هذا هو الفارق بين كاتب إنساني ذي نزعة إنسانية و كاتب عقائدي ذي مشاعر متحجرة !

بقلم:مهدي قاسم
حسب ظني يوجد نوعان من كتّاب ، النوع الأول يتميز بنزعة إنسانية راسخة تجعله يسير في طريق الحق و الإنصاف ، منحازا إليهما دائما و أبدا ، بغض النظر عن اليقينيات و العقائد التي يؤمن ، بل أن نزعته الإنسانية تبقى متسامية دائما فوق عقائده ومبادئه وفي حالة نذير و نفير ، لتجعله أن يقول الحق و الحقيقة حتى لو جاءت متعارضة أحيانا مع قناعاته ، و يفضح الظلم و الباطل دون أي اعتبار لأي شيء نفعي أو مادي أو التزام عقائدي متعصب و أعمى ..

و لكونه متحرر أصلا من قيود والتزامات مادية أو عقائدية فهو يجده نفسه حرا طليقا دائما : لا يداهن ولا يجامل و لا يدافع عن ما هو ظالم و باطل على حساب إسكات نداء ضميره و شعوره الإنساني ، بل ولا يسكت عن الحق عندما يراه كيف يصادرونه استهتارا ، أو يدسون عليه إجحافا و انتهاكا ، ولا عن الباطل عندما يكون مصدر ظلم وبلاء و عذاب للناس ومنفعة و امتيازا لفئة سياسية ومتسلطة باغية و مارقة ..

أما النوع الثاني من الكّتاب فيتميزون بالتبعية و الذيلية لفئة أو مجموعة ما ، أما بدافع ارتزاق ومنفعة مالية أو بدافع التزام عقائدي أو قومي متعصب فنجدهم يسكتون عن الظلم و الباطل عندما يرتكب هذه ” البعض ” المحسوبين عليهم ــ سياسيا أو فئويا ــ جرائم قتل وانتهاكات بحق أناس أبرياء ، فليذون بصمت القبور و كأن شيئا لم يحدث ، و كأنما ثمة ذبابة قد سُحقت ولكن عندما يتعلق الأمر بخصومهم وأعدائهم السياسيين والعقائديين فتجدهم يسطّرون مقالات تلو أخرى بضجيج وصخب عاليين ، ليس دفاعا عن براءة قتيل أو ضحية ما ، إنما بدافع إسقاط إعلامي موجه بعناية ضد هذا الخصم السياسي أو ذاك العدو العقائدي ..

إذن فالمسألة هنا لا تتعلق بالإصغاء إلى صوت الضمير الإنساني الحي ، الذي قد لا يوجد اصلا عند هؤلاء، بقدر ما هو إصغاء مهووس إلى رطانات و فحيح عقيدة ويقينيات متكلسة ..

و إلا ما فارق بين قتل سعاد العلي و تارا فارس وغيرهما في العراق من قبل ميليشيات أو جهات متطرفة كما وصفها وزير الداخلية الأعرجي ، و بين جريمة قتل الصحفي السعودي جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا ؟

أو بالأحرى : ما الفارق بين عملية مقتل الصحفي الكوردي العراقي سردشت عثمان، بعد اختطافه والذي عُثر عليه مقتولا بعد عمليات تعذيب رهيبة و بضراوة وحشية لحد التشوه ، لا لشيء ،إلا لكونه قد تغزّل بابنة مسعود البارزني و بين تقطيع جسد خاشقجي المعارض للنظام السعودي ؟! ..

لقد وجدنا صمت القبور في كلا الحالتين و ذلك خضوعا لقيود و التزامات أما مادية ونفعية ارتزاقية أو عقائدية وفئوية متعصبة لجهة أو فئة ما ، جعلت أغلب كتّاب الطرفين أن يصمتوا عن قول الحق و يتقبلوا الظلم والجريمة المرتكبة بحق الآخرين و يعتبرونه أمرا عاديا ..

أما ” الكتّاب السنة ” من مخلفات النظام السابق فهم يضا لزموا الصمت إزاء جريمة قتل الصحفي جمال خاشقجي لا شيء سوى لكون المحرض الرئيسي على ارتكاب الجريمة هو النظام السعودي ” السني ” الذي لا يجوز فضح جرائمه لكونه كان داعما ل”أهل السنة ” في الصراعات و النزاعات الطائفية الدموية التي جرت في العراق ، في الوقت الذي نجد بعض من هؤلاء ” الكتّاب ” لا يفوت مناسبة إلا و يستغلها ضد النظام الإيراني تسقيطا و تشنيعا ..

و يتضح مما ورد ــ أعلاه ــ أن الالتزام العقائدي الأعمى و القطيعي يقتل الضمير الإنساني عند البعض تماما ويجعلهم صما و بكما لا ينطقون دفاعا عن الحق ضد الظلم و الباطل ، مثلما يملي ذلك الضمير الحي و الشعور الإنساني الراقي والمتسامي الجميل عند غيرهم ممن يصغون لنداء ضمائرهم فقط الأمرالذي يجعلهم يفضحون الأعمال الوحشية والبربرية و ينددون بها ، بغض النظر عن الجهة التي ترتكبها . .

أما سبب كتابتنا عن جريمة قتل خاشقجي ، فأنما دافعه الأساسي هو التضامن الأخلاقي و المهني الذي يجب أن يوجد بين أصحاب القلم بغض النظر عن اختلاف المواقف ووجهات النظر المتباينة ..

و يبقى أن نقول : أن من يتابع مقلاتي منذ سنوات سيجد و يتأكد من أنني كتبتُ عشرات مقالات نقدية ضد النظامين الإيراني و السعودي على حد سواء ، ليس بدافع كون أحداهما نظاما ” شيعيا ” و الأخر نظاما ” سنيا : إنما ووفقا لاعتقادي الراسخ بكونهما نظامين ثيوقراطيين وقمعيين و من مخلفات القرون الوسطى و لا يصلحان لهذا العصر لا من قريب ولا من بعيد .

أو على الأقل ، أنا هكذا أفهم المسألة و أتصرف على ضوئها.

معتزا في الوقت نفسه باستقلاليتي الفكرية و عدم تمييزي بين العراقيين على أساس دين أومذهب أم عرق ، أنما اميزهم على أساس أفعال و أعمال وعلى ضوء ذلك أشيد بهم و أثمن جهدهم ،إذا كانت أعمالهم ذات منفعة للمصلحة العامة ، أو بالأحرى أدينها إذا وجدتها تتجاوز على حقوق الناس أو متصفة بطابع إجرامي بحق أناس أبرياء و مسالمين و تضّر في الوقت نفسه بالمصلحة العامة .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close