وحي السماء أم عقل وضمير الإنسان 8/20

ضياء الشكرجي

dia.al-shakarchi@gmx.info

www.nasmaa.org

6. الحكمة الإلهية

ما قيل عن العدل الإلهي، يمكن أن يقال عن الحكمة الإلهية، ولكن المقارنة مشروطة، بسبب أن الحكمة لا يمكن أن تُدرَك دائما، كما يُدرَك العدل. وعندما نتكلم عن الحكمة، لا بد من أن نفرق بين حكمة التكوين، وحكمة الأحكام، أو بين الحكمة التكوينية، والحكمة التشريعية. عندما أقول إن إدراك الحكمة، أو تمام الحكمة ليس ميسورا دائما، فليس هذا من قبيل الهروب من تحكيم العقل (العقل العملي)، ولا هو من قبيل تعطيل العقل، بل لي ما كوَّن عندي هذه القناعة، التي أحاول توضيحها، ولو بإيجاز. كلامي طبعا قائم على أساس التسليم بمقدمة، ألا هي وجود الله سبحانه وتعالى، لأن الحديث سيكون على نحو آخر من الاستدلال مع من لا يؤمن بوجوده عز وجل. فمع التسليم بحقيقة وجوده سبحانه، لا بد من التسليم بحكمته. وهنا أورد مثالا على ذلك لتوضيح المسألة. لو إننا كنا مخلوقات من نوع آخر، نعيش على كوكب آخر، ونملك مَلَكات عقلية وروحية وجسدية أرقى من الإنسان بكثير، ونعيش أطول من عمره بعشرات الأضعاف، ولا نعرف المرض، ولا نمارس الظلم تجاه بعضنا البعض، واستطعنا أن نتغلب حتى على كل الكوارث الطبيعية. ثم يُروى لنا عن وجود كوكب اسمه الأرض، يعيش عليه مخلوق اسمه الإنسان، ثم يُروى لنا عن كل تاريخ البشرية، بكل تلك الكوارث والاقتتال والظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي وعلى جميع الأصعدة وبشتى المستويات. كنا عندها سنردّ على من يروي لنا ذلك، بأنه خرافي، إذ يستحيل على حكمة الخالق وعدله أن يخلق مثل هذا المخلوق. ولكننا بحكم كوننا نحن أصحاب التجربة، ونعلم بوجودنا – كما يُعبَّر – علما حضوريا، وليس علما حصوليا، كي نحتاج إلى تبَيُّن صدقه من كذبه. إذن هناك ثلاثة حقائق يقينية، وشك واحد. الحقائق اليقينية، هي حقيقة وجودنا، والثانية حقيقة أن الله هو الذي خلقنا، والثالثة حقيقة أن الله لا يفعل شيئا إلا على ضوء الحكمة والعدل. وأما الشك، فهو شكنا بأن وجودنا وكل ما يتعلق به مساوق للحكمة. نفس الشيء يمكن أن يقال عن مدى انسجام واقعنا مع مبادئ العدل. أما بالنسبة للعدل، فقد حُلّت مشكلته بإيماننا بوجود عالم آخر وحياة أخرى بعد هذه الحياة، يُقام فيه العدل بمداه المطلق، بحيث يُعوَّض كل من فاته شيء من حقوقه، حتى ولو بمقدار ذرة، وفق معايير العدل في ذلك العالم، ولو إن هذا لا يقنع الكثيرين، وهم محقون. ولكن ربما لن نستطيع أن ندرك كامل الحكمة وراء خلق الله لنا. وهذا العجز عن فهم تمام الحكمة كان حال الملائكة، مع فرض وجودهم، الذين عبروا ابتداءً عن استغرابهم من خلق الإنسان وعدم فهمهم لجدوى هذا الخلق بقولهم، بحسب الرواية القرآنية: «أَتَجعَلُ فيها مَّن يُّفسدُ فيها وَيَسفِكُ الدِّماءَ»، ثم عبروا عن قصورهم في فهم الحكمة في ذلك بقولهم «لا عِلمَ لَنا إِلّا ما عَلَّمتَنا»، مع تأكيدهم على يقينهم بوجود الحكمة التي لم يدركوها بقولهم «إِنكَ أَنتَ العَليمُ الحكيمُ». فهم باختصار متيقنون من حكمة الله وعلمه، ومدركون لمحدودية علمهم وقصورهم عن إدراك تمام الحكمة من خلقه، ويعبرون عن عدم فهمهم للحكمة من وراء خلق الإنسان. فمن ناحية الحكمة التكوينية ليس لدينا إذن من مشكلة، ولكن الكلام عن حكمة الأحكام الشرعية. طبعا ما ذكر عن الملائكة حسب الرواية القرآنية، ليس من قبيل الإيمان بهم، بل كفرضية، أو كقصة رمزية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close