نصارى العراق وعمق جذورهم التاريخية والحضارية – 7

* د. رضا العطار

دور مسيحي العراق في الحضارة العباسية:

بعد انتقال الخلافة الاسلامية من دمشق الى بغداد، اثر سقوط الدولة الاموية في الشام وقيام الدولة العباسية في العراق، وسّع العباسيون تطوير الدواوين على حسب النظام الساساني الفارسي ووضعوا في كل ولاية ديوانا للخراج مسؤول عنه موظف كبير ينفق منه على الولاية ويرسل الباقي الى بغداد حيث ان مجموع هذه الدواوين كان يدعى

( بيت المال) اي وزارة المالية. كما ان ديوان الرسائل كانت تمثل وزارة المواصلات وديوان المظالم وزارة العدلية وديوان الخبر وزارة الاعلام … الخ

برز نصارى العراق في الحياة الاجتماعية، فقد اعلى الخلفاء من شأنهم وقربوهم من قصورهم وحمّلوهم المسؤوليات الجسام. فتبنى قسم منهم اعلى المراكز الحساسة في الدولة. وانفردوا في المكانة العظيمة فيها، مع الانفراد الكلي بثقة الخلفاء وخاصة الاطباء منهم، الذين برعوا في مداواة الخلفاء وامرائهم وقوادهم، فدخلوا الى قلوبهم من الباب الواسع بشكل لا يستطاع الاستغناء عنهم ولا حتى في مجالسهم الخاصة وموائدهم وسمرهم وحتى شاركوهم افراحهم واتراحهم اذ كانوا يعدون من المحظيين لديهم. ونتيجة لذلك ظهر منهم الولاة والقواد والوزراء حتى غدوا في بعض الاحيان يأمرون وينهون دون الرجوع الى الخليفة ولكن في بعض العهود، خاصة في عهد المتوكل، اضطهد البعض منهم وطردوا من وظائفهم الحكومية وخاصة الادارية منها ورغم ذلك بقى قسم منهم يحظى باحترام وثقة رجال الدولة

لقد اكثر الخلفاء العباسيين من انشاء المستشفيات واختاروا لها الاماكن التي تمتاز بالهواء الطلق والهدوء والماء النقي وجعلوا فيها اقسام خاصة للرجال واخرى للنساء وخصصوا لكل مرض قاعة يشرف عليها طبيب متخصص. وكانت المستشفيات تسمى بأسماء الخلفاء كمستشفى الرشيد مثلا

ومن ابرز الاسر المسيحية التي اشتهرت بالطب وبقى احفادها يتوارثون معالجة الخلفاء اسرة بختيشوع، فكان ابناؤها اطباء ومترجمين وفلاسفة عالجوا المنصور والرشيد والامين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل كما عالجوا الوزراء والامراء والقواد

قال فيهم ابن ابي اصيبعة في عيون الانباء ( ان جرجيس وولده كانا من اجل اهل زمانهما بما خصهما الله من شرف النفوس ونبل الهمم في تفقد حالة المرضى من الفقراء والمساكين والاخذ بايدي المنكوبين على ما تجاوز الحد من الشرح )

وكان جورجيس رئيس اطباء مدينة جنديسابور في بلاد فارس قد استقدم الى بغداد وبدأ بوظيفة التطبيب في قصور الخلفاء العباسيين الذين اسسوا مدرسة للطب في بغداد وكان منهم بختيشوع بن جرجيس الذي قدم الى بغداد بطلب من الخليفة المهدي من جنديسابور ايضا فظل في خدمته وخدمة الهادي والرشيد الى ان توفي.

واشتهر منهم ايضا بختيشوع بن جبرائيل وقد انعم المتوكل عليه حتى انه كان يضاهيه في ملابسه، فقد كان حسن الحال وافر الثراء. ومنهم ايضا يوحنا بن بختيشوع وبختيشوع يوحنا. واشتهر من اطباء المنصور عيسى بن شهلا وهو تلميذ جورجيس بن جبرائيل. وكان جبرائيل طبيب عيون خاص للمأمون الذي وضعه رئيسا لبيت الحكمة وله كتاب في الحميات، اصبحت المعوّل عليها في دراسة امراض العيون والتي ترجمت فيما بعد الى اللغة اللاتينية ودرست في الجامعات الاوربية ابان القرون الوسطى

وكان سلمويه بن بنان طبيب المعتصم وقد قربه اليه وكان يرد الى الدواوين توقيعات المعتصم في السجلات وغيرها بخطه، وكان كل ما يرد على الامراء والقواد من خروج امر وتوقيع من حضرة الخليفة فبخط سلمويه. ولما مرض سلمويه بعث الخليفة لزيارته ولما مات امر بان تحضر جنازته الى قصر الخلافة وان يصلى عليه بالبخور والشموع جريا على عادة النصارى وامتنع المعتصم يوم وفاته عن الطعام. هذا ما يرويه الخربطلي في كتابه ( الاسلام واهل الذمة )

والف بعض النصارى كتبا طبية بالعربية منهم ابراهيم بن باكوس ويحيى بن عدي وعيسى بن زرعه ويحيى بن جرير وسابور بن سهيل وتيودوروس اسقف الكرخ ويحيى بن سرابيون وخالد بن رومان النصراني و يوسف الساهر ولوقا بن سرابيون ويوسف النصراني وقسطا بن لوقا الذي وكان حاذقا في الطب والفلسفة والتنجيم والهندسة والحساب وله مؤلفات في الطب منها الفرق بين الروح والنفس وكتاب بين الحيوان الناطق و الصامت وكتاب في غلبة الدم. وقد نقل الى العربية مؤلفات اليونان واشتغل في صنع الالات الفلكية ومن مؤلفاته في هذا المجال، المرايا المحرقة و الفلاحة اليونانية.

وقد برع نصارى العراق في العصر العباسي في صنوف مختلفة من الفنون الجميلة اهمها فن الموسيقى والغناء، منها بعض الألات التي اتخذوها من الكتاب المقدس كالعيدان والطبول والدفوف والصنوج والابواق والعود والمزمار.

ومنها آلات استنبطوها هم وتفردوا باستعمالها في عصورهم السالفة اهمها الكنازة المزدوجة والدف المربع والقيثارة المنفردة والمشروق والزرناية والصفارة والهدول والصافون والناقوس. ومن اشهر المؤلفين في فن الموسيقى كان ساويراسابوخت وانطون التكريتي ويعقوب صليبي ويعقوب البرطلي

غير انه لم يقتصر استعمال الموسيقى للاغراض الدينية فحسب، بل استعملوها في الطرب كذلك. كما امتاز بعضهم برخامة الصوت، وأبدعوا في الغناء. واول من استعمل هذه الالآت نصارى الحيرة في اعراسهم ومجالس فرحهم ومآدبهم. وقد ذكر ابو الفرج الاصفهاني اسماء رهط من اهل الحيرة اشتهروا في صدر الاسلام بالاغاني الشجية والضرب على الاوتار اخصّهم فيها النصرانيان برصوما المزمّر، وعون الحيري.

الى الحلقة التالية بعد اسبوع !

* مقتبس من كتاب نصارى العراق لسهيل قاشا.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close