لغتنا العربية وادب الفقاقيع

* د. رضا العطار

لفقاقيع الماء جمال لا ينكر, وخاصة اذا ضربتها الشمس . فازدهت وسطعت تعكس على العين الوانها العديدة, ولكنها مع ذلك فقاقيع, سرعان ما تتفقأ اذا مر عليها النسيم.

وكذلك الحال في ادباء الصنعة, يكتبون وكل همهم محصور في تأليف استعارة خلابة او مجاز جميل او كناية بارعة او غير ذلك. فإذا اراد احدهم ان يؤلف كتابا او يضع مقالة, لم يعن اقل عناية بالموضوع الذي يكتب فيه. وانما هو يعمد الى الفقاقيع فيؤلف منها عبارته اذا استطاع, او يذهب الى احد القدماء فيجمع منه بعد الكد والعناء جملة عبارات خلابة, يتوبل بها انشائه او يرصها رصا. اذ كثيرا ما يعجز امثاله عن تأليف عبارة من انشائه الخاص.

وهكذا يعيش كتاب الصنعة هذه الايام, بما خلفه لهم القدماء. يتداولون الصيغ القديمة في الاداء ويجترونها اجترارا كما تجتر البهيمة طعامها طول حياتها. او يقضون وقتهم في العبث واللهو بتأليف السجعات والاستعارات والتشبيهات. ولست انكر ان لهذه الاشياء جمالا ولكنه جمال الفقاقيع. والزبد الذي يذهب جفاء عندما تسطو عليه اشعة الشمس او تهفو به الريح.

فقد قرأنا كلنا مقامات الحريري ورسائل الهمذاني واستملحناها ولهونا بها تشدقنا بالفاظها. وللآن لا نزال نستملحها كما نستملح فقاقيع الزبدة, ولكن لا يخطر في بالنا ان نقلد هذين الكاتبين. لأن اسلوبهما لا يتفق والانشاء الرصين في الموضوع الجدي او الانشاء الدقيق في الموضوع الفلسفي او العلمي. ولكن كتّاب الصنعة يكرهون الفلسفة والعلوم. وقد قال احدهم وهو المنفلوطي ( ما دخلت الفلسفة ايا كان نوعها على عمل من اعمال الفطرة، إلا افسدته )

وهذه نزعة خطرة نطلب ان يعمد رجال الذهن في جميع البلاد العربية الى وقفها بكل الوسائل الممكنة. فيجب ان نحبب لتلاميذنا الفلسفة والعلوم . , ونكره لهم فقاقيع الاستعارات والكنايات. او بعبارة اخرى يجب ان نحبب اليهم الجد ونباعدهم من اللهو ونكبر لهم من قيمة المعنى والغاية ونصغر لهم من شأن الزخارف اللفظية.

وهذه الزخارف اللفظية كثيرا ما يعشقها الشباب الذي تستوي اسماعه رناتها الموسيقية, فيسترسل فيها ويعني بتنميقها فيذهب وقته في تفكير ركيك وعبارات مزخرفة. وبدلا من ان يعمد الى الدرس الجدي المفيد. ياخذ في استظهار عبارات والفاظ خلابة كتبها الجاحظ او رواها الاغاني او دبجها الحريري، ونحن نعيش في زمن لا يتسع الآن للاساليب المزخرفة في الكتابة, لان علينا ان ندرس آلافا من الشؤون التي لم يعرفها القدماء

وحسبك دليلا على الخطر الذي ينال الشبان مما يبثه كتاب الصنعة من التعلق بالالفاظ.

* مقتبس من كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية للموسوعي سلامه موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close