اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح 7

(*) د. رضا العطار
لقد انتفع معاوية في ادارة البلاد بخبرة المسيحيين اكثر مما انتفع اسلافه، وكان قد اتصل بهم اتصالا وثيقا ايام ولايته على الشام في عهد الخلفاء الراشدين وعرف مبلغ علمهم ومقدرتهم العلمية لكن في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان كان ثمة غيرة كبيرة.

لان المسيحيين احتكروا معظم الوظائف الادارية وحاول الخليفة ان يستخدم العرب في اماكنهم ولكن التغيير لم يكن ناجحا، لانه اكتشف انه ليس من السهل عليه ان يعتمد على المسلمين فيضطر الى قبول تسوية تعود غالبا بالخسارة على خزينة الدولة. فوجد في الموظفين المسيحيين مرونة ولينا يفتقر اليهما المسلمون العرب. فاقصى ما استطاع ان يفعله هو ان يحول الكتابة من اليونانية الى العربية وان يكتب العربية على النقود.

كانت الكتابة في السنوات العشرين الاولى باللغة اليونانية وكان الموظفون المدنيون معظمهم من المسيحيين، على انه لم يكن في الافق ما ينبئ بمضايقات ومناورات واضطهادات في الحقب اللاحقة . اذ لا ننسى ان السوريين المسيحيين من سريان وعرب ساعدوا الفاتحين الجدد في حروبهم ضد الدولة البيزنطية فلم يلجا الامويون الى الشدة والعنف ليفرضوا على المغلوبين معتقداتهم الاسلامية. فقد اعترفت الاتفاقات المبرمة بين الطرفين بحرية المعتقد والمحافظة على كنائسهم . ولبثت سوريا بلدا مسيحيا فيها كنائس شامخة على نحو كنيسة القيامة وكنيسة اللد وكنيسة الرها. كما بقى الصليب مرفوعا فوق الكنائس والاديرة.

وقد حافظت سوريا على طابعها كبلد مسيحي حتى نهاية الحقبة الاموية. وكان السواد الاعظم من سكان المدن مسيحيا، هذا مع العلم انه لم يكف المسلمون عن اشعار المسيحيين انهم ذميون. وقول جرير للاخطل في هجوه (لا حيّاك ياابن النصرانية)

وكانت حياة المسيحيين طوال عهد الخلافة الاموية متناقضة تتكيف على ما يبدو بالمقتضيات السياسية والنزوات الشخصية. وكان معاوية على جانب كبير من التسامح معهم. وفي بعض الاحيان كان الرؤساء المسيحيين يحتكمون في نزاعاتهم الى معاوية.

لم توقف الفتوحات الاسلامية سير الحياة العقلية في البلاد التي قدر لها ان يدخل في مجالها رضي الاسلام وان يظل اهل الاديان الاخرى على اديانهم ما داموا قبلوا دفع الجزية. ولقد تمثل ذلك بصورة متميزة في المجتمع السرياني حيث ظلوا على قوانينهم وتقاليدهم وظل مسلكهم في الحياة من دون تغيير او تبديل بل ان الامر قد تهيأ لهم ليزيدوا من طاقاتهم في خدمة الثقافة والمعرفة بما ساعد في نقل العلوم اليونانية والتحامها بالفكر العربي.

لقد ورث الامويون حضارات الاقطار التي دخلها الاسلام حتى وقتهم وكان انتقال الخلافة الى دمشق من العوامل التي امدتهم بتراث زاخر متعدد المعارف والثقافات فقد راقهم وهم في بيئتهم الجديدة ان ينهلوا من مناهل هذه الحضارات مع تحويرها بما يجعلها ملائمة لاغراضهم المادية والروحية. وهكذا ظلت دمشق القديمة مركزا للحياة الحضارية والسياسية لسوريا وقد كثر فيها الاطباء ولا سيما من الرهبان واليونان على السواء ولقد اسهم هؤلاء الاطباء في نقل كثير من معارفهم الى اللغة العربية، كذلك تهيأت الاسباب في هذه الفترة لكي يتلقى المسلمون على يديهم الفلسفة اليونانية كذلك.

وتحتل الترجمة في القرن السابع الميلادي وبداية القرن الثامن اهمية خاصة في تاريخ حركة الترجمة عموما، على الرغم من ضيق النطاق الذي تمت فيه. وتكمن تلك الاهمية في انها تمثل المرحلة الاولى من تاريخ عهد العرب المسلمين بها وان ما حدث من نقل في هذا القرن كان اول نقل في الاسلام الحديث.

و كانت هناك محاولة قام بها سعد بن ابي وقاص قائد الجيوش الاسلامية في بلاد فارس، انما لم يكتب لها النجاح عندما ابدى رغبته في نقل علوم الفرس الى العربية ابان دخول العرب الى تلك البلاد وذلك بسبب رفض الخليفة عمر بن الخطاب لهذه المبادرة. فكتب سعد يستأذنه. فرد اليه عمر ( اطرحها في الماء، فان يكن فيها هدى فقد هدانا الله بالهدى وان يكن ضلالا فقد كفانا الله شرها ) فطرحوها في الماء وذهبت عنا علوم الفرس.

ويمثل العصر الاموي اول دور جدي من ادوار الترجمة في هذا العصر الذي شهد ظهور هذه الحركة لاول مرة في تاريخ العرب المسلمين الحضاري والثقافي

وعلى الرغم من ان الترجمة في هذا العصر كانت ترجمة بدائية وضعيفة اذا ما قورنت بالترجمات الاخرى في الادوار التالية فان هذا العصر كان بحق حجر الاساس لبناء هذه الحركة عموما، كما انه كان المنطلق الاول لها في انحاء العالم العربي والاسلامي مشرقة ومغربه.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

الى الحلقة التالية

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close