عقدة النقص والسلطة

يتفق علماء النفس على أن النفس البشرية معقدة جدأ بسبب عوامل كثيرة تؤثر عليها سواء كانت وراثية أو مكتسبة فيما بعد نتيجة الحياة وظروفها ولهذا تتكون عند الأنسان مشاعر مختلفة وموضوع حديثي هو عقدة النقص .
*بعد دراسات كثيرة على شخصية الدكتاتور صدام حسين والأسباب التي دعته الى التعامل الوحشي مع من يعاديه أو يختلف معه بالفكر أتفقت أغلب الدراسات الى تشوه النشأةًالأجتماعية له حيث وفاة أبوه وتعدد زوجات أمه وعدم قبوله من قبل هؤلأء الأزواج وتنقله من بيت لبيت أثناء الطفولة جعل كل هذا ينشأ بداخله مجموعة من العقد واخطرها كانت (عقدة النقص) حيث يجد أقرانه يعيشون بكنف الأبوين الأ هو وأنعكس كل ذلك فيما بعد عندما أستلم السلطة كقائد أوحد وهو لم يكمل أية دراسة أو لديه منشأ اجتماعي سوي يعتز به .
-عقدته تلك جعلته اولأ يتخلص من المقربين منه والذين يشعر أمامهم بالضعف لأنهم كانوا ذوي الشأن الأجتماعي والمهني  الأفضل منه (حسب تصوراته) أمثال عدنان حسين وغيره وبنفس الوقت بدأ بتقريب أشخاص ذوي شأن بسيط ودفعهم الى الواجهة ليكونوا بدلاء لهؤلاء ولكنهم يعرفون قيمتهم الحقيقية الضعيفة امام الدكتاتور وفضله الكبير عليهم أمثال علي حسن المجيد ،حسين كامل وغيرهم العشرات .
*نشأت بعد سقوط الدكتاتور بداخل حزبنا حالة جديدة لم تكن مألوفة من قبل الأ وهي عودة الكثير من الرفاق الذين أضطرتهم ظروفهم الخاصة في السبعينات والثمانينات الى التخلي عن العمل الحزبي مكرهين للحفاظ على أرواحهم وعوائلهم .هذه العودة المرحب بها كثيرأ كانت سببأ مباشرأ بعودة الحياة للحزب من جديد بداخل البلد خاصة وان أغلب بقية الرفاق كانوا بالخارج ولم يستطيعوا العودة للوطن بسبب ظروف البلد غير المستقرة أو لأسباب أخرى.
هؤلأء العائدون كانوا على فئتين .الفئة الأولى وهي الأغلبية الساحقة لم تؤثر على دواخلها النظيفة سنوات البقاء تحت رحمة النظام الدكتاتوري وبالتالي عادت للعمل بكل سلاسة وصدق رغم أن البعض منهم يشعر بحالة من الضعف نتيجة سنوات الأنقطاع تلك ولكن التعامل الجيد مع من يقودهم والرفاق الأخرين هو من  جعل ويجعل هذا الأحساس يتلاشى وهم مطالبون  كذلك بعدم الشعور بالذنب (رغم أن القضية ليست بالبساطة ) وبالتالي نراهم اليوم يقودون العمل بكل أمانة وفي أكثر من مكان .
الفئة الثانية هي من كانوا قد تعاونوا مع الأجهزة الأمنية وعادوا للعمل ولديهم هذه المشكلة خاصة وأن الجميع (قيادة وقواعد)يعرفون حالتهم تلك ،هؤلاء يمثلوا الخطر الحقيقي على العمل الحزبي أذا أمتلكوا سلطة ولو بسيطة جدأ.هؤلاء سيعملون على الضغط على الرفاق الأخرين الذين يختلفون معهم وخاصة من يعرفوا ماضيهم الغير جيد وكذلك سيكونوا اداة طيعة لمن يقودهم أذا أرادوا أستغلالهم بأي شكل وبدورهم سيبذلون ما بوسعهم لأثبات صدق نواياهم التي يغلفوها بأنها لمصلحة الحزب.  
*لدينا كذلك من الكادر المختلف الدرجات الذي في ثمانينات القرن الماضي وأثناء توجه كل العمل الحزبي نحو الكفاح المسلح وذهاب المئات لتلبية ذلك النداء وترك حياتهم الخاصة ومهنهم وطموحاتهم والأنخراط بالتوجه الجديد ،تخلف الكثير منهم عن الأستجابة لهذا النداء ولأسباب متعددة ،صحية ،قناعات فكرية ،ظروف أجتماعية ….الخ وكل هذه الأسباب هي مقبولة وطبيعية بالحياة السياسية فليس من الصحيح التفكير بأن كل فكرة وموقف يجب أن تحظى بقبول الجميع أضافة الى أن العمل يحتاج الكثير من الرفاق خارج كردستان .لكن ما أريد الأشارة اليه هو وجود فئة لم تكن ضمن هذه الأسباب التي كانت وراء عدم قبولهم تلبية ذلك النداء بقدر ما كانت دواعي أخرى مثل الخوف ،التمارض ،أسباب أخرى غير منطقية .
هذه الفئة التي لم تكن صريحة مع نفسها وليس مع الأخرين فقط عندما عادت للعمل بعد سقوط الدكتاتور وأستلمت مهام قيادية لم يكن من السهل لها نسيان تلك الفترة خاصة وأن الرفاق الذين يعملون معهم ولبوا نداء الحزب يعيشون معهم كل يوم بمفاصل العمل الحزبي .
هذه الفئة تنقسم الى مجموعتين .الأولى من تجاوز تلك الحالة ويعمل بكل نزاهة وامان مع الجميع ولا يخضع عمله القيادي لمشاعر النقص من تلك الفترة وبالتالي هم يسيرون أعمالهم حسب ما مطلوب من الجميع دون عقد معينة وهو ما يمكن للجميع تحسسه بشكل بسيط وبالتالي هم موضع تقدير وأحترام الكل لعملهم الجيد.
المجموعة الثانية هي من بقيت بداخل كل فرد منهم ترسبات تلك الفترة ونزلت الى ألأعماق ولم يتجاوزوها وبالتالي تراها تطفو على السطح في كل منعطف يجب فيه أتخاذ موقف سياسي معين وبسبب أمتلاك الواحد منهم سلطة معينة تراه يعمل على أساس تلك العقدة وما تركته من مشاعر ويحاول تغليف الموقف بأطر الدفاع عن مصلحة الحزب أو القوانين التي تسير العمل الحزبي .
*هذه المجموعة تعمل على النحو التالي :
-مع الذين كأنوا بالداخل ولديهم حالة الأحساس بالذنب نتيجة ترك العمل في فترات معينة ،يحاول هؤلاء أستغلال تلك العقدة بطرق متعددة لتمشية الأمور بالطريقة التي يريدوها عبر التلويح بها كلما دعت الضرورة.
-أما مع الذين ليست لديهم مثل هذه الحالة(ترك العمل ولبوا نداء الحزب ) فيعملون على تقريب من يتفق مع توجهاتهم ويدفعوهم الى الواجهة لتبوء مراكز معينة .
-أما الذين يختلفون معهم بالتوجهات الفكرية وبالتالي طبيعة القرارات التي تتخذ فيعملون على الضغط عليهم بطرق مختلفة مثل ابعادهم عن أية مراكز حزبية سواء التي لا تحتاج أنتخابات أو أدارة الأنتخابات بطريقة لا توصل هؤلاء الى المراكز الحزبية.
*أخلص الى القول أن الحزب كأي كيان حي تتواجد بداخله الكثير من المشاكل التي تؤثر على حياته وحيويته بحاجة الى الادراك الكبير من قبل الجميع وخاصة من بيده القرار لأهمية هذه الصراعات وكيفية تسييرها لمصلحة الحزب والأبتعاد عن التخندق للفكرة الواحدة والأصرارعلى أن أصحاب المراكز الحزبية هم فقط من يفكرون بشكل صحيح ولديهم الوعي والأدراك والحرص على الحزب أكثر من الأخرين .
-الخطأ الذي يقوم به عضو بسيط رغم أذيته للحزب لكنه لأ يمكن مقارنته بخطأ عنصر قيادي أو هيئة قيادية ناهيك أذا كان الخطأ عن دراية ومعرفة مسبقة ومن منطلقات نفسية غير سليمة وبالتالي يحتم هذا الموضوع على الجميع التعامل بمنتهى الصراحة والوضوح مع كل الأفكار والقرارات التي تسير العمل الحزبي ومناقشتها بكل جدية .
– لا خلاف كبير عندما يخطأ البعض بالعمل أو لديه نقطة ضعف معينة(ان كانت نقطة ضعف) لأننا بشر ولكل منا مفاهيمه وقدراته وأولوياته بالحياة وبالعمل السياسي ومن المعيب أن يلعب البعض على ضعف الأخرين ويستغل هذا الضعف لأغراض غير محمودة أو يستغل منصبه الحزبي للثأر من الأخرين ،بل ما نحتاجه أكثر الأن هو مد يد العون لبعضنا البعض وتعزيز مكانة وثقة كل عضو وصديق للحزب بنفسه وبما يقدمه من عطاء وتثمين هذا العطاء والنظر الى الماضي بعين التحليل المفيد لمستقبل أفضل للحزب والأستفادة من التجارب السابقة لأجل رسم برامج عمل سياسية صحيحة ووضع الجميع بهذه البرامج كل حسب أمكانياته واحترام هذه الأمكانية ،عند ذاك يمكننا القول بأن أصحاب العقد النفسية سيجدون أنفسهم قد تجاوزوا تلك المحنة ويعملون بشكل سوي مع الأخرين أو تبقى عند البعض هذه العقدة لأنهم لا يريدون أن يقروا بوجود هذه العقدة وهم بهذا يعملون على الدوام من منطلق هذه العقدة وهؤلاءلابد من أستئصالهم من الجسم الحزبي بسبب خطورتهم المستمرة.
*ويبقى السؤال الأهم هل وصلت الرسالة لمن يهمه الأمر ؟
مازن الحسوني           2018/10/23

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close