آنا ليند .. وقصة قاتلها ؟.

كانت ومازالت بين الحين والأخر تثار تداعيات أغتيال رئيس وزراء السويد السابق ( أولف بالمه ) عام ١٩٨٦ . شبيه بالنار تحت الرماد , كلما هبت رياح على هدوء الوضع السياسي السويدي . تصدرت سيناريوهات أغتياله الغامضة والمحيرة , ورغم تداعياتها المتشظية على الشارع السويدي ومزاج الناس وردود أفعالهم الباهته والتي لا تتعدى عن تفاعلهم الوقتي على ما تتناقله الصحافة وأروقة المحاكم . فلم تخرج عن أطار دائرة الاغتيال المبهم والموت السري سوى تلك التقديرات والتوقعات والتخمينات والتي لا تجدي نفعاً ولا تحقق غرضاً على أقل تقدير لأعادة هيبة الدولة والقانون السويدي ضمن حيز حقوق الانسان . يشار الى أولف بالمه من المعارضين للسياسة الامريكية وأجندتها العالمية . وكثيراً ماكان يخرج في مظاهرات مع عامة الشعب ضد السفارة الامريكية في العاصمة السويدية ( أستوكهولم ) لتدخلها السافر في فيتنام وقضايا أخرى تهم الانسان ومصير الشعوب . وقد ذكره الرئيس الامريكي ( ريشارد نيكسون ) في مذكراته بشيء من الاحتقار . فكانت فاتورة قتله جاهزة .

في ١٠ سبتمبر ٢٠٠٣ . أغتيلت آنا ليند في سوق عام في العاصمة أستوكهولم ( نورديسكا كومبنيات ) أمام مرآى عامة الناس والمتبضعين في وضح النهار , عندما كانت مع صديقتها ولم يتدخل المارة والعابرين من ينقضها بحرف طعنات السكين الحادة عن لبة قلبها المتعطش للحرية والعدالة الاجتماعية .

وبمرور ١٠ سنوات على قتلها . صرح لنا القاتل ( ميهايلوفيتش ) من سجنه السويدي لصحيفة ( إيكسبريسن ) قائلاً أن الكراهية التي يحملها تجاه السياسيين هي التي دفعته الى قتل آنا ليند . بعد أن أدعى سابقاً أنه مختل ويعاني من أزمات نفسية لشدة وطأة الحرب الأهلية في بلاده والتي خلفت ضحايا ومشردين هو أحدهم . وأعتبرت الصحيفة السويدية هذا الأعلان أو التصريح من جهة ( ميهايلوفيتش ) مهم ومعلومة مهمة ونادرة للصحفي ( إدوارد أونسفورد ) . الذي ألف كتاباً عن القاتل , في تقديري لا معنى له مبني على تقارير صحفية وحكومية بعيداً عن النوايا والدوافع الحقيقية والمخفية في أغتيال الوزيرة . المرأة الشابة والحيوية في الدفاع عن قضايا الشعوب والعدالة الدولية في العالم .

آنا ليند … وزيرة خارجية السويد من عام ١٩٩٨ الى يوم قتلها ١٠ سبتمبر ٢٠٠٣ . وعضوة متميزة في اللجنة التنفيذية لقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي وهو يعتبر من أكبر الاحزاب السويدية وذات توجه أشتراكي ديمقراطي . وتميزت بجلسات البرلمان السويدي بصوتها المميز المنحاز لحقوق الانسان وقضايا الشعوب . وكانت تدور حولها التكهنات أن تكون رئيسة وزراء السويد خلفاً ل يوران برشون , الذي ينتمي لنفس الحزب .

آنا ليند .. أبنة الفنان السويدي ستيفان ليند , منذ نعومة أظافرها وبعمر ١٢ عاماً نشطت في صفوف أتحاد الشبيبة وبفترة قريبة ترأست قيادته , وهي للمرة الأولى التي تترأس أمرأة قيادة هذا القطاع الحيوي . درست القانون وأم لولدين . التحريات السويدية وملفات التحقيق من يوم مقتل أولف بالمة الى أغتيال أنا ليند , لم يضعا أمام الرأي العام السويدي الحقائق وراء دوافع قتلهما وتحديد الجهات ذوو المصلحة الحقيقية التي تقف وراء ذلك . والسويد قادرة على ذلك . ففي تقدير للمتابعين والحريصين على سمعة البلد يعتبرا قضيتهما متشابهة , وقد تكون لنفس الدوافع والاغراض رغم أن قاتل أنا ليند بقبضة القانون , أما قاتل أولف بالمة مازال طليقاً .

عقلية المجتمع السويدي لم تميل الى نظرية المؤامرة , مما شكلت قضية مقتلهما قضاء وقدر أو لدوافع شخصية .

سؤال مهم وواقعي يطرح نفسه على تداعيات الحدث الزمني والمكاني ؟.

حول نية ودوافع القاتل من أين أمتلك تلك ( السكين ) القاتلة في موقع الحدث , أذا كان مصادفة وبكره المتعمد للسياسيين كما جاء في تصريحه الأخير . والتداعي الأخر الذي تدور حوله الشبهات . لماذا أختار بالذات شخصية بوزن أنا ليند . لو عدنا ونقلب صفحات الوزيرة الشابة وموقفها من السياسة الدولية وفي مقدمتها قضية فلسطين والاعتداءات اليومية على بيوت وحياة الناس من مشاريع أستيطان الى أعتقالات كيفية وموقفها المعلن بأدانة الاحتلال وسياسته في المحافل الدولية . موقفها المدين لقرارات الأمم المتحدة بفرض الحصار على شعب العراق , وشن الحرب على العراق وشعبه وعلى دولة أفغانستان ووصفت الرؤساء بوش وأريل شارون بالرعونة . هي التي قادت حملة لمقاطعة البضائع الاسرائلية في بلدها السويد وفضح سياسة الاستيطان. ومن خلال وزارتها الخارجية دعت وعقدت مؤتمر دولي في العاصمة السويدية ( أستوكهولم ) لحوار الحضارات والديانات وتقاربها الثقافي والفكري والعيش المشترك بين الاسلام وأوربا. ولم تهدأ عندما أعتقلت

المخابرات الامريكية المواطن الجزائري محمد غزالي الذي يحمل الجنسية السويدية من أفغانستان في معتقل ( غوانتنامو ) وأستدعت السفير السويدي من واشنطن أذا لم يطلق سراحه ويحاكم محاكمة عادلة . وأدانة ساسة وحكام أوربا في الهرولة وراء الاحمق بوش في حروبة على الشعوب وأعتدائه على البلدان . تفاعلها الدائم مع قضايا الشعوب الداعية الى الانعتاق والتحرر بعيداً عن الجنس واللون . كل تلك المواقف رصدت وجمعت في جعبة الدوائر الغربية والمخابراتية والتي تؤكد الاحداث وتوازناتها الدولية لايسمح لبلد مثل مملكة السويد أن تكون خارج تلك السيطرة الدولية . وهي المعروفة بسياستها التوازنية أن صح التعبير , تماشياً مع الوضع الدولي ( القوي ) . وأثبت ما لايقبل الشك أن وطنية وأنسانية آنا ليند عبرت حدود مملكة السويد الى عالم أرحب وأوسع بحثاً ودعماً لنضالات الشعوب وتوقها الى الحرية والتحرر بعيداً عن الطغيان والاستيطان .

محمد السعدي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close