نصارى العراق وعمق جذورهم التاريخية والحضارية – 5

* د. رضا العطار

موقف مسيحي بلاد النهرين من الفتح الاسلامي:

يقول الطبري في تاريخ الرسل والملوك: ان نصارى العراق قبل الفتح الاسلامي كانوا من بقايا الآراميين. الذين سكنوا البلاد منذ العصور القديمة، وسُمّوا سريانا، تمييزا لهم من بني جنسهم الآراميين الوثنيين، وقد اطلق عليهم المسلمون بعد الفتح العربي اسم النبط، نسبة الى نبيط بن باسور بن سام بن نوح. اما لغتهم فهي احدى اللهجات السامية.

ثم كانت الهجرات العربية الى العراق وذلك بسبب الجدب والجفاف الذي ضرب شبه الجزيرة العربية بعد العصر الجليدي بدهر من الزمن. وجاؤا الى الحيرة وكانوا خليطا من قبائل طي وتميم وغسان وكلب. و اعتنقت المسيحية وكان اول من اعتنقها من ملوكهم عمروبن عدي

وقد انتشرت المسيحية في العراق بفضل المبشرين من الرهبان.

وبعد سقوط الدولة البارثية على ايدي الساسانيين في بلاد فارس بزعامة ملكهم اردشير توسعت مملكته الى حدود الصين شرقا والى العراق غربا، متخذا من المدائن، طيسفون عاصمته.

لقد وقف نصارى العراق من الفتح الاسلامي موقف المناصر،حتى انهم كانوا يمدون جيش المسلمين بالتجهيزات والمؤون. وقد ارسل الجاليق النسطوري الى نبي الاسلام محمد هدايا في جملتها الف ستارة فضية. وبالمقابل ارسل الرسول الاعظم اليه بعدد من الأبل وثياب عدنية. كما بعث الجاليق هذا الى اساقفة الفرس رسالة هذا نصها:

( ان العرب الذين وهبهم الله الملك يحترمون الديانة المسيحية ويودون القسسة والرهبان ويكرمون اولياء الله ويحسنون الى الكنائس والاديار )

لقد كتب خليفة المسلمين علي بن ابي طالب (س) الى رئيس النصارى جاليق الارزوني كتاب امان وبالوصاية له على النصارى واتباعه مؤكدا رعايته اياهم، كما كان الامام يؤكد على ذلك كل من يتولى قيادة الجيوش، ليتمثلون بنصها.

ولم يات هذا الاحترام وهذه الرعاية للنصارى من قبل خلفاء المسلمين الا لان القرآن الكريم يشير الى مودة النصارى وتواضعهم قوله: ( ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون )

وقد رحب اهل العراق النصارى منهم وغير النصارى بالفتح الاسلامي لانهم وجدوا فيه المنقذ الذي يخلصهم من ظلم امبراطورية الاكاسرة في بلاد فارس: هذا ما قاله المستشرق الفرنسي لوبون.

فالاسلام هو دين متسامح اقبل الناس على اعتناقه بارادتهم واختيارهم كما يصرح به آرنولد المؤرخ الامريكي الشهير في كتابه ( الدعوة الى الاسلام ).

ويؤيد ذلك لوبون بقوله : والحق ان الامم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينا سمحا مثل دينهم، هذا ما جاء في كتابه ( حضارة العرب )

ويقول احمد امين في ( فجر الاسلام ) يبدو ان الدوافع التي دفعت النصارى الى مساندة الجيوش الاسلامية اثناء الفتح العربي هي الروابط القومية والعنصرية التي تربطهم بالعرب من جهة ومن جهة اخرى قساوة الحروب التي جرت بين العرب والفرس لا سيما زمان شابور وكسرى: ان الثأر كان احد الاسباب الذي سيّر الفتح ودفع النصارى لنصرة ومؤازرة الجيوش الاسلامية.

وقد اكرم المسلمون النصارى العرب اكثر من سائر الاديان الاخرى وعاملوهم بالحسنى وقد اكتنفوهم بالحماية وغمروهم بالتسامح وبقيت مدارسهم مفتوحة كما كانت ولم يكن الخلفاء والامراء يتدخلون في شؤونهم.

لقد اوصى القرآن الكريم بالاحسان الى النصارى قوله: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجكم من دياركم ان تبرّوهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين ) كما وضع الاسلام نظاما لتحديد العلاقة بينهم وبين المسلمين لكيلا تحدث الفرقة : ( ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم وقولوا ْامنا بالذي انزل الينا وانزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون ) صدق الله العظيم

الى الحلقة التالية

* مقتبس من كتاب نصارى العراق لسهيل قاشا

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close