ابنه اليهودي حضر ساعة احتضاره

الكتابة عن الابداع الأدبي لصديقي الكاتب كامل عبد الرحيم تشبه عمل غواص يغوص في بحر غرقت فيه بواخر محملة بالنفائس.

قبل عام أهداني صديقي الكاتب كامل كتبه الثلاثة: روايته البكر ابني اليهودي، وديوانه الشعري اجيد المسيروحيدا، ومجموعة مقالاته جمعها بكتاب اسماه كتابات ضد التيار.

مهمتي اليوم كمهمة الغواص: من اين ابدأ وبأي منها انتهي، وما هو الأهم لأقدمه على المهم؟

رابطتان تجمع بين كتبه: هي الوفاء، والحنين لأصدقائه، او لمن تأثر بهم، او قرأ لهم، وللأماكن التي عاش او أقام فيها، او زارها.

في ديوانه الشعري تشعر بنبض الوعي وفيض الرقة وأماني تخشى الانفجار القادم. قصائده تناغي من يقرأها. اعجبتني قصيدة اوصيكم ببغداد، أهداها الى معمارها الاول محمد مكيه، وبكائية لهاشم ابن شقيقه فوزي، الذي مات غريبا في امريكا بحادث سير، رثاه ب(دموع جلجامش) الذي بكى إرثه، الذي دمره صدام ومن جاءوا من بعده من لصوص..

كتاباته تسبح ضد تيار السلطات، منذ أسس والده يرحمه الله دارا للوعي. بنى كامل عشا معرفيا في كل شجرة منها. امتدت جذورها لتمتص رحيق حضارات دفنت ورود شواخصها.

لم ينس كامل في كتبه احدا من أصدقائه الراحلين والبعض من الأحياء. الشقيقان الاستثنائيان الراحلان يوسف وطه طاهر، وصديقنا الملهم حميد عفج، لهم ذكر بأكثر من مكان بكتبه. كانت تجمعنا جلسات أسبوعية حلقنا فيها، فوق تكايا الصوفيين، وناقشنا إخفاقات الشيوعيين، وجرائم البعثيين، وابتكرنا طرقا للخلاص من مفارز الجيش الشعبي. احترقت نشوة جلستنا، حين داهم اسماعنا رشدي عبد الصاحب وهو يذيع اخر قرارات مجلس قيادة الثورة.

العمق المعرفي والثقافة الواسعة تطفو كسيل بين أحرفه لتأخذ القارئ دهشة انسكلوبيديا كخمرة معتقة يسلب طعمها ومفعولها كل قارئ لا يعرف كامل عن قرب ولَم يصاحبه.

روايته ابني اليهودي فيها احداث وتفاصيل لحال العراق والعراقيين تجدها في كل شخص من شخوص روايته. تفاصيل الرواية اتركها سرا يكشفه الباحثون عن اسرار المعرفة والحب والخيانات.

أوجز محن العراقيين بقول أحد ابطال روايته (جابر) ص10:(ان العذاب في عالم غير عادل هو الحياة الحقيقية).

سباق المسافات الطويلة في الدروب الضيقة في مدينة بغداد للفوز بلقب مؤرخ بغداد، كان بينه وبين الراحلين امين المميز والشيخ جلال الحنفي الذي عشقنا ماضي بغداد من خلاله. المحلات والمهن والأماكن القديمة ببغداد والحوادث التي سمعتها من المرحوم المميز في جلسات جمعتنا قبل رحيله بمكتب طارق نصيف في الصرافية، كدت اجدها عصرية بالرواية. يأخذنا كامل معه برحلته الاستكشافية الى سوق الغزل وجامع الخلفاء ومقهى زناد وكازينو المعقدين وبارات بغداد ومطاعمها. العواصم والدول التي زارها اجاد في وصفها. أقمت وعائلتي بالأردن قرابة العقد، لم أجد ابلغ من وصفه لعمان:( مدينة فقيرة تتدثر برائحة الفلافل).

كتب كامل عن الخيانات لكنه لم يقتصرها على الخيانات الزوجية، بل تعدها الى خيانات اوطان وخيانات قضية.

اذكر واقعة حصلت معي في العام ٩٢كنت ببيروت في منطقة جونية، تعرفت خلال فترة مكوثي على صاحب بقالة مسيحي ينتمي لحزب الكتائب. كان يفخر بمساعدة صدام لهم اثناء الحرب الاهلية. احضر لي كيس رز صغير يحتفظ به كذكرى مكتوب فيه: (هدية من صدام حسين الى مقاتلي الكتائب الشجعان). هذه الواقعة تذكرتها وانا اقرأ في الرواية عن مساعدة من نوع اخر قدمها صدام لحزب الكتائب المتحالف مع اسرائيل وهي لواء من المتطوعين يقاتلون الى جانب الكتائب لمصلحة اسرائيل، لتحقيق الوحدة العربية حسب النظرية الصدامية العفلقية.

ذاكرته ما زالت نديه رأيتها تغسل غبار السنين بماء دجلة، الذي احتضن عشاقه من البغداديين الذين ذكرهم بروايته. لاعب السلة العراقي غني الطويل، ومحمد حسين طويريج، والشاعر عبد الأمير الحصيري، الذي سمعته يوما وهو يرد على شفيق الكمالي باتحاد الأدباء عندما امر الكمالي بطرده قال الحصري :(اهو اتحاد أدباء ام اتحاد شرطه). الأشرار ذكر منهم ضابط الأمن القاسي جدا إبراهيم علاوي.

عن الخليط الغريب الذي ركب عربات السلطة بعد صدام كتب في الصفحة 118:( بعثيون تركوا كالجرذان المركب قبل غرقه، شيوعيون سابقون حلقوا لحية ماركس، ولبسوا نظارات شمسية أمريكية، مهرجان بكل ألوان الظلام).

صديقي كامل أصيب بسرطان الكلية وأجرى عمليات جراحية عدة انتهت برفع كليته.

في صالة العمليات كانت كتبه معه ليهديها الى الطبيب الجراح، وكان ابنه اليهودي حاضرا ساعة احتضاره، لكن كان للعمر بقية.

ارادته الصلبة التي تجاوز بواسطتها محن كثيرة اصابته وخرج منها أقوى مما كان، هي الكفيلة بدفعه الى الصعود الى منصة التتويج ليعلن فوزه بالضربة القاضية على الوحش القاتل.

انا على يقين من ان صديقي (ابو حيدر) سيتجاوز محنته الصحية، وسيكون السرطان الذي اصابه مادة ثرية لروايته القادمة التي اقترح ان يكون اسمها: سرطانات الوهم تموت بقوة الإرادة.

دمت وفيا مبدعا سالما معافى صديقي العزيز

صديقك المزمن

حسن الخفاجي

Hassan.a.alkhafaji@jmail.com

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close