الانسان وفضائل الاخلاق !

* د. رضا العطار

لو اننا نظرنا الان الى هذه الاشكال من الاخلاق لوجدنا انها صدرت عن رغبة جادة في ابراز دور التجديد والمبادأة والابداع على حساب دور التقليد والمسايرة والاتباع. وربما كان من بعض افضال المذهب التطوري على فلسفة الاخلاق انها قد اظهرت لنا ان الحياة الخلقية ليست مجرد خضوع يلبي لبعض الاوامر والنواهي بل هي في جانب منها نشاط ارادي ايجابي حر يضطلع فيه الانسان بتنظيم دوافعه وتنسيق حوافزه وحل متناقضات حياته الباطنية وابتكار اساليب سلوكية جديدة، لفض النزاع الذي قد يقوم في نفسه بين الواجبات الخلقية المتعارضة.

وقد اسهم كثير من فلاسفة الاخلاق في وصف دور (الحدس الخلقي) في حل مشكلات الضمير وفض شتى ضروب النزاع التي تنشب بين الواجبات المختلفة، كما فعل الفيلسوف المعروف برجسون حينما حدثنا عن الاخلاق المتفتحة التي لا تلتزم بشكلية القواعد الاخلاقية بل تتصرف في كل الحالات بالرجوع الى قواعد اخلاقية مبتكرة جديدة لمواجهة ازمات الضمير المختلفة.

كثيرا ما يجد الفرد نفسه بازاء صراع حاد بين واجبين او اكثر، فلا يلبث ان يتحقق من ان عليه عندئذ ان يراعي واجبا آخر اسمى من جميع الواجبات المتعارضة، الا وهو واجب ابتكار الوسيلة المثلى للتأليف بين القيم المتعارضة – – – ولعل من هذا القبيل ما يفعله القاضي النزيه حينما يجد نفسه بازاء حالة خاصة تستحق الشفقة ولكنه في الوقت ذاته يجد نفسه مضطرا الى تنفيذ حكم القانون، فمثل هذا القاضي قد يؤلف بين القوانين ويستخدمها لصالح العدالة دون ان يلتزم بحرفية القانون من جهة ودون ان يخرج على روح القانون من جهة ثانية واثقا من ان هناك طرقا اخرى لتعديل القوانين غير طريقة الالتجاء الى مخالفتها.

وفي هذا المثال يتخذ الفعل الخلقي صبغة الابتكار فيكون تصرف القاضي بمثابة حل مبتكر لا يخرق فيه القانون ولكنه ايضا يراعي حالى المتهم وظروفه الخاصة وضرورة التزام الشفقة في الحكم – – – وما كان القضاء فنا الا لانه كثيرا ما يتطلب من صاحبه التأليف بين الواجبات المتعارضة بمهارة وحذق وبصيرة. والحق ان هناك افعالا خلقية تنطوي على شئ من الابداع الفني الذي ينطوي عليه اللوحة الرائعة او القصيدة العصماء ! وهذا ما حدا ببعض فلاسفة الاخلاق الى القول بان في الفعل الاخلاقي العظيم تعبيرا فريدا اصيلا عن (الخيرية) في اشكال جديدة وصور مبتكرة من السلوك.

ولكن الابتكار الخلقي لا يتوقف على مهارة الفاعل وبراعته وقدرته على التأليف فحسب بل هو يتوقف ايضا على اخلاصه وامانته ودقة شعوره، ولعل من اهم ما يساعد الفاعل الاخلاقي على ابتكار الحل المناسب في المواقف الاخلاقية المحرجة استعماله لقوة الحدس التي تستند الى العقل المبدع فيهتدي الى (القيمة) الملائمة لكل من حالات الضمير.

* مقتبس من كتاب المشكلة الخلقية، لمؤلفه استاذ الفلسفة، زكريا ابراهيم، جامعة القاهرة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close