التمرد على العقل !

من طبيعة المعجزات أن تأتي متاخره ، ومن غير ميعاد ، وأن تحدث بلا سبب معروف . فبعد الخراب المدمر الذي اجتاح العراق ، وبعد توسل اكثرية العراقين بالمهدي ، أن يستقظ من نومه الطويل ، ويعيد الأمور إلى نصابها. فجاءة وبلا سابق أنذار ، وبدون توقع من أي أحد ، تبدو وكأن كل مشاكله حلت بضربة عصى واحدة ، فقد أشرقت في سماءه ثلاثة نجوم تملك حلول سحرية ، وبلا تشبيه بالقدرة الإلهية ، تقول لشيء كن فيكن . هذه النجوم الثلاثة ، قد يكون احرزها القارئ ، قبل أن نغامر بذكرها ، فقد راهن الكثير منذ زمن بعيد عليها ، وعلى قدرتها العجائبية في حل كل ما تصادفه ، لمالها من ارتباطات ارضية وسماوية . وتلك الشخصيات ، وليسمح لنا القارئ الآن بذكرها ، خوفاً من يكون قد خلط بينها . فهم أولاً عادل عبد المهدي ، وعلاوي ، والصدر ، وسيكون بالطبع عمار الحكيم ، هو من يحرك ، رئيس الوزاء ، لأنه ، عادل عبد المهدي ، مجرد واجهة له ، فهو ، أي عمار ، مازال يشعر ليس من المناسب أن يكون هو الحاكم المباشر الآن ، فالوقت لم ينضج بعد لحكم آبدي . فهؤلاء ، يظهرون أنفسهم وكأنهم سيبطلون البحر للعراقين ، ومن علامات ذلك ، أنهم ، جعلوا الوزارات التي كان يتقاتل عليها الناس ، مرمية على ، الارصف ، وإلا يعبء احد في التقاطها ، وكل ما كان يتعارك عليه الناس بكل ما في حوزتهم من قوة ، بات محل أحتقار وزدراء . وضجة الكتاب قد هدأت ، ولم يعد هناك من يُتهم أحد بالفساد ويهتم به . فهم دخول الآن مرحلة سبات ، وآن لكل منهم ينصرف لعمله وهوايته ، بدل ، الأهتمام بالحلول واقتراح الحكومة المناسبته . فقد حان الوقت ، مثلاً ، لعبدالخالق حسين ، ذلك المحارب العنيد ، من أجل الديمقراطية في العراق أن يستريح ، ويخلع عدته الحربية ، وآن لقاسم مهدئ ، أن يكف عن شتائمه التي لم يوفرها للأحد ، وليقر عين ويطمئن بال ساهر عريبي وكاظم حبيب ، بأن نوري المالكي فك عن السلطة ياخه أخيراً ، وأعطاها صاغراً . وليكف حسن حاتم مذكور ، عن النواح ، مثل بينلوب ، فقد عاد عوليس ، وليترك صائب خليل ، لوحده ، يقلب الدفاتر القديمة ، بحثاً ، عن تهم جديدة لهؤلاء ، وفضح موبقاتهم . وآن لنا ، نحن ، أن نكأ الجرح القديم ، الفلسفة ، بحثاً في قضاياها الكثيرة ، عما قد يلهي ، ويسلي ، في هذا الفراغ الرهيب ، بحدوث المعجزة ، وصول هذا الرباعي لسلطة . فقد وصلنا لنهاية المشاكل ، ونهاية التاريخ ، فقدت انتصرت أخيراً اليبريالية ، بسقوط الاتحاد السوفيتي ثانية . وهبت علينا أخيراً نسمات رياح الربيع العربي ، وبتنا نعيش في أنسجام هرموني ، فآن أن ينصرف كل واحد منا لهوياته المفضلة التي نساها في خضم ذلك الصراع ، الذي كان يبدو بلا نهاية ، لولا حدوث تلك المعجزة ، التي لم تكن في حساب أي واحد ، فالنصفق أيها السادة ، فقد أنتهت المهزلة ، ولتزدهر ألف ورده ورده .

* * *

وبما أن كل أطباق الفلسفة ، دسمة ، وعسيرة الهضم ، وبلا مقبلات ، نقدم اعتذارنا مقدماً . فقد صادف أن نجزنا هذا العرض الفلسفي ، لتمرد على العقل في الفلسفة الألمانية ، مع وقوع المعجزة . ولعله

. ما يتمتع به العراقين من فاصل من راحه ودعه ، يكون خير عون لهم من مثل تلك الأطباق الثقيلة . وفي هذا العرض ، سنعمد ، لتخليص فصل ، في كتاب الفيلسوف الألماني فردريك باسر، من كانط لفخته، الذي يكتب قسم من كتبه في الانكليزية ، لتعريف القارئ على مشاكل الفلسفة الألمانية ، وما حدث طول تاريخها ، وبما أن العقل شيء يشترك به البشر كاف ، ويفتخر به الكل ، فمن المفيد أن نعرف ما حدث له في بلدان آخرى ، وكذلك ، تعرض هذا العقل ، لنقد وتحجيم في كل الحضارات . والعالم الإسلامي لم يعرف في تاريخه كله سيادة مطلقة لنزعة سيطرة العقل ، فقد كانت هناك لحظة قصيرة تنفس فيها العقل بحرية ، هي لحظة المعتزلة وما تلاها ، ولكنها سرعان ما قمعت ، وسيطر النص والنقل . بيد العقل ، قام في أوربا يدور كبير ، ومسح الطاولة ، ونقى الأجواء ، وصل فيها لمرحلة العدمية ، ومن هنا بدأ التمرد عليه . وبأن ، كما يقال ، بأن الألمان جعلوا الفلسفة تتكلم اللغة الألمانية ، بعدما كانت تتكلم اللغة الأغريقية ، وكان للعقل أو لوغوس مكانة كبيرة فيها ، فقد آن نعرف قصة العقل في ألمانيا ، وعلى يد شارح متمكن من تلك الفلسفة ، عنيا به ، فردريك باسر . فقد تعرض العقل لنقد شديد بعد فترة ازدهار طويلة أدى لتحطيم كثير من المعتقدات الراسخة ، وهذا ما جبر كانط الذي كان مدافع قوي عن العقلانية ، أن ينقد العقل ، ويقول قوله المشهور فيه ، بأنه ، لا يقدر على معرفة الأشياء بذاتها ، ويعرف فقط الظواهر . وهذا ، الحكم ليس في الطبع ، مثل ذلك الشائع في الفلسفة الإسلامية ، وخصوصاً ، لدى الصوفية ، التفرقة بين الظاهر والباطن ، فما يفصل الباطن عن الظاهر لدى الصوفية سوى قشرة رقية ، يستطيع الصوفي في المعاناة والمكابدة أن يصل الباطن ، ولكن الأشياء في ذاتها ، لدى كانط ، لا يمكن معرفتها من قبل العقل ، لأن من طبيعة العقل أن لا يقدر أن يصل إلئ الاشياء ذاتها مهما بذل من جهد ، ولا يستطيع معرفة الحقيقة ، ولذلك وضع حدود إلى ما يستطيع أن يعرفه العقل وما لا يقدر أن يعرفه ، بقدرته الخاصة بمعزل عن التجربة . وسيكون دورنا في هذا العرض هو مجرد توصيل أفكاره بلغة مفهومة ما أمكن . ويعرف من له اهتمام بالفلسفة ، أنها تحتاج لمعرفة مسبقة بقضاياها ومفاهيمها ومشاكلها ، أما الفلسفة الألمانية ، فقد كانت مشهورة بالغموض والصعوبة ، وبما كاتبنا له اُسلوب مشرق واضح ، فسوف يسهل علينا المهمة ، ولكن هذا لا يقلل الإلمام بالفلسفة إلى الحد الأدنى . فليس ، الصعوبة ، غالباً ، ما يقع وزرها على العارض ، والملخص في حالتنا ، وأنما صعوبة الموضوع بحد ذاته . فلقد تعرض العقل ، لنقد حاد ، بعد فترة عصر التنوير ، الذي أشاد صرحه ، وكان الألمان أول من جعل من هذا النقد لحظة فاصلة بتاريخ الفلسفة ، سوف نعرض في هذا المقالة ، لقصة هذا التمرد بتسلسلها التاريخي كما بينها باسر في هذا المقالة التي بدأت لنا طويلة ، وخوفاً من أن تكون متعبة لقارئ ، لذا، جعلناها في جزأين ، سنشرهما تباعاً . ولنبدأ هكذا، كما بدأ فردريك باسر برواية تفاصيل التمرد على العقل في الفلسفة الألمانية ؛

( ١)

(١) يقال أن ما شغل الفلاسفة بين كانط وفخته ، خصوصاً ، بعد ، صدور كتاب نقد العقل الخالص ، وكتاب ، المعتقد الجديد لفخته ، وما كرس له الفلاسفة جهدهم وطاقتهم ، ومعاودة طرح الأسئلة بتكرار ، ورغم أنها أتخذت أشكال عديدة ، إلا أنها كلها بقت تدور كلها حول محور واحد . ونحن لو حاولنا صياغة هذه المشكلة ، التي شغلت كل هؤلاء الفلاسفة في فترة حياة كانط وفخته ، لكانت ، هي ، سلطة العقل ، وتعني هنا ، هل سلطة العقل ، مشروعة ، وصحية ، ومبررة ، وغير مؤذية إلى المجتمع والإنسان ، كما صورها المدافعين عن العقل وسلطته بزمن التنوير ، وكما دافع عنها كانط ، وفخته ، وديكارت ، وسبينوزا ، وغيرهم من الفلاسفة ؟ مثل تلك الأسئلة ، بدأ الفلاسفة ، في العقود الأخيرة من اقرن الثامن عشر طرحهاعلى أنفسهم في ألمانيا . فقد شرعوا ينظرون بعيون نافذة بالمقولة الأساسية في الأيمان إلى التنوير الأوربي ، وسلطة العقل ، فاؤلئك الفلاسفة المخلصين للعقل أضفو عليه هيبة كبيرة ، والذي جعل منها عصر التنوير المعيار للحقيقة ، والمحكمة الأخيرة ، فهم منحوه ادعاءات جرئية لصالحه ، فهو المبدأ الواضح بذاته ، والذي لا يحتاج أي دعم من خارجه ، والذي يقدر أن ينتقد كل معتقداتنا ، ويبر سلوكنا ، ويقدر أن ينتقد الدين ، والدولة ، فهو شيء شامل وغير منحاز . ويستطيع ، على الأقل نظرياً ، أن يفسر كل شيء في الطبيعة ، ومثل تلك الأدعاءات التي قال بها العقل ، ومنحها لنفسه ، أصبحت ، في نهاية القرن الثامن عشر بالمانيا ، وضعت ، في محل شبهة، وموضع سؤال . فإذا كان التنوير عصر نقد ، فأن ما بعد هذا ، أي في نهاية القرن الثامن عشر ، فأن عصر جديد قد بدأ ، يمكن أن يسمى ، عصر ما بعد النقد ، لأن المثقفين أخذوا يعانون من أزمة ضمير ، وأخذو ينتقدو أيمانهم بالنقد بقوة . فالفلاسفة ، ما بعد القرن الثامن عشر في ألمانيا ( ونحن دوماً نتحدث عن ألمانيا ) كانت لديهم أسباب قوية لتشكيك بسلطة العقل ، لأن ، بدأ لهم ، بأن العلم الحديث ، والفلسفة فكك الأخلاق ، والدين ، والدولة . فعصر التنوير بسيادة حكم العقل ، أضحت مرادفة للخراب والموت ، منذ بسطت النزعة الميكانيكية سيادتها في العلم الحديث ، وكانت المطاليب إلى الفلسفة النقدية قد قادت مباشرة للكفر ، والنزعة القدرية ، والفوضوية . فالتقدم بالعلم أدى لضيق في الحرية ونحسار لوجود الله . فكان المزيد من النقد ، قاد إلى ضعف في سلطة الكتاب المقدس . وقلل النقد الفلسفي أيضاً من قيمة البراهين القديمة على وجود الله ، والعناية الألهية ، والأخلاق .

(٢) ولهذا بدأ بلوغ تقدم التنوير إلى نهاية القرن الثامن عشر ، وكأنه يحقق ما قال به روسو من أن التقدم الحضاري في الفن والعلم ، لم يساهم بتقدم في تقدم الإنسان ورقيه ، وإنما زاد من نحطاطه . وعليه ، فأن فلسفة كانط واسبينوزا هما ، على وجه الخصوص ، تعرضا لنقد شديد . فهما يبدوان ، وكأنهما ، قدما الدليل الواضح على أستنتاج روسو بالمناقشات التي ثارت في ألمانيا بعام ١٧٨٠ . فهذين الفلسفتين نظر لهما على أنهما القلعة والحصن للفلسفة التنوير ، والدفاع عن سلطة العقل . ففلسفة كانط عدت على أنها الفلسفة النقدية التي لا تهادن . فيما فلسفة إسبينوزا مثلت النزعة الطبيعية العلمية . فكلاهما ، على حد سواء ، نظر لهما من قبل العقلية الألمانية ، على أنهما يمثلان النتائج الخطيرة إلى البحث العلمي والنقد الصارم . فهؤلاء النقاد لفلسفة كانط وسبينوزا ، صورا ، بأن فلسفة كانط ، لو نزع عنها ، الأدعاء الذي لا يستقيم مع روح فلسفة كانط ، والذي يقر بوجود الأشياء بذاتها، والتي تجعل الصِّلة ممكنه بوجود الأشياء في العالم ، لصبحت في نهاية ، فلسفة لا تقر بسوى وجود الذات المفردة وحدها solipsism ، وأنكرت وجود الآخرين والعالم ، وقالت بوجد ذات مفرد واحد تتحدث لنفسها . فيما نظر لفلسفة إسبينوزا ، لو ، كذلك ، أزيلت عنها قشرتها ولغتها الدينية الظاهرية ، لباتت الإلحاد الصريح ، والأيمان بالحتميّة والقدرية القاتلة . ومن هنا ، اعتبرت هذين الفلسفتين في مخيلة عامة الناس ، على أنهما مدمرتين إلى الأخلاق ، والدين ، والدولة .

(٣) وهذا بطبيعة الحال ، أثار أسئلة مقلقة في أذاهان الكثيرون ؛ لماذا نصغي ونطيع عقلنا ، مادام يفكك ويدمر جميع المعتقدات الضرورية للحياة ؟ وهذه الأسئلة أقلقت بشكل خاص لفلاسفة التنوير ، لأن الأيمان بالعقل ، كان قائم لحد كبير على الافتراض ، بأن العقل سوف يبرر الأيمان، والأخلاق الصحيحة ، والدين الجيد ، والدولة العادلة . ولم يخطر ببالهم أنهم سوف يؤمنون بالعقل الذي يقوض تلك القيم والمؤسسات . فهم إعتقدوا بأن العقل ، سوف يزيل عن الأخلاق والدين ، والدولة ، ما علق بهم من خرافات وأباطيل . وينقي جوهرهم المفيد من كل الشوائب . فالفلاسفة اعتقدوا ، بأن العقل سوف يحل محل تلك الأخلاق ، والدين ، والمعتقدات السياسية ، لأنه أكثر أخلاص إلى الأخلاق الفاضلة ، والدين الصحيح ،والمعتقدات السياسية الجيدة ، وأكثر فعالية في المساهمة بالتقدم . وفقط ، مثل هذا الفهم ، هو أن وضع وضع مسائلة في نهاية ١٧٨٠ ، في المناقشات الحامية التي دارت حول فلسفة كانط وسبينوزا ، فهما بدلاً من يساندا الأيمان ، فأن العقل بدأ ، يهم في تحطيمه . وحقيقة ، أن فلسفة كانط وسبينوزا ، مثلا ، نموذجين من فلسفيتين عقليتين مختلفتين ، غير أن كلاهما ، كان لهما نتائج كاريثية على الأخلاق ، والدين ، والحس العام .

(٤) نظر لفلسفة إسبينوزا عن العقل على أنها تمثل المبدأ إلى السبب الكافي ، والذي فسر من قبل الدراسين لفسفته ، على نوع من الحتمية الميكانيكية الصارمة . وقرأت بهذا الشكل ؛ إذا الحدث الذي هو ب ، فأن يجب أن يكون قد سبق بحدث أ ، ومثل هذه الطريقة تقرر بأن ب ، أ يجب أن يحدثا بالضرورة . وإذا هذا المبدأ شامل ، فأنه لابد ، على أي حال ، يؤدي إلى الإلحاد والحتمية ؛ لأن الله والحرية يحب أن يكونا سبب نفسيهما ، فهما سببان بدون سبب يسبقهما .

أما نموذج فلسفة كانط ، نظر إلى العقل ، وفقاً ، لفعالية المسبقة . وقد أعلن كانط أن العقل يعرف مسبقاً فقط ما يخلق أو ما يجعله يثبت قوانينه فعاليته . وإذا هذا المبدأ عمم ، فأن المعرفة تكون بذلك ممكنة فقط من خلال العقل ، ومن ثم ، تؤدي لوحادية solipsism ، ويكون كل ما نعرفه نتاج فعالية عقلنا ، وليس الحقيقة المستقلة عنا .

(٥) وهذين النموذجين من العقلانية ، المتجسدان في مذهب كانط ، وسبينوزا واجه الفلاسفة بحيرة مميته، فهما وضعا أمام أختيار بين الشكوكية العقلانية أو الأيمان الغير معقول . فإذا بقوا أوفياء إلى العقل ، فعليهم من ثم ، أن يشكوا في كل أخلاقهم ، وتدينهم ، ومعتقداتهم السياسية ، ولكن إذا اختاروا البقاء في معتقداتهم التقليدية ، فعليهم ، أذان ، رفض العقل ، وهذين الأختيارين اللذان واجه بهما الفلاسفة ، من الواضح شيء لا يحتمل . فهم من جهة لا يستطيعوا أن يرفضو العقل ، لأنهم رأوا فيه الأساس إلى الأخلاق الصحيحة والاستقلال العقلي، ومضاد حيوي ضد التصوف والشر العقائدي المميت ، وهم أيضاً ، من ناحية آخرى ، لا يقدرو، أن يتخلو عن أيمانهم ، والذي يعدوه الأساس لفعل الأخلاقي ، والحياة الأجتماعية . وبين هذين الأختيارين الصعبين ، لم يلوح لهم ، طريق وسط في نهاية العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر .

ولكن الأزمة أصبحت ظاهرة في نهاية القرن الثامن عشر بالمانيا . وهذه الأزمة ، كان قد تنبأ بها قبل خمسين عام الفيلسوف الأنكليزي دافيد هيوم ، في كتابه ، رسالة في العقل البشري . ففيه ، رأى هيوم ، تناقض لا يمكن حله بين ادعاءات العقل والأيمان ، وبين الفلسفة والحياة ، لا يمكن التوفيق بينهما . فعقل هيوم قاده إلى أستنتاجات شكوكية ، بأنه ، لا يعرف شيء أكثر من نطباعاته العابرة ، غير أن متطلبات الحياة العملية ، أجبرته عن أن ينسى تلك التأملات الشكوكية المبالغ فيها . خصوصاً ، حينما يجلس في المساء مع أصدقائه ليلعب الدومينو .

وهذا الصراع الذي وضعه هيوم بين العقل والأيمان ، هو نفسه الذي واجه فلاسفة التنوير في نهاية القرن الثامن عشر . ولهذا يرى ، بأن ليس حادث عارض فعلاً ، بأن العديد من نقاد كانط – هامان ، ياگوب ، وزيمان ، شولتز ، وآخرين ، كلهم ، أنحازوا إلى جانب هيوم ضد كانط . فهم واجهو كانط بمأزق هيوم ومعضلته ، فما عليهم أن يختاروا الشكوكية العقلية أو القفز بالأيمان لا معقول . ومن هنا ، بدأ تاريخ النقد المبكر في فلسفة كانط لحد كبير ، وكأنه حكاية أنتقم هيوم . فشبح الرجل الطيب ، الذي كان يمثل هيوم ، وقف فوق فجر فلسفة التنوير ، وكأنه فقط ، يتأوه ، ويقول ؛ ألم أقل لكم ذلك ! بأن لا يمكن التوفيق بينهما ، أي الأيمان والعقل .

(٦) وفي أحياء شكوكية هيوم بالقرن الثامن عشر ، نرى أوئل التلميحات إلى المشكلة التي طاردت الفلسفة نحو نهاية القرن التاسع عشر ، ونعني بها ، العدمية ، التي كانت ترعب الفلاسفة . فالعدمية ، منذ وقت مبكر من ١٧٨٠ ، كانت أغرب الضيوف ، الذي شرع يطرق الباب . ويرجع البعض ، بأن أول من صاغ هذا المفهوم في الفلسفة الحديثة ، هو ، ف ، ج ، ياگوب . فإلى ياكوب ، الوضع النموذجي ، للعدمية ، هو ، الشخص الذي مثل هيوم في نهاية رسالته عن العقل البشري ، فالعدمي ، كان الشخص الشكاك ، والذي يخبره عقله ، بأنه عليه أن يشك بوجود كل شيء _ العالم الخارجي ، ، الأشخاص الآخرين ، الله ، وحتى الحقيقة الدائمة إلى ذاته هو . والحقيقة الوحيدة التي يستطيع أن يؤكدها هو العدم نفسه ( لا شيء ) . والمعنى الأصلي إلى مصطلح العدمية كان قد أستخدم ليشير للنتائج المزعومة للوحادية ( الأيمان بوجود الذات فقط ) التي ينتهي أليها كل بحث عقلي والنزعة النقدية . والخوف من العدمية كان فعلاً واسع الأنتشار في نحو نهاية القرن التاسع عشر .

وبرغم من العديد من الفلاسفة قد تصدوا لحجة ياكوب ، بأن العدمية نتيجة محتومة إلى كل بحث عقلي ، فأنهم أتفقو معه بأنها خطر رئيسي يواجه أي فلسفة ، وعليه ، فأن تهمة الوحادية الهيومية ، كان النقد المشترك بين أغلب خصوم كانط المبكرين ، سوى كانوا من جماعة لوك أو ولف ، أو من العاصف والأندفاع . وعموماً ، فأن نقاد كانط ، أعتبروا تفنيد فلسفة كانط ، هو أثبات إلى فلسفة هيوم .

ولذا صورت العدمية على أنها خطر داهم في حوالي ١٦٨٠ من قبل الألمان ، جزئياً على الأقل ، بسبب أنهيار الميتافيزيقا العقلية إلى مدرسة لبينتز – ولف . فالجاذبية الكبيرة لهذه الميتافيزيقا ، والسبب الرئيسي في أستمرارها وتواصل حضورها في المشهد الثقافي بالمانيا ، هو أنها كانت تبدو تقدم طريق وسط أمن بين تطرفات مأزق هيوم ؛ المعرفة المسبقة إلى وجود الله ، العناية الإلهية ، والخلود ، حتى قبل ظهور كتاب كانط نقد العقل العملي في عام ١٦٨١. وعلى أي حال ، فأن هذه الفتنة راحت تذوي . فشكوكية هيوم ، وتجريبية كراوسه ، والبرجماتية ، والنزعة المضادة للعقلانية في الفلسفات الفرنسية ، كل هذا جلب سوء السمعة إلى الميتافيزيقا . وهجوم كانط على العقلانية في نقد العقل الخالص كان طلقة الرحمة على الصرح المتعفن لمدرسة ليبنتز – ولف . وكان أختفاء الميتافيزيقا العقلانية خلف فراغ رهيب . فبدو معرفة مسبقة بالله ، والعناية الإلهية ، والخلود ، كيف لنا أن نبرر الأخلاق ، والدين ، ومعتقداتنا السياسية ؟

ولقد كان السبب الرئيسي للنجاح الفائق لفلسفة كانط في مطلع ١٦٩٠ ، كان يبدو أنها سدت هذا الفراغ . فمذهب كانط في الأيمان العملي كان يوعد بطريق وسط معتمد عليه بين بين تطرفات مأزق هيوم . فلم يعد من الضروري يتطلب نوع من الدونكيشوتية ، يعني ، براهين مسبقة إلى أيماننا بالله ، والعناية الإلهية ، والخلود ، فحتى لو أن العقل لم يقدم مثل تلك البراهين، فيمكن أعطى تبرير أخلاقي إلى تلك المعتقدات . فهم يمكن أن يظهروا أن يكونوا حوافز ضرورية إلى واجبنا الأخلاقي لكي نحصل على الأخير الأعلى ، والدولة المثالية ، حيث السعادة والفضيلة في ائتلاف هرموني

كامل .

(٧) فما يبرر معتقداتنا الدينية لم يكن لذلك العقل النظري الميتافيزيقيا وأنما العقل العملي للقانون الأخلاقي . ولتلاميذ كانط الأوائل ، فأن هذا المعتقد ، لم يكن مجرد فكرة تاليه ، وأستدراك ، ودواء وهمي أعطى لخادم كانط ، لامب ، الذي ، راح يبكي مما توصل أليه كانط في كتابه نقد العقل الخاص ، بعجزه العقل عن معرفة وجود الله ، وأنما كان ، في الواقع ، جزء من روح الفلسفة النقدية . فتلاميذه البارزين ، أمثال ، فخته ، ورينهولد ، أهتدوا للفسقة النقدية فقط بسبب الجاذبية الكبيرة التي مارسها هذا المعتقد ، الذي هو الأيمان العملي ( والذي يصفه البعض بالأنتهازية ) ولهذا تبدو أزمة التنوير الآن قد حلت ، في التدخل بالوقت المناسب إلى الأيمان العملي .

بيد أن هذه المشاعر من الراحة وتنفس الصعداء أثبتت أنها قصيرة العمر . فهي فقط زادة من حدة الأزمة ، وثقلت وطأتها في منتصف عام ١٧٩٠ .

ففلاسفة أمثال ، ياكوب ، باستروس، شولتز ، ميمون ، فلات ، أيرهارود ، ماس ، وغيرهم قد راكمو الأتهامات ضد هذا المعتقد الجديد ، الذي تقدم به كانط في الأيمان العملي . وحتى في غمرة الحماس لهذا المذهب ، فأن كانطين ، مثل فخته الذي أقر بقوته ، وافق ، من ثم ، بأن كل الأساس لفلسفة النقدية يحتاج إلى أعادة التفكير فيه . إلا أن لانهيار إلى معتقد كانط في الأيمان العملي بعام ١٧٩٠ ، خلف فراغ أكبر من أي وقت مضى . فكل الخيارات ، بدأت قد استنفذت ، فلا العقل النظري الميتافيزيقي ولا العقل العملي للقانون الأخلاقي يمكن يبرارا الأيمان . وعليه ، فأن المأزق القديم إلى الشكوكية العقلية أو إلى الأيمان الغير معقول رجعا بعنف غير مسبوق . وهكذا في نهاية القرن الثامن عشر ، لاح إلى العديد من الفلاسفة ، وكأن العقل يتجه بشكل مباشر نحو الهاوية وبأن ليس هناك من وسيلة إلى أيقافه .

(٨) أنه فقط هذا الصراع بين العقل والأيمان هو الذي زعزع ثقة التنوير بالعقل . فالفلاسفة بدأ يدركون بأن حتى ولو أن العقل دعم الأيمان ، فأنه لا يقدر أن يعين ذاته . فعند نهاية القرن الثانن عشر ، راح العقل يقوض نفسه . وأخذ يعاني من جرح أحدث بيداه ، كما قال هيجل ، فيما بعد ، ولكن لماذا يحدث هذا ؟

لكون أيمان التنوير في العقل كان قائم أولاً ، وقبل كل شيء على أعتقاده بقوى النقد ، فالعقل طابق نفسه مع مملكة النقد ، يعني ، مع القوة التي تعين فيما إذا كان لدينا دليل كافي لمعتقداتنا . فالقوة الموجه لنقد طرحت المبدأ لسبب الكافي ؛ بأن كل معتقد يجب أن يملك سبب كافي للأيمان به . ومثل هذا يؤدي إلى ضرورة أن ينبع من معتقدات آخرى معروفة بأنها صحيحة .

فالتنوير أضفى سلطة عظيمة على محكمة النقد . فمبدأ السبب الكافي لا يقبل الأستثناءات . فكل المعتقدات يجب أن تخضع لمطالبه . فلا شيء مقدس أمام النقد إلى العقل ، ولا حتى الدولة بعظمتها ، ولا الدين بقداسته . ولا شيء هذا ، يعني ، أن يستثني بالطبع محكمة النقد نفسها ، والتي هي شيء ما مقدس ، والإلهي ، ومتسامي .

(٩) ولكن مثل هذا الأستثناء الواضح والمشكوك فيه خلف فقط الشكوك حول أيمان التنوير بالنقد . فبعض الفلاسفة شرع يدرك بأن هذا الطلب الصارم إلى النقد هو يجب أن ينعكس على الذات ويستخدم العقل نفسه في نقد العقل . فإذا كان واجب العقل نقد كل معتقداتنا ، فعليه ، من باب أولى ، أو قبل كل شيء ، أن ينقد نفسه . لأن العقل لديه أعتقادات حول نفسه وتلك يجب أن لا تفلت من النقد . فرفض تفحص مثل هذه الأعتقادات هو الأقرار في الدوغمائية ، أي قبول الأعتقاد عن طريق الثقة أو التقليد . وبما أن الدوغمائية التي ترفض أن تعطي الأسباب للأيمانها، هي العدو الرئيسي لنقد ، الذي يطالب في أعطى الأسباب للأيماننا . ولهذا ما لم يرد النقد أن يخدع نفسه ، يجب أن يصبح ، في النهاية ، ما بعد النقد ، أي ، الفحص النقدي لنقد نفسه .

(١٠) وإذا كان ما بعد النقد إلى العقل ضرورياً ، أفليس هو خطير ؟ وإذا يجب أن ينقد العقل ، فأن عليه ، من ثم ، أن يسأل نفسه ، هذا السؤال ، كيف يجب أن اعرف هذا ؟ أو ما هو السبب الذي لدي للأعتقاد بذلك ؟ غير أننا يبدو بالتالي نواجه في مأزق مزعج . فأما علينا أن نسأل هذا السؤال إلى ما لا نهاية ، ونقع في الشكوكية ، أو يجب علينا نرفض الأجابة عليه ، ونأخذ بدوغمائية .

والآن ، يعتقد كانط ، أنه وجد الطريق الوسط بين تلك التطرفات لذلك المأزق ، وهذا الطريق ، يلوح بنظر كانط ينقذ العقل من التدمير للذاته الذي يظهر وشيك الوقوع . والطريق الوسط ، الذي وجده كانط ، هو ليس أكثر من مشروعه في نقد العقل الخالص، وكما يكتب كانط ” أن طريق النقد يبقى وحده مفتوح ” وكذلك يكتب في المقطع الأخير من نقد العقل الخالص ، مناقض في نقده هذا الشكوكية الدوغمائية ” كيف يمكن لنقد أن يوجه العقل بين تلك التطرفات الخطيرة ؟ أنه يأخذ على عاتقه أكثر جهود العقل صعوبة ، فهو يجب عليه أن يدعه أن يكون واعي لذاته في قوانينه الخالدة . ”

وبما أن تلك القوانين يكونون شروط ضرورية لأي تجربة ممكنة ، فأنهم يجب أن يكونو محصنين من الشكوكية ، لأن لو أن الشكوكين رفضوهم ، فأن من ثم ، يكونو غير قادرين أن يصفوا حتى أنطباعتهم الحسية العابرة . ومسلحاً ، بهذه المعرفة للقوانين ، فأن الفيلسوف النقدي ، تصبح لديه أجوبة لا تقبل الخطأ إلى السؤال ” كيف أعرف ذلك ؟ ” . والمرء في هذا لن يكون متورط في اللجوء إلى سلطة خارجه ، وهذا سوف يوقف الشكوكية من الأرتداد إلى المميت للوراء إلئ ما لا نهاية في تعقب خطاها .

(١١) وبرغم أنه بسيط وصريح ، فأن حل كانط لمشكة ما بعد النقد ترك سؤال بدون جواب في يقظته الفلسفية التي أحدثها هيوم حسب ما قال كانط نفسه . وهذا السؤال ، عنا به ، كيف نعرف الشروط الضرورية إلى أي تجربة ممكنة ؟ وهذا السؤال ، يعد مشروع ، وملح ، ومهم ؛ بيد أن كانط لم يكن يملك أي جواب واضح وصريح له . فالحقيقة المؤلم في الموضوع ، هي أنه لم يطور أبداً نظرية عامة للما بعد النقد حول كيف الحصول على معرفة المبادئ الأول للنقد . فإذا كانت المعرفة للذات هي أصعب كل الجهود للعقل ، فأن كانط لم يقدم بعد أي نصيحة حول كيفية أنجاز هذه المهمة . غير أن فشل كانط بمعالجة ما بعد النقد بشرحها ودعمها بطريقة واضحة ، كان له نتيجة خطيرة ؛ فهي ، تركت سلطة العقل معلقة بالميزان . فبرغم من أن كل تعاليم كانط ، تقول ، بأن سلطةالعقل تعتمد على الأمكانية لنقد ، فهو في المقابل، لم يكن لديه تفسير واضح أو تبرير إلى أمكانية النقد ذاته .

(١٢) وإذا كانت مشكلة ما بعد النقد تؤشر إلى حيث تنهي فلسفة كانط ، فأنها أيضاً تشير إلى حيث الكثير من الفلاسفة ما بعد كانط بدأوا . فالكثير من خلفاءه كانوا راغبين في قبول كفاحه بأن سلطة العقل تعتمد على أمكانية النقد نفسها. فتشكيكهم بهذا الأمكانية ، دفعوا النقد إلى العقل خطوة جديدة ومهمة أبعد من كانط نفسه . فلم يعدوا مقتنعين بعد في فحص الادعاءات لنظام – الأولى لعقل كما لدى كانط – ادعاءات الفيزياء أن تعرف قوانين الطبيعة ، أو أدعاءات الميتافيزيقيا أن تعرف الأشياء بذاتها . فهم ، بالواقع ، أصروا على التشكيك في ادعاءات نظامها – الثاني – أي ادعاءات بأن تكون المعيار الكافي إلى الحقيقة وأن تحوز على المبادئ الأولى البينة بذاتها . فبينما شغلت الفلسفة قبل كانط نفسها مع السؤال ” كيف تكون الميتافيزيقيا ممكنة ؟ فيما الفلسفة بعده ركزت على السؤال ” كيف نقدالمعرفة ممكن ؟ وأهتمام هيجل مع هذا السؤال في كتابه فينومولوجيا الروح لم يكن بداية وأنما نهاية إلى عهد ( عصر ) .

(١٣) وكل هذا لا يعني ، بالطبع ، أن الفلاسفة ما بعد كانط بشكل أجمالي رفضوا أمكانية النقد . فبعضهم هاجم هذه الأمكانية ، وآخرين أيدوها، والبعض جادل بأن النقدالمتسق مع ذاته ينتهي بالشكوكية ( شولتز ، ياكوب ، بلتر ) وآخرين ، قالوا أنه ينتهي في الدوغمائية ، فيما ما يزال هناك آخرون تمسكوا بأن هذا النقد ، هو فعلاً ، طريق وسط بين الشرور ( التطرفات ) ومن هؤلاء ( رينهولد ، وفخته ، وميمون ) . وعلى أي حال ، فما يشترك به كل هؤلاء المفكرون، هو الوعي ، بأن النقد أشكالي ، ولم يعد أحد يأخذ به كمسلمة وطريق مضمون .

(١٤) ويبقى المهم تميز الدلالة التاريخية إلى سؤال النقد ما بعد كانط ، ففحص الأمكانية لنقد كان الفحص إلى الابستمولوجيا ذاتها ( المعرفة ) ؛ وفِي عبارة آخرى ، أنها تثير السؤال فيما إذا ممكن الحصول على معرفة إلى الشروط والحدود إلى المعرفة . ولذلك فأن الفلاسفة ما بعد كانط كانوا يشككون في واحد من العقائد الأساسية والمميزة إلى التراث الديكارتي المعاصرة ، والذي يؤمن بأن الابستمولوجيا هي الفلسفة الأولى ، كما دافع عنها ديكارت ، ولوك ،باركلي ، هيوم ، وكانط . فكل هؤلاء الفلاسفة المذكورين تواً ، شرعوا في العمل بهذا البرنامج الفلسفي بعتقاد راسخ ، بأن الابستمولوجيا تستطيع أن تقدم لهم نقطة بداية راسخت . والتشكيك بهذا المعتقد من قبل الفلاسفة ما بعد كانط أجبر كل تراث الابستمولوجيا أن يعاد تفسيره . وهذا التراث لم ينتهي ، بأي حال ، مع فلاسفة ما بعد كانط . أنه بالتأكيد جدد على أيدي رينهولد ، وفخته . ومع ذلك ، أصبح الآن نقد للذات ، وأنعكاس على الذات . وعليه ، فأن الأيام السعيدة ، والمسكرة إلى التركة الديكارتي قد أنتهت . (يتبع في الجزء الثاني )

هاني الحطاب

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close