الفرق الباطنية في التاريخ الاسلامي…

9- البهائية – القسم الثاني
أ.د. فرست مرعي
البهائية والكرد
بعد إعدام الباب (علي محمد الشيرازي)، من قبل السلطات القاجارية الإيرانية في عام1850م، هرب ( الميرزا يحيى)، وأودع (الميرزا حسين) السجن لمدة أربعة اشهر، وقد تدخلت السفارة الروسية لمصلحة الأخير، فتم نفيه إلى (بغداد)، وزودتهم السفارة الروسية بالمال اللازم. وبعد وصول (الميرزا حسين- بهاء الله) إلى (بغداد)، التي سبقه إليها أخوه (الميرزا يحيى/ صبح الأزل) حدث خلاف وصراع بينهما، مما دعا (الميرزا حسين) إلى ترك (بغداد)، والذهاب إلى منطقة (السليمانية)، حيث استقر في كهف في (جبل سورداش)، المطل على قريتي (سركلو) و (بركلو)، للفترة من 1854-1856م. وكان يغادر مقر خلوته إلى خانقاهات الصوفية النقشبندية في (السليمانية) و(بياره) و(طويلة) (=منطقة هاورمان على الحدود الإيرانية- العراقية) للاجتماع مع زعماء الطريقة.
وكان العالم العثماني الصوفي الحنفي (الحافظ بن محمد خواجة بارسا) المتوفى (سنة 1419م)، ألف كتابا سماه (فصل الخطاب)، تحدث فيه عن ظهور المهدي، ومناقبه، بقوله: “تظاهرت الأخبار عن ظهوره، وإشراق نوره، يجدد الشريعة المحمدية، ويجاهد في الله حق جهاده، ويطهر من الأدناس أقطار بلاده، زمانه زمان المتقين، وأصحابه خلصوا من الريب، وسلموا من الغيب، وأخذوا بهديه وطريقته، واهتدوا من الحق إلى تحقيقه. به ختمت الخلافة والإمامة، وهو الإمام من لدن موت أبيه إلى يوم القيامة، و(عيسى) يصلي خلفه، ويصدقه على دعواه، التي هي دعوة صاحب الملة المحمدية”.
وقد شرح هذا الكتاب (= فصل الخطاب) (محمد بن أبي جمهر الإحسائي) المتوفى (سنة 1495م)، وأضاف إليه، وشرحه، الشيعي الصوفي (الميرداماد) المتوفى (سنة 1631م)، وتابعه في مدينة (أصفهان) (ملا صدرا الشيرازي) المتوفى (سنة 1640م)، وأودع تعاليمه في كتابه (جامع الأسرار ومنبع الأنوار). وأصبح هذا الكتاب أحد أعمدة المذهب الباطني، وعلى ضوئه وضع الشيخ (أحمد الإحسائي)، المتوفى (سنة 1826م) مذهب الشيخية.
وعندما قام (بهاء الله) بسياحته إلى كوردستان العثمانية (= كردستان الجنوبية – العراق)، في عامي 1854- 1856م، اطلع على كتاب (فصل الخطاب)، عند أتباع الشيخ (مولانا خالد الجاف النقشبندي)، المتوفى (سنة 1827م)، في (تكية بيارة)، وكانت لها نتائج بعيدة المدى على طريقة تفكيره ودعوته.
ويبدو أن فترة بقاء (بهاء الله) في تلك المنطقة، كانت لها آثار سلبية على عقيدة بعض الكورد، ففي سنوات (1919-1920م)، ظهرت في تلك المنطقة حركة الـ(حقه)، التي تعد إحدى حركات الغلو في التصوف النقشبندي، وكانت لها أفكار غريبة وعجيبة، مخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، التي هي عقيدة الغالبية العظمى من الكورد.
وغالب الظن أن لـ(بهاء الله) يد بما حصل من الانحراف والشطط لدى بعض الصوفية في تلك المنطقة، المحيطة بقرية (شه ده له)، التي آلت نتيجتها إلى ظهور نحلة الـ(حقه). وليس من المستبعد، لدى بعض الباحثين الكورد، أن يكون قد تم ذلك وفق خطة رسمت لهذه الغاية، لإفساد عقيدة أهل المنطقة، مثلما عمل (البهاء) لإفساد عقيدة من انتحلوا (البهائية) في (إيران). وإلا فما الداعي ليسكن هذا الرجل، في هذه المنطقة النائية، مدة سنتين من 1854 لغاية 1856م، وبالقرب من مركز رئيس الطريقة النقشبندية في قرية (شه ده له)، الشيخ (سردار النقشبندي)، أحد خلفاء مولانا (خالد الجاف). ومما يدل على ذلك، هو أن بعض منتسبـي هذه النحلة، نعتوا شيخهم (عبدالكريم شدله) بأنه هو (المهدي)، وبعضا آخر وصفوه بأنه هو (عيسى) (عليه السلام). كما أسبغ البهائيون على زعيمهم (بهاء) مثل هذه الأسماء. وينقل عن شخص معاصر لتلك الأحداث، وهو السيد (الحاج عبد جاسم)، الذي كان من رجال الشرطة العراقية الملكية، بأنه حين مداهمته لخانقاه (تكية مامه رضا)، أحد زعماء طريقة الـ(حقه) في قرية (كلكه سماق)، القريبة من (مصيف دوكان) (=غرب مدينة السليمانية)، وتحريه لممتلكاتها، سنة1944م، لم يجد فيها من الكتب غير كتاب (البهائية).
ومن جانب اخر فان بعض المصادر تذكر ان سبب اختفاء بهاء الله في جبال كردستان وبالتحديد في قرية (شه ده له) الواقعة في سفوح جبال سورداش – غرب السليمانية، كان نصيحة من الحاخام اليهودي (يوسف حاييم) لاكتساب تجربة روحية من الاطلاع على القبالة اليهودية واسرارهما، هذه التجربة تجعله يدرك جوهر الأشياء وقوانينها العميقة كما فعل نبي الله موسى (عليه السلام) حين غاب في جبل الطور في سيناء.
وكان بهاء الله يظهر علاقته بالروس، ولكن يخفي علاقته بيهود بغداد ويهود كردستان. فحين وصل بهاء الله إلى بغداد عام 1852م كان فيها حوالي (50) الف يهودي وفي كردستان حوالي (18) الاف يهودي، وعندما اتصل بهاء الله بالحاخام (شمعون اغاسي) المتوفى (سنة1914م) ارسل إلى كردستان الحاخام والعالم اليهودي (هارون البارزاني) المتوفى (سنة1900م)، كان الحاخام رجلا صوفيا يؤمن بظهور الملك الالهي (= المسيح المنتظر) وعهده السعيد، وكان عالما بالعربية والفارسية، وكان متعطشاً لمذهب القبالاه (=التصوف اليهودي).
استقبل الحاخام اليهودي بهاء الله بالترحاب وأمن له المعيشة الحسنة في جبل (سركلو) وصار يتجول في السليمانية وما حولها.
ومن جانب آخر، فإن الشيخ (فرج الله زكي الكوردي المريواني الكاشنكاني) الذي ينتسب إلى مدينة (مريوان) بكوردستان إيران حاليا، والمولود في عام 1882م، وبعد أن نال قسطا من التعليم في بلده، جاء إلى (مصر) في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي للدراسة بالأزهر الشريف، وبما أنه كوردي انتسب إلى (رواق الأكراد)، لكنه في إحدى زياراته لبلاد الشام، قابل فيها زعيم (البهائية): نجل بهاء الله (=عبد البهاء)، وأعجب بدعوته واعتنقها، وأصبح من أشد المدافعين عن (البهائية) في مصر بعد ذلك، ولما اكتشف أمره تم فصله من (الأزهر)، ومن (رواق الأكراد)، لردته ولخروجه عن الإسلام.
ويبدو أن (فرج الله الكوردي) كان مستعدا للحظة فصله، فقد كان مشتغلا بالتجارة بالكتب، ومنذ عام 1900م كان يعمل وكيلا للشركة الخيرية لنشر الكتب العالمية الإسلامية. وجرى المال في يده، واشترى داراً له بمنطقة الأزهر، فلم يرجع إلى بلده كوردستان (إيران)، وإنما استقر بـ(مصر)، واتخذها سكنا وموطنا، وزاول فيها مواهبه وقدراته في نشر الكتب والمخطوطات النادرة.
وكان الزعيم البهائي (عبد البهاء)، نجل (بهاء الله)، قد ألف كتاباً بعنوان: (الرسالة المدنية)، باللّغة الفارسيّة، نشرت في مدينة (بومباي) بالهند عام 1882م، ومن بعد ذلك أشرف على طبعها ثانية الشّيخ (فرج الله زكي الكوردي) عام 1909م، وظهرت التّرجمة الإنجليزيّة للكتاب في (لندن)، عام 1910م، وأعيد طبعها في (شيكاغو) بالولايات المتّحدة عام 1918م، تحت عنوان: “MYSTERIOUS FORCES OF CIVILIZATION” . وصدرت آخر ترجمة لها بالإنجليزيّة عام 1956م، بقلم (مرضيّة غيل)، وطبعت في (الولايات المتّحدة الأمريكية). ورغم أنّ هذه الرّسالة كانت في متناول قرّاء الفارسيّة والإنكليزيّة منذ تاريخ صدورها؛ ولكن ترجمتها إلى العربيى تأخرت، حتى تولت ذلك السّيدة (بهيّة فرج الله زكي)، اقتداءً بوالدها، والّذي كان قد نوى نقل هذه الرّسالة إلى اللّغة العربيّة، ولكنّه لم يستطع تحقيق أمله هذا في أيّام حياته، فقامت ابنته (بهيّة) بتحقيق أمنيته، وأدّت في آن معًا خدمة كبيرة إلى المكتبة البهائية العربيّة.
وظل (فرج الله الكوردي) على حالته تلك، حتى وافته المنية عام 1940م. ولم ينجب إلا بنتا واحدة، هي المذكورة آنفاً: (بهية)، وكانت بهائية المعتقد مثله، وعملت مدرسة بـ(معهد المعلمات) بـ(بغداد)، في العهد الملكي. وكان عندها صالون أدبي، يجتمع عندها الأدباء والمثقفون! أحبها الشاعر الكوردي (يونس ملا رؤوف) (1918-1948م)، المعروف باسمه الأدبي: (دِلدار)، أي (العاشق)، مؤلف النشيد الوطني الكوردي (أي رقيب)، الذي كان نشيد جمهورية كوردستان(=مهاباد)، وحالياً نشيد إقليم كوردستان العراق؛ لكنها مع ذلك تزوجت من أمريكي بهائي، وأنجبت منه ولداً أسمته (حسين).
وفي الآونة الاخيرة، وبعد سقوط (بغداد) على يد الجيش الامريكي في عام2003م، شوهد العديد من أتباع الديانة (البهائية) في كوردستان العراق، جاءوا إليها هربا من الميليشيات الشيعية، لأن الأخيرين يعدون البهائيين منحرفين عن عقيدة الشيعة الاثني عشرية. ولتوضيح ذلك يمكن الإشارة إلى اختتام أعمال (منتدى الحوار الديني الثاني) في (محافظة دهوك – كوردستان العراق)، في يوم الجمعة 17/5/2013م، الذي ضم ممثلين عن الديانات الإسلامية والمسيحية والإيزيدية والكاكائية والبهائية، شاركوا بالمنتدى (لتعزيز ثقافة التعددية الدينية وقبول الآخر).
من جانبها، أكدت ممثلة الديانة البهائية: (كرمل عقيل)، أن “هناك العديد من المشتركات بين الأديان، وخاصة في الأعياد، لأنها مناسبات الفرح والسرور بين الجميع”، لافتة إلى أن “العراقيين يشاركون في الأعياد بعضهم البعض، مما يعكس وجود العديد من المشتركات في أعياد الديانات الموجودة بالعراق”. وأشارت (عقيل) إلى أن “أحد المشتركات المهمة بين أعياد الديانة (البهائية) والمسيحية والإيزيدية هي تزامن مواعيدها”، موضحة أن “أتباع الديانة (البهائية) يحتفلون بعيدي رأس السنة البهائية وعيد الرضوان المجيد في الـ21 من آذار والـ21 من نيسان، حيث نجد أن هذه الفترة تتزامن مع احتفال المسيحيين والإيزيديين بأعيادهم”. وتابعت (كرمل): أن “الوضع الأمني أثر في جميع الأديان في العراق”، معربة عن أملها أن “يستقر الأمن، ويتمتع أتباع جميع الديانات لتوطيد المشتركات فيما بينهم”.
وتحاول المؤسسات البهائية ترجمة الكتب البهائية، القادمة من مراكز النشر في (البرازيل)، وغيرها، إلى اللغة الكوردية، على أمل إدخال بعض الكورد إلى عقيدتهم، وتعزيز نفوذهم في كوردستان، بغية الاستفادة من الأجواء السياسية والثقافية السائدة حاليا فيها، بعيد الاحتلال الأمريكي للعراق.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close