في ادب الحياة ـ بالجماليات والسلوك الحسن، يخلد الانسان!

* د. رضا العطار

لنحب الطبيعة ! فهي بمثابة امّنا الكبرى ونحن اغصان من شجرتها العظمى، وكلنا منها وهي منا. فنحن من التراب, والتراب منا, و نحن اليه راجعون.

لندرس نظرية الارتقاء والتطور, لنعلم من نحن ؟ وكيف صرنا ؟ ومن اين اتينا ؟ والى اين ذاهبون ؟ . لنحب العظماء من بني البشر الذين خدموا الانسانية عبر التاريخ، نحب الروسي الاقطاعي، النبيل تولستوي, لأنه بعد ان قام ووزع جميع املاكه الموروثة من الاباء على الفلاحين بدأ يعلمهم القراءة. ونحب الاديب العالمي الامريكي ارنست همنغواي الذي مجّد الأنسان في كتاباته التي تجلت بالنزعة الانسانية ووقف دوما الى جانب المظلومين.

اذن ليكن حبنا للأنسان مظهرا للحقيقة الخالدة, ولنعلم ان الفرد لا يمكنه ان يخلّد اذا ما تنصّل من الفضائل وجمالياتها. ان البشرية كطفلة صغيرة جميلة ساذجة تنزع للمشاكسة لكن من ذا ينقم عل طفلة مهما بلغ شرها ؟ كذلك البشر, فأنهم مقيدون بقيود العادات المتخلفة التي اتى بها المجتمع الجاهل والاّ فأن النفس البشرية جيدة في فطرتها , لندع قلوبنا تكون مليئة بحب الانسان بصرف النظر عن العقائد والاديان.

واسفي اني لا اشاطر الرأي السلبي لأبي العلاء المعري , بخصوص الاديان حينما يقول :

ان الشرائع القت بيننا آحنا * * وعلمتنا فنون العداوات او حين يقول :

افيقوا افيقو ياغواة * * فإن ديانتكم مكر من القدماء .

انما اعتقد جازما ان الاديان في صلبها جاءت لخير الانسان , تدعوا الى الاخاء والمحبة وعمل البر والاحسان بين ابناء البشر جميعا , لكن ما ذنب الشعوب اذا اساء بعض رجالها التطبيق . . اذن لنحب الخلائق بمختلف انواعها واجناسها مثلما نحب الزهور بمختلف انواعها واجناسها , ليكن لسان حالنا هو لسان حال الأديب الياباني اكاكورا (1) الذي يقول :

( لقد عرف الانسان مشاعر الحب عبر الطبيعة وما فيها من جماليات. اجلّها هي الزهور التي عشقها. وفي اليوم الذي قدم الشاب باقة زهور الى فتاته، ارتقى في سلم التطور.

ان الانسان عندما يترفع بادراكه النبيل عن الماديات يغدو ارفع شأنا واعلى مقاما، فالأزهار بالنسبة الى الانسان كالصديق الحميم . فنحن حينما ناكل او نشرب او نغنّي او نرقص , تكون الازهار من حولنا، وحينما نعشق, يأتي الحبيب عن طريقها, وعندما نتزوج فأنها تزين عشنا, وعندما نجلس الى احبتنا, تكون باقة الورد بيننا، وعندما ننال حظوة في حياتنا، تقدم لنا مجموعة منها, فهي في افراحنا و في اتراحنا, وعندما نمرض ، فهي بقرب سريرنا، وعندما نموت فالازهار تكون فوق نعشنا، وعندما يضعوننا في التراب, فهي تزين قبرنا, نتزّكى من شذى عطرها, وعندما يأتي الحبيب لزيارتنا يكون قد جلب الينا بعضا منها. اهناك اقسى من ان نتصور ان نحيا بدونها ؟

ومهما يكن ذلك مؤلما فأننا غالبا ما نتنكر فضلها، فنحن بالرغم من تماسنا بالازهار الا ان احساساتنا لا زالت ليست في رقة الزهور. الحقيقة الراسخة اننا دائما نشكو، ما من شئ مقدس عندنا غير شهواتنا. ان الهنا عظيم لكن رسوله في نظرنا هو الذهب، فمن اجل الذهب ندمر الطبيعة وما فيها من كائنات مثلما ندمر الدنيا وما عليها من خيرات.

يا للفظاعة ان نرتكب باسم العلوم الحديثة حماقات في حق الانسان . نشوّه جمال الطبيعة التي وهبتنا الحب والحياة.

حدثيني ايتها الازهار الرقيقة يادموع النجوم , الناهضة في حديقة داري, تترنحين تحت قبلات الشمس ولمسات الندى, فلولاك لما عرف الانسان معنى الحياة ومشاعره, فعن طريقك تعلمنا كيف نتصالح ونتوافق ونتأخى ونتحابب, ان رفيف وريقاتك الطرية تنشر الانغام الحلوة مع اولى شعاعات نور الصباح. وتستقبل زهيراتك الفتية رشفات نحل العسل وقت السحر.

كل هذا من اجلك انت ايها الانسان ! اليكِ يا اوراد البرية تحيتي, يا رمز الحسن والحرية انك تبهجين قلوب العاشقين وتزيلين كرب المهمومين وتفرحين نفوس المتأملين. يا لك من روعة وجلال.

(1) مقتبس من كتاب الفن والحياة لتوفيق الحكيم.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close