر للإنسانية والإستقامة والصدق والصراحة ويؤدي ذلك إلى الإنحطاط الأخلاقي الذي يمثل الآفة التي تقضي على الأفراد والمجتمع، فترك الكذب يجري على اللسان وترك النفس تتحوّل إلى رهينة للفساد والضياع هو ناتج عن الذلّ والمهانة (دلشاد طهراني، ٢٠٠٢، ١٦٤).

ومن الواضح إن الإهتمام بالغير واحترامهم والحفاظ على كرامتهم ومراعاة مشاعرهم خاصة عند التسليم بقول الحق الصادر عنهم فإنه دليل على العزّة والكرامة التي يتمتع بها الإنسان وقدرته على استمالة القلوب إلى جانبه، حيث لا يمكن الفصل بين المشاعر والأفكار أبداً وهذا ما يؤكده علماء النفس بقولهم:

إن العواطف تلعب – إلى جانب المعرفة – دوراً مهماً في حياتنا الشخصية، ففي الوقت الحاضر لازال هناك تباين في الآراء حول الدور الذي يلعبه التفاعل والعوامل النفسية والإجتماعية.

ويرى كل من شاختر وسينجر (Shachter, Singer ١٩٦٢ ) في نظريتهما المشهورة: إن ردود الأفعال الداخلية لدى الإنسان تؤثر على إثارة أحاسيسه الظاهرة ومن ثم يسعى الإنسان إلى إيجاد متنفساً لهذه الأحاسيس على مستوى الواقع والمحيط؛ مثل هذا النوع من المعرفة هو الذي يحدد مستوى التفاعل لدى الإنسان ويدفعه إلى إنتهاج السلوك المناسب.

وبالرغم من الإنتقادات الكثيرة التي وجهت إلى هذه النظرية إلا أن هناك العديد ممن يرون بأن عوامل المعرفة تلعب دوراً كبيراً في بلورة الإنفعالات لدى الإنسان.

على كل حال لا يمكننا الفصل بين أبعاد المعرفة والعواطف بشكل كامل أي لا يمكننا الفصل بين أحاسيسنا وأفكارنا (وينتون، Winton) فالفكر والإحساس مرتبطان بشكل وثيق ببعضهما البعض ( هارجي و…، ١٩٩٨، ص٣٦).

إلى جانب ذلك فإن الإمام علي (ع) يحذّر أيضاً من أي نوع من التعصب الذي يؤدي إلى إثارة الأحاسيس باستثناء ما يتعلق بالحق ووجوب الثبات والإصرار عليه حيث يقول:

(إن كنتم لا محالة متعصبين فتعصبوا لنصرة الحق وإغاثة الملهوف) (غرر الحكم، خوانساري/ج٧،ص٢٤٧) .

كما يحذر (ع) من الإستبداد والفردية والإستئثار بالرأي حيث يقول:

(من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها) (المصدر ،ج٦،ص٢٩٦).

ج/اقامة الحوارعلى العلم والوعي.

من بين الأمور التي أكد عليها الإمام علي (ع) هي المعرفة والوعي بما يرتبط بالحوار، حيث طالب الإنسان بأن لا يستند في حديثه إلى الظن والشك وفي حال تعذر ذلك فالأفضل له أن يلتزم بالصمت حيث يقول:

(أيها الناس لا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق في ما تنكرون واعذروا من لا حجة لكم عليه) ( المصدر ،محلاتي ،ج٢ ،ص٣٥٣).

وعلى هذا الأساس فإن على الإنسان المؤمن أن لا يسعى إلى إثبات أفكاره الواضحة بأي ثمن كان، فكيف بالقضايا الخافية والمبهمة فهي الأولى في هذا المجال، فعندما لا يكون الحق جلياً وواضحاً فقد يتعرض الإنسان للإنحراف عن المسيرة الصحيحة.

إن حالة الوعي والبصيرة يجب أن لا تقتصر على كلام الإنسان فحسب بل تشمل أيضاً الأسلوب والكيفية التي يستخدمها في أدائه لهذا الكلام، فعليه أن يكون على دراية ووعي بهذه الأساليب، يقول الإمام علي (ع) في هذا المجال:

(إياك والكلام فيما لا تعرف طريقته ولا تعلم حقيقته) (المصدر،ج٢،ص٣٣٧).

د/ الحوار على اساس الحكمة ودراسة العواقب.

إن انتهاج الحكمة في الحوار ودراسة العواقب والنتائج التي تتمخض عن هذا الحوار هي من الأصول المهمة التي أكد عليها الإمام (ع) مراراً وتكراراً، فمن الواضح أن الحوار القائم على الحزم ودراسة العواقب يتميز بالكلام الحسن والرفق والمدارا ة مع الناس، وهي أيضاً من الأمور التي أكد عليها الإمام (ع) فهو يقول:

(كمال الحزم استصلاح الأضداد ومداراة الأعداء) (المصدر، ج٢،ص٢٤٥).

وقد أكد الإمام (ع) في عدد من المواضع على أن الحكمة هي من ميزات الإنسان المؤمن وإن المنافق قد لا يتمتع بنصيب كبير منها؛ فهو (ع) يقول:

(الحكمة ضالّة كل مؤمن فخذوها ولو من أفواه المنافقين) (المصدر،انصاري، ج١ص٧٥).

وعنه (ع): (الحكمة لا تحلّ قلب المنافق إلا وهي على ارتحال) (المصدر،محلاتي، ج١ص٢٨٧).

وعنه (ع) أيضاً: (كسب الحكمة إجمال النطق وإستعمال الرفق) (المصدر، ج٢ص٣٤٦).

ويقول (ع) في حديث آخر: (إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَ إِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَيْهِ) (نهج البلاغة، الخطبة ١٧٦).

ومن هنا فإن الإنسان المؤمن يدرس العواقب والنتائج التي قد تترتب على كلامه وكذلك الفوائد والأضرار التي قد يتمخض عنه قبل أن يبدأ به فهو يتدبر عواقب كلامه قبل أن يطلقه ويصبح أسير له،

كما يقول الإمام (ع): (حدّ العقل النظر في العواقب) (غرر الحكم، انصاري ،ج١، ص٣٨٢).

كما إنه (ع) يوصي بالتدبر والتفكر قبل اتخاذ أي قرار أو قبل الإقدام على أي خطوة فهو يقول:

(تفكر قبل أن تعزم وتدبّر قبل أن تهجم) (المصدر، ج١،ص٣٥٣).

الأساليب الصحيحة للحوار

إن بيان الأهداف والأصول وحده لا يكفي لإدارة حوار ناجح وموفق بل ينبغي أن يجري هذا الحوار في إطار معين كي ينسجم مع الأهداف والأصول التي أشير إليها، ولكي لاتؤدي الأساليب المستخدمة إلى الإنحراف عن الأهداف والغايات المرجوة وبالتالي يكون الحوار مبتوراً.

ومن هنا فإن التحلي بالحلم والصبر في الحوار، واجتناب العناد والإستبداد والإستئثار بالرأي، والإهتمام بالقواسم المشتركة للوصول إلى تفاهم مشترك؛ وتجنب الخلافات والإستعانة بالجدل الأحسن؛ والتأكيد على الأمور التي يقبل بها الطرف الآخر مع انها قد لا تحظى بموافقة الإنسان وقبوله؛ تعتبر كلها أساليب فاعلة أكد عليها الإمام علي (ع) كما انه يستفيدكثيراً من سنن السابقين والوقائع التاريخية كنماذج حيّة وواقعية ويعرضها على الصديق والعدو بالرغم من إنه أراد من كل واحد منهما هدف معين وغاية مختلفة.

ألف: التحلي بالحلم والصبر في الحوار.

هناك حالات وظروف يصعب معها إجراء الحوار مع الغير ومن بينها:

– إن أغلب الناس يشعرون برغبة عارمة في تقديم النصح للغير وسبب ذلك شعور الإنسان بالإقتدار والعظمة، فمن السهل علينا أن نقدم النصح للغير وأن نوفر لهم العلاجات والحلول الخاصة بمشاكلهم حتى وإن لم نقم بدراسة صحة هذه الحلول من سقمها ومدى انسجامها مع قدراتهم ومخاوفهم ونقاط القوة والضعف لديهم.

– في حال لم يقبل الطرف الآخر بالإقتراحات والحلول المطروحة واتخذ موقفاً دفاعياً تجاه ذلك فقد يسعى الإنسان إلى فرض هذه الحلول من خلال الجدال والضغط النفسي وبالتالي سيزيد ذلك من تمسك الطرف الآخر بآراءه وإصراره على مواقفه.

– إن الإستيعاب الحقيقي لمشكلة الإنسان لا يكون من خلال حصر الإهتمام بأحد أبعاد هذه المشكلة بل يجب أخذ جميع أبعاد المشكلة بعين الإعتبار (ثريا، ١٩٩١، ص١٧٠).

في المرحلة الاولي يوصي الإمام (ع) بالإلتزام بالحكمة ودراسة العواقب كمنطلق للحوار وهو الأمر الذي أشير إليه سابقاً، ومن هنا ينبغي أولاً استيعاب الظروف الخاصة بالشخص المخاطب وأن لا يتم النيل من كرامته وعزّة نفسه.

وعزّة النفس هذه هي عبارة عن القيم المؤثرة في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى ذاته، وبعبارة أخرى فهي احترام الإنسان وتقديره لذاته، أو الصورة النمطية التي يرسمها الإنسان لنفسه (المصدر، ص٢٦٨).

وفي حال تعرضت عزّة النفس هذه إلى صدمة أو شعر الإنسان بأنه يواجه كلاماً من موقع تعسفي لا تراعى فيه ظروفه ومكانته فإنه ليس فقط لن يتأثر بهذا الحوار بل قد يترك عليه آثاراً سيئة ونتائجاً معكوسة.

لكن وفي حال تم مراعاة الأصول الأساسية للحوار ثم تعامل الطرف الآخر بإزدراء وجهل فإن الإمام علي (ع) يوصي بالحلم والصبر واجتناب الغضب والغيظ فهو يقول:

(إذا حلمت عن الجاهل فقد اوسعته جواباً) (غرر الحكم، انصاري،ج١،ص٣١٨).

ويوصي (ع) بمواجهة الكلام السيء بالأسلوب التالي:

)إذا سمعت من المكروه ما يؤذيك فتطأطأ له يخطل) (المصدر، ج١،ص ٣٢٧) .

كما يوصي (ع) بتجنب الغضب والتطرّف والإستناد إلى الدليل والحجة مع صون اللسان عن الكلام الباطل والخاطيء حيث يقول:

(دع الحدّة وتفكّر في الحجة وتحفّظ من الخطل تأمن الزلل) (المصدر، محلاتي،ج١،ص٢٢٥) .

لقد أكد الإمام (ع) على التواصل والحوار المتبادل بين الطرفين وذلك من خلال الكلام البليغ والجميل والحسن الذي يعود بمردود حسن ونتائج طيبة، فهو يقول:

(اجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) (المصدر،انصاري ،ج١ص١٣٩).

ويعتبر الإمام (ع) إن من أدوات التواصل هو الإبتعاد عن الشتم والبذاءة في الحديث حتى مع الأعداء.

لذا فإنه (ع) عندما يسمع إن الصاحبيين “حجر بن عدي” و “عمرو بن الحمق” قد شتما ولعنا أعدائهما في حرب “صفين”؛ أرسل (ع) إليهما ونهاهما عن ذلك وعندما استوضحا الأمر قال لهما:

(إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ) (نهج البلاغة، خطبه ٢٠٦).

ب/ الإبتعاد عن العناد والمراء

من الأمور التي تؤكد عليها الروايات هو تجنب العناد والمراء خاصة عندما يرافق العناد حالة من الإستبداد في الرأي والإصرار على الموقف.

ويعتبر الإمام (ع) إن من شروط المصاحبة والمسايرة والمحاورة هو المعارضة القليلة والمحدودة حيث يقول (ع): (شرط المصاحبة قلّة المخالفة) (غرر الحكم، انصاري ،ج١ ،ص٤٥١).

فان المراء والجدال اكثرالاشياء مضرة في تفريق الاصدقاء و جلب معاداتهم , “فاذا كان العجز عن اتيان المكرمات نقصا ،فان منطق الحنان على لسان علي يجعل العاجز عن اكتساب اخوة الناس اكثرهم نقصا …و يضيف الى هذاالعجز ، عجزا اخر هوالميل الى المراء و الخصومة …بل الاولى هو لين الكلام لما فيه من شد الاواصر بين القلوب منبع الحنان :وان من الكرم لين الكلام (نهج السعادة،ج١ص٧٧) .

وليس بين نزعات القلب ماهو ادعى الى الراحة من شعور المرء بان له في جميع الناس اخوانا احباء “(جرداق ،٢٠٠٢/ص٥٨)

ويحذر (ع) من العناد ونتائجه المتوقعة على المدى القريب والبعيد فيقول:

(اللجاج أكثر الأشياء مضرّة في العاجل والآجل) (غررالحكم ،انصاري، ج١،ص١٠٤).

ويعتبر (ع) بعض أنواع العناد واللجاجة قد تؤدي إلى إشعال الحروب والنزاعات فيقول:

(إياك ومذموم اللجاج فإنه يثير الحروب)(المصدر ،ج١ص١٥٠) .

ولذا فقد نهى الإمام (ع) عن التسرّع في الجواب والعناد والإصرار على الرأي خاصة إذا لم تتضح الأمور بشكل كامل وشابها الغموض والإبهام، فهو (ع) يقول في عهده لمالك الأشتر:

(إِيَّاكَ وَ الْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ) (نهج البلاغة، خطبه٥٣).

وكما إنه (ع) يحذّر من العناد في الكلام فهو كذلك يحذّر من إشعال نار العناد في الطرف الآخر ويعتبر إن أحد عوامل إثارة العناد فيه هو الملامة فيقول:

(الإفراط في الملامة يشب نار اللجاجة) (غرر الحكم، انصاري ،ج١،ص٧٠).

ج/ التأكيد على القواسم المشتركة وتجنب أسباب الفرقة

كثيراً ما يأتي فشل الحوار نتيجة تناول القضايا الجزئية والفرعية المختلف عليها وكذلك نتيجة عدم الإهتمام بالقواسم المشتركة الكثيرة التي يجمع عليها أطراف الحوار، وقد أكد القرآن الكريم على هذه النقطة في إطار دعوته لأتباع الأديان الأخرى فقد طالب الجميع بأن يتحركوا إنطلاقاً من القواسم المشتركة للتوصل إلى توافق مرحلي حيث يشكل هذا الأمر مقدمة لدعم الحوار ومنعه من الوصول إلى طريق مسدود.

يقول تعالى في هذا الصدد:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)(آل عمران،٦٤).

ويحذّر الإمام (ع) أصحابه من تناول القضايا الجزئية؛ فهي وعلى الرغم من حقانيتها إلا أن من الصعب استيعابها من قبل الطرف الآخر الذي هو غريب عن روحها ومعانيها حيث يقول (ع):

(خالطوا الناس بما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون ولا تحمّلوهم على أنفسكم وعلينا، فإنّ أمرنا صعب مستصعب)(غررالحكم ، انصاري،ج١،ص٣٩٥) .

من الواضح إن الإلتزام بمثل هذا النوع من الحوار لا يعني التسليم للعقائد التي يحملها الطرف الآخر ولا يعني التراجع عن المواقف المحقّة بل إن الهدف من ذلك – كما يؤكد الإمام (ع) – هو تعزيز العلاقات الإجتماعية بين الناس وحتى لا يغلق باب التفاهم والتعاون في داخل المجتمع؛ ففي ذات الوقت الذي يؤكد فيه الإمام (ع) على أن مثل هذا النوع من الحوار هو مجرد محادثة لا أكثر وينبغي الحفاظ فيه على القيم والأصول والمبادئ حتى لا يخضع الإنسان للإسقاطات والسلوكيات التي تصدر عن الطرف الآخر، يقول أيضاً:

(خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم) (مستدرك نهج البلاغه ،ص١٠٣).

وعلى هذا الأساس فإن التنازل عن بعض القضايا الجزئية والإجتهادية في الحوار – بحيث لا تتعرض الأصول والقيم للضرر – هي ليست مرفوضة فحسب بل إنها من الأمور المؤكد عليها وذلك لتعزيز الوحدة والإنسجام داخل المجتمع وهو لا يمثل أبداً نوع من النفاق وعدم الصدق أبداً إذ إن هذا الأسلوب هو عبارة عن مجاراة الناس ومسايرتهم إلى حدود ومستوى ادراكهم واستيعابهم والإنفصال عنهم عند الإقتضاء ومتى ما تم المساس بالعقائد والقناعات الخاصة بالإنسان.

د/ أسلوب الجدال الأحسن

ليس هناك تقييماً أهم بالنسبة للإنسان من تقييمه لذاته وإن مثل هذا التقييم يشكل أكثر العوامل تأثيراً في الحالة النفسية للإنسان، وهذا النوع من التقييم لا يعني مجرد إصدار حكم واضح وصريح سواء كان شفاهياً أو مكتوباً ولا يعني أيضاً عدّ صفات الإنسان أو وصف حالاته بل هو مشاعر وأحاسيس، هذه المشاعر و الأحاسيس يصعب فصلها أو تحديدها وذلك لأن الإنسان وحده من يجرّبها دوماً وتمثل جزء من الأحاسيس الإنسانية الأخرى وتتدخل في جميع ردود الإفعال الحسيّة (نقلاً عن :ستودة، ٢٦٨).

وعلى هذا الأساس للإنسان – في مجال الحوار والمحادثة والسعي إلى اقناع الطرف الآخر – أن يحترم هذا الشخص والقيم التي يحملها وينطلق من هذا الأمر لتقديم الإجابات والردود. ومن بين أفضل الأساليب في هذا المجال؛ هو أسلوب الجدال بالتي هي أحسن التي أكد عليه القرآن الكريم بقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(النحل،١٢٥).

وهو ذات الأسلوب الذي أكد عليه الإمام (ع) والذي يحترم كثيراً القيم والقناعات التي يحملها الطرف الآخر، ومن هنا فقد تعامل (ع) مع أشخاص مثل معاوية وطلحة والزبير الذين رفعوا لواء المعارضة لخلافته إنطلاقاً من القناعات والمفاهيم التي يحملونها هم، فقد كان المعارضون للإمام يعتبرون إن شرعية الخلفاء السابقون جاءت فقط من خلال مبدأ الشورى وإجماع المسلمين، وعلى الرغم من رفض الإمام (ع) لمثل هذه المبادئ إلا أنه قام بمحاورتهم على أساسها وإنطلاقاً منها، وقد مارس الإمام (ع) ذات الأسلوب مع حادثة السقيفة وبيعة أبي بكر، فعندما كانوا يستدلون على ما ذهبوا إليه بالقول بأن مجرد كون المرء صحابياً لا يكفي لتوليه أمر الخلافة بل إن القرابة من رسول الله (ص) هي أيضاً معيار في هذا المجال؛ كان (ع) يقول لهم بأنه أقرب الصحابة إلى رسول الله (ص) (معهد العلوم والثقافة الإسلامية، ٢٧٥).

هـ/ الإستفادة من سنن الماضين والإعتماد عليها لإستشراف المستقبل

من العوامل التي تساهم في توفير الأمن النفسي هو إحترام العقائد والسنن السليمة لدى الناس لكن بشرط أن لا يشجعهم ذلك على ممارسة الشرور وبالتالي يأمن المذنب من العقاب، يقول الإمام (ع) في هذا الصدد:

(أقم الناس على سنتهم ودينهم وليأمنك بريئهم وليخفك مريبهم) (غرر الحكم، انصاري ،ج١،ص١٢٢).

إن التقاليد الصحيحة التي عمل بها كبار القوم وساهمت في شيوع حالة الإنسجام والألفة بين الناس ينبغي أن يتم احترامها خلال الحوار، وبالتالي فإن الأضرار بمثل هذه التقاليد والنيل منها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، يقول الإمام (ع) في هذا المجال:

(وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَ صَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ) (نهج البلاغة، الخطبة ٥٣).

ولذلك فإن الإستدلال بحوادث الماضي غالباً ما يجعل الحوار أكثر واقعية ويسرّع في التوصل إلى النتائج ويقول الإمام (ع) في هذا الصدد:

(استدل على ما لم يكن بما كان فإن الأمور أشباه) (المصدر ،ج١،ص١١٧).

إن هذا الأسلوب لا يساهم في إقناع الصديق فحسب بل ويؤدي في كثير من الأحيان إلى إلزام الخصم ودحض أدلّتة وحججه.

ومن هنا فقد استخدم الإمام (ع) هذا الأسلوب في حواره مع خصمة وتحدث بصراحة عن الوقائع الماضية عندما خاطب معاوية حيث أشار إلى مقتل جدّه – أي جدّ معاوية – وخاله وأخيه على يده (ع) (نهج البلاغة، الكتاب ١٠).

ولا نجد في مثل هذا الخطاب أي أثر للّين والرفق والمداراة (نهج البلاغة، ٢٨).

الخاتمة:

إن الدور الذي يلعبه اللسان – وما يصدر عنه – والتأثير الإيجابي والسلبي الذي يتركه؛ قد أثار – ومنذ الأزل – إهتماماً كبيراً لدى الأوساط الدينية ؛ خاصة وإنه يترك أثراً مميزاً في الطرف الآخر المشارك في الحوار والذي قد يضم شخصين أو أكثر، وبالتالي فإن الحصول على نتيجة من هذا الحوار مرتبط أساساً بالأساليب والأصول المتبعة في هذا الحوار.

لقد وضّح الإمام علي (ع) من خلال أحاديثه وسيرته الأهداف والأصول والأساليب التي ينبغي أن تتبع للوصول إلى حوار ناجح وموفق، والتي أشير إلى عدد منها في هذه العجالة، ولابد من الإشارة أيضاً إلى أن التوجه العام لهذا الخطاب يتناول الحوار بين الأصدقاء.

ولقد تحدث الإمام (ع) عن الآفات التي تفشل الحوار وتمنعه من تحقيق نتائج طيبة إلا أن هذا المقال لم يجد متّسعاً كافياً لاستيعاب هذا الموضوع أيضاً على أمل أن يقوم الباحثون في المستقبل القريب باتمام هذه الدراسة وذلك من خلال تناول الآفات التي يتعرض لها الحوار، وطبيعة الأشخاص الذين ينبغي أن يتصدون للحوار وكذلك الأصول المتبعة لمحاورة الخصم.

قائمة المصادر والمراجع

– القران الكريم

– نهج البلاغه /صبحي صالح /موسسه دارالهجره

– ابن ميثم البحراني/نشر الكتاب /چاپ دوم

– غررالحكم و دررالكلم/انصاري ، محمد علي /چاپ هشتم ، طهران

– محلاتي ،سيد هاشم /دفتر نشر فرهنگ اسلامي /چاپ دوم ،١٣٧٨ ه

– خوانساري ،جمال الدين /انتشارات دانشگاه طهران /چاپ چهارم،١٣٦٦

– ابن منظور ، جمال الدين ابوالفضل /لسان العرب/دار احياء التراث العربي /بيروت١٩٩٢م

– اون هارجي و…/مهارتهاي اجتماعي / ترجمه :فيرو. بخت و …مانتشارات رشد /چاپ اول ١٣٧٧

– پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي /انديشه سياسي در گفتمان علوي/دفتر تبليغات اسلامي /١٣٨٤ ه

– ثريا ،سيد مهدي /روش بحث و مذاكره/انتشارات رشد /تابستان ١٣٧٧،چاپ دوم

– جرداق ،جورج /روائع نهج البلاغه / نشر الغدير /الطبعه الثانيه /٢٠٠٢م

– دلشاد تهراني ، مصطفي /مكتب مهر /انتشارات دريا /چاپ دوم ،زمستان ١٣٨١

– تفسير موضوعي نهج البلاغه /دفتر نشر معارف اسلامي /١٣٨٣ ه

– ستوده ، هدايت الله / روان شناسي اجتماعي / انتشارات آواي نور /چاپ اول ١٣٧٣

– فراهيدي ،خليل بن احمد / العين /سازمان حج و اوقاف / ١٣٨٤ه

– فضل الله ،محمد حسين /الحوار في القرآن /مكتبه الشهيد صدر /١٩٨٤م

– محمودي ،محمد باقر/نهج السعاده في مستدرك نهج البلاغه /وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي /١٣٧٦ه

****************************

نعيم عاتي الهاشمي الخفاجي
كاتب وصحفي عراقي مستقل

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close