الدولة لا تدار بعقلية البقال

محمد الكاظم
شعرت بالإحباط امام شكوى الناشرين العراقيين وأصحاب المكتبات من فرض الحكومة ضرائب كبيرة على مستورداتهم من الكتب، وأعتقد ان من اتخذ مثل هذه الإجراءات لا يقدر خطورة ما يفعله. ولا يعرف شيئا عن بناء الدول، بل انه يرتكب خطوة خطرة بحق الدولة ومواطنيها، فهذه القرارات الجشعة تمثل استثماراً مريباً في قوة الجهل المميتة بدل الاستثمار في قوة المعرفة.
بناء الدول مشروع مستحيل التحقق دون بناء عقول أبنائها، والكتاب واحد من وسائل بناء العقل الذي يقود الى بناء الدولة.
خصوصا في العراق، فمشكلتنا الحقيقية هي مع العقل المفخخ، وليس مع السيارة المفخخة فقط، ونزع الديناميت من العقول والضمائر يحتاج الى كتب وكتابات جادة وتمرين على الحوار.
تخيلوا معي حجم الأموال التي ذهبت جراء الاعمال الإرهابية. وتخيلوا معي حجم الأموال التي ذهبت جراء التخلف والجهل، تخيلوا معي حجم الأموال التي ذهبت جراء الفساد.
ثم تأملوا المعادلة التي اطرحها، لو ان شخصا لديه استعداد للفساد قرأ بالصدفة كتابا وأثر ذلك الكتاب فيه وعزز منظومته الأخلاقية ومنعه من السقوط في وحل الفساد، الا نكون قد حققنا مكسباً من وراء هذا الشخص الوحيد الذي قرأ كتاباً بالصدفة أكثر من الدنانير التي يمكن ان تجنيها الدولة من الضرائب والرسوم المفروضة على الكتب.
لو ان شاباً يائساً واحدا قرأ كتاباً يدله على طريقة جديدة للنظر الى الحياة وينقذه من اليأس والضياع الذي يمكن ان يصنع منه إرهابيا محتملا او مجرماً، ألا نكون قد حققنا مكسباً إنسانياً، ووفرنا أرواح الناس واموال الدولة أكثر مما لو تركنا اليأس يتسرب الى النفوس فينتج إرهابيين يقتلون الناس، ويدمرون الممتلكات العامة والخاصة، ثم تكون الدولة مرغمة على إعادة البناء وتعويض الضحايا.
لو ان مديراً او موظفاً قرأ كتاباً في الإدارة بالصدفة ثم اهتدى الى فكرة تساعده في تطوير عمله الا نكون قد حققنا إنجازا على الصعيد الإداري وساهمنا في رفع مستوى الخدمة المقدمة للمواطن.
حتى بالحسابات المادية يكون الكتاب مكسباُ، ويكون سلاحاً بيد الدول العاقلة، تحارب به الإرهاب والتخلف والفساد، لذلك ليس غريباً ان تخصص دولة مثل كندا حوالي 50 مليون دولار سنويا لدعم الناشرين الصغار. وليس غريباً على بعض الدول العاقلة ان تقيم مشاريع كبيرة لدعم الكتاب والحرص على ايصاله الى كل مكان.
علينا ان نستفيد من تجارب الأمم في هذا المجال، فاقتناء الدول للكتب أهم من اقتناء السلاح، لان الثقافة خطوة استباقية تمنع سقوط الأمم في دوامة العنف والتخلف، ومصدر قوة للفرد والمجتمع، وهذا ما فكرت به دول اقل إمكانيات من العراق ونجحت في جني ثمار قدرة الكتاب على التأثير في المجتمع والدولة.
انا ضد أي رسوم او ضرائب تفرض على الكتاب، ومع دعم الدولة للكتاب لكي تكون أسعاره في متناول الجميع، بل انا أدعو لألغاء جميع الرسوم على المطبوعات، وادعو لأستثمار الحكومة في العقل العراقي عبر طباعة وتوزيع الكتب المجانية، وانشاء المكتبات العامة بطريقة معاصرة، وتشجيع حملات القراءة، ودعم الناشرين والمؤلفين، ودعم الصحف والمشاريع الثقافية والاعلامية التي تساهم في ترميم خراب العقل العراقي. كما أدعو لمساعدة المسؤول الحكومي الذي قرر فرض رسوم على الكتب في افتتاح دكان له، فوظيفة البقال تناسبه أكثر، لأن منطق البقالين لا ينفع في إدارة الدولة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close