مارثونات تشكيل الحكومة الاتحادية

الدكتور عبدالقادر العبادي
جامعة وين استيت الأمريكية

إن الفصول التراجيدية والكوميدية التي تمارس طقوسها سياسة صراع الإرادات بغلاف الديمقراطية المستوردة والدستورية المؤجلة ومدنية المؤسساتية والمحاصصاتية التوافقية والتعددية التكنوقراطية وبوّابات الفساد المركّب أفقياً وعمودياً وفقه توزيع الثروات التوازني والتحلي بعقلية المراجعة لمنظومات الدولة والترشيق الحكومي هي مرايا تحتفظ ذاكرتها بمراهنات التحوّل القهري الافتراضي في سلطة العرش على وفق قانون الاستحالة وعنقاء الفوضى وطوابير الاصطفاف البراغماتي.
أحدثت نظرية الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون في مدينته الفاضلة صراعاً دراماتيكياً على كافة المستويات الفكرية حيث يرى هذا الفيلسوف أن من يحكم هذه المدينة الفاضلة هم الفلاسفة وعمالقة الفكر لكي يجعلوا كل شيء فيها معيارياً في المستويات المدنية المؤسساتية .
تبعه أفلاطون في ذلك الفيلسوف الإسلامي الفارابي الذي انتقل بالنظرية من مدينة أفلاطون الفاضلة الضيقة وتطبيقاتها على مجتمع واحد إلى مدينة عالمية يتحالف فيها الجميع في مجتمع واحد .
كِلا الفيلسوفين في مدينته الفاضلة أراد أن يعالج شكل الحكومة المثالية والنموذج الأعلى لنظام الحكم. ويبدو أن كليهما قد تقاطع في طروحاته البنائية مع مقتضيات زمانه السياسية وعدم إمكانية تحقيقها لغياب (الواقعية) في مفاصلها التكوينية لأنه ولكي يتم له الوصول إلى مدينته الفاضله علية أن يرضي القائمين على الواقع العملي ممن يُسمون بـ ( أصحاب الحل والعقد) وهذا التوجّه لا يرض ضمير الفيلسوف الذي لا يؤمن إلا بواقعية العلم وجوهره ولا يعطي الثقة كاملة غير منقوصة إلا للعقل.
توفي الفيلسوفان اليوناني أفلاطون عام347 ق.م. والإسلامي الفارابي عام 950م دون أن يحققا على أرض الواقع ما تبنياه من التأسيس لمدينتيهما الفاضلتين اللتين تمثلان النموذج الأعلى لشكل الحكومة ونظام الحكم وذلك لغياب الواقعية العملية لتحقيق أفكارهما الفلسفية.
وجاء السيد عادل عبدالمهدي بعد مخاض صعب تصارعت وتجاذبت فيه القوى السياسية القائمة في العراق المعاصر (توافقياً) ليعتلي منصة العرش العراقي (موطن الرسل والأنبياء) حاملاً في الذهن أفكار الفيلسوفين اليوناني والعربي في التأسيس لـ (دولة العراق الفاضلة) التي يحكمها التكنوقراطيون الذين يتميزون بالشفافية والمهنية العالية لكي يجعل كل شيء في (بلاد ما بين النهرين) معيارياً وفاضلاً وعادلاً في المستويات الحضارية وشكل الأداء الحكومي وإنسانية المواطن معنوياً وروحياً . هذا الإنسان في تصورات دولة السيد عادل عبدالمهدي وفي مدينة أفلاطون والفارابي خلية فاعلة في النظام المركزي للوحدة الكبرى الحية المتمثلة بـ( الدولة).
ولكي يؤسس لحكومته ابتدع السيد عادل عبدالمهدي فكرة النافذة الألكترونية لكي يحصر فيها الكفاءات التكنوقراطية ومن ثَمَّ يُصار إلى لجان متخصصة بغية الغربلة والفحص والتمحيص والتتبع مساءلةً وعدالةً وشهادةً وعلماً وتجربة نقية متثبة مهيبة الجانب على افتراض نقاء الجوهر في هذه اللجان وعدم تبعيتها لأحد من أصحاب (الأمالي) حيث وقع نظرها على 601 من مجموع المتقدمين.
واستبشر أهل العراق لهذا التوجه العملاق للسيد رئيس مجلس الوزراء وفي النفس هل سيتحقق في (دولتهم الأفلاطونية الفارابية الفاضلة القادمة) كيانها على أرض الواقع المعاصر؟ ولِمَ لا وأهل بلاد الرافدين هم صُنّاع الكتابة وواضعو أول قوانين البشرية وبُناة أقدم حضارة في العالم امتدت لأكثر من سبعة آلاف سنة.
ومضى الزمن بالكابينة الألكترونية ومعاييرها مكتوماً في غياهب السر إلا من مراسلات عائمة للمتقدمين لا تنبيء عن واقعٍ ملموس وفي الخفاء يجري صراع الإرادات حامياً مع كل أدواته وخلافاً لمقاييس (صناعة المدينة الفاضلة) لأنها تتقاطع مع ما قد ألفوه طيلة أعوام ما بعد 2003م.
ويبدأ العد التنازلي لتقديم الكابينة الوزارية للبرلمان ليقف السيد عادل عبدالمهدي تسبقه أنظار العراقيين للوقوف على طبيعة الحدث وواقعيته أمام البرلمان ليتلو بيانات برنامجه الحكومي الذي يماثل طروحات أفلاطون والفارابي في شكل الحكومة ونظام الحكم.
كنت من المتابعين المدققين لكل فقرات البرنامج الحكومي على سعتها وامتدادها وشموليتها والحاجة إليها في بناء ( الدولة العراقية المؤسساتية الفاضلة) وفي الذهن هل يستطيع رئيس الوزراء تحقيق هذا البرنامج المترامي الأطراف الذي يتمدد على مساحة لونية شديدة الوعورة وسماء ملبدة بغيوم معتمة ويحتاج لسنوات من الجد والقهر والمتابعة والنقاء وهو الذي ـ كما تذكره الصحف المُنشّرة ـ جاء توافقياً لا قاعدة حزبية أو كتلوية تحتوية فكيف له أن يمضي بمشروع كابينته الاتحادية وهو يجذف عكس تيار الفئات المهيمنة على العملية السياسية؟
قالوا إن هذه الأحزاب والفئات السياسية قد منحته تفويضاً كاملاً باختيار كابينته الوزارية ولذلك سينجح في طرح كابينة (تكنوقراطية) ليست من البرلمانين ولا من الذين استوزروا والمجرب في بياناته لا يجرب هذا ما يطفو على السطح وما خفي كان أعظم!
قدم السيد عادل عبدالمهدي 14 وزيراً في جلسة يوم الأربعاء أي قبل يومين من انتهاء المهلة الدستورية (كنت قد أشرت أليها في مقالي السابق (الحكومة الجزئية) ووسط برلماني ترتفع فيه أصابع وتنخفض أخرى وتشيع في بنائيته ضبابية الرؤية تحصل الثقة البرلمانية على وزراء الجولة الأولى ولكن ما أن ولدت هذه الكابينة إلا لتتحجّر بعد ساعات لأن المعيار الذي اتبعه السيد عبدالمهدي كان ينقصه التثبت وصدق المعلومة وشفافية بيانات الذين تم التصويت عليهم وأن اللاعبين كباراً متمرسون والدولة عميقة في المنظور التقييمي.
وهنا سقطت الورقة الأولى في مارثون السيد عبدالمهدي وتبين لغالبية الشعب المترقب أن الكابينة لم ولن تلاقي ترحيباً لأنها قد تجاوزت المصداقية في المعايير والمباديء التي نعتها بعض المريدين بأنها اختيارات مناطقية وعائلية ـ أقاربية وزعامات سياسية تشكلت تحت ستراتيجية المحاصصاتية وغيرها ممن خلت من الشفافية والوطنية والمهنية والأهلية وسواها وأنها لم تكن تلك التي يريدها العراقيون أصحاب (النهج الوطني).
وهنا تقفز إلى الذهن مدينة أفلاطون والفارابي اللذان توفيا ولم يستطيعا تحقيقها على أرض الواقع لأنها اصطدمت بصخرة (أصحاب الحل والعقد) ولذا بقيت مدينتهم الفاضلة مسطورة في كراريسهم الورقية لمطالعة الأجيال القادمة.
ويبدأ المارثون الثاني حاسماً قوياً من الزعامات السياسية التي ترى أن حقوقها الانتخابية التي حصدت فيها مقاعد برلمانية تفرض على رئيس الوزراء أن يمنحها حقوقاً في حكومته حسب المستحقات البرلمانية وأنه ـ كما أُشيع ـ عليها أن تقدم خمسة مرشحين بسيرهم الذاتية العالية القيمة من المهنييين التكنوقراطيين من غير الذين تبوؤوا مناصب سابقة ومن الكفاءات التي تمتلك موجبات القوة في النهوض العادل والأداء الحكومي المتقدم على أن يتم تقييم ذلك كل ثلاثة أو أربعة أشهر لتشخيص السلبيات والإيجابيات حتى لا يتقادم الزمن على الأخطاء والترسبات الماضية . كثرت الحكايات وتعددت المسالك وبدأت خيوط العتمة تدب في خيوط النسيج.
كان على السيد عادل عبدالمهدي أن يتجنب الحلول الترقيعية خصوصاً وأنه أمام مهمة عملاقة صعبة وحاسمة وحكومة إتحادية تقع على عاتقها مهمات جبارة ومواقف داخلية وخارجية قلَّ نظيرها في بلدان العالم وعليه أن يحسن الاختيار منذ أن علم بأنه المرشح التوافقي للحكومة العراقية القادمة.
الآن أمامه كابينته الأولى ذات الـ 14 وزيراً التي ستتطاير بعض مكوناتها أمام ريح المساءلة والعدالة والنزاهة والجنائية إلى جانب الشهادات وسلوكيات أخرى قد تدخل في دهاليز حرجة ضيقة تتقاطع مع الوطنية والمهنية والشفافية وعليه أن يقدم بدائل تعيد ثقة الأمة به وأن يقدم مرشحين يمتلكون العلمية والفنية والمهنية والشفافية والتجربة وهم يدركون تماماً ماذا يريد العراق والعراقيين وما الذي ينقصه اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وعلمياً وأكاديمياً وسياسياً وخدماتياً وعليه في كل الأحوال مكاشفة العراقيين أفراداً وجماعات بكل السيناريوهات لتقف الأمة على حقيقة ما يجري في العراق العظيم.
الأمة العراقية تعلم بكل طبقاتها الاجتماعية والثقافية والأكاديمية أن الواقع الحالي يخضع بصلابة إلى ما يمكن أن نسميه بـ ( حكومة الأمالي) ذات الأذرع الصلبة في المنظور المعياري التي يروج لها المريدون ويمارسون عليه شتى أنواع الضغوطات في توزيع المناصب وتولي المهام الحكومية أي أن كل فئة سياسية وحزبية وكتلوية ترغب بل تصر وتتدافع في أن تكون لها (بصمة) في الحكومة القادمة ابتداءً من أعلى قمة الهرم حتى قاعدته.
أما المارثون التالي في حال تمرير (الكابينة المنقوصة) وما يلحقه في ذات الآن هو مرشحو وزارتي الداخلية والدفاع وبعد أداء اليمين للكابينة مكتملة 22 وزيراً فنسجل محطات المؤشرات الآتية:
أنه رئيس وزراء توافقي سفينته تبحر بين أشرعة التخيير والتسيير وقوة الحسم ومرايا الحكومة العميقة كما ينعت الموقف المبحرون .
إن البرلمان العراقي لم ينل أعضائه حصتهم من الوزارات والمناصب العليا كما قضت بذلك رغبة السيد عادل عبدالمهدي وهو ما يطفو على السطح.
تقاطع المصالح مع ما هية وطبيعة الأداء الحكومي وثنائية نجاح وفشل الحكومة الاتحادية.
برنامج رئيس مجلس الوزراء الحكومي ـ كما أسلفنا ـ يتمدد على مساحة واسعة ولذا يحتاج إلى قوة دافعة للأمام تمكنه من تحقيق فقراته بشكل واضح المعالم وشفاف دون التقاطع مع التيارات السياسية والحزبية.
المرحلة القادمة تحتاج إلى (قوة السيف وصلابة الساعد) لأن العراق بلغت به (الروح الحلقوم) وهو بحاجة إلى حكومة تعتلي سارية المناصب الحكومية نزيهة عادلة فاضلة شفافة وليست بحاجة إلى ( سبقَ السيفُ العَذَل)!
تحتل (قضية المال العام) مركز الصدارة ولا بد أن يُصار إلى متابعة دقيقة ومهنية ومحاسبة لكل من استهان به واحتواه وأنفقه في غير حق من أعلى السارية حتى قاعها مهما كان ويكون وهو ما تنظره الأمة والشعب.
أولوية ملف البنية التحتية والخدمات هو ما تعطيه دول العالم المتمدن الأولية في المعالجة.
وزارة الخارجية في منظوري الشخصي مع وزيرها الفاضل الدكتور محمد علي الحكيم في كابينة السيد عادل عبدالمهدي الجديدة تبشر بكل الخير في أوسع أبوابه لما أعرفه عن الدكتور الحكيم من خبرة وكفاءة تكنوقراطية متقدمة وحكمة وشفافية ومهنية عملاقة على الصعيدين الداخلي والخارجي وإنني أعرف ذلك من خلال عملي العلمي والأكاديمي في الجامعات العربية والبريطانية والأمريكية لسنوات عديدة ومن خلال المؤتمرات والندوات واللقاءات الخارجية فقد شغل الدكتور الحكيم مناصب عالمية عالية جديرة بالتقدير كمنصب الممثل الدائم وسفير العراق لدى (الأمم المتحدة) في جنيف سويسرا ووكيل الأمين العام لـ (الأمم المتحدة) والأمين التنفيذي للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا ESCWA . إن مثل هذه الكفاءة ذات الخبرة والصبر والحنكة ستجعل العراق متقدماً على الصعيدين المحلي والعالمي.
أن هذه الوزارة لأهميتها وفي غالبية مفاصلها بحاجة بين الآونة والأخرى إلى مراجعة مكثفة لأداء موظفيها سواء في داخل الوزارة أو خارج العراق في الهيئات والبعثات الدبلوماسية لأنهم يمثلون الواجهة المضيئة للعراق وعلى هذا يجب التأكد من مهنيتهم وكفاءاتهم وشهاداتهم ووثائقهم وقدراتهم العلمية واللغوية والدبلوماسية وصدقهم وعدلهم بواسطة لجان متخصصة صادقة مهنية في عملها غير منتمية لجهة أو كتلة معينة لكي يستحقوا أن يكونوا في مركز الصدارة الخارجية وهم يمثلون العراق عالمياً تفادياً لما أشيع منذ سنوات من حالات عدم الرصانة والوثوق بشهادات البعض وسلوكياتهم وأدائهم الوظيفي المنقوص.
لازالت الأجواء داخل العراق وخارجه تتابع بحذر شديد الأجواء السياسية والاحتمالات الممكنة التي تتوفر عليها الكابينة الماراثونية القادمة وإمكانات وزرائها وفقاً للمعايير والمقاييس التي مُنحموا على أساسها ثقة البرلمان على حل المشاكل والأداء الحكومي الشفاف غير الخاضع لضغوطات من أجل ( أمالي) مخصوصة من قبل الكتل السياسية ومفردات البنية العميقة وأنها على وعي وثبات ورصانة تامة لحجم التحديات والمراهنات بالانهيار السياسي وأنها حكومة أحزاب وكتل ضيقة.
للبصرة دور فاعل عبر منظورات التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي فهي على مر العصور ولا زالت مركز إشعاع فكري وعلمي احتضنت الكثير من العلماء والفلاسفة والمناطقة والمدارس الفكرية وهي إلى جانب كل ذلك لها إسهامها المتقدم في الاقتصاد الوطني العراقي . على هذا الأساس فإن البصرة رئة عراقية يتنفس من خلالها الاقتصاد الوطني وشريان يضخ للقلب ديمومة حياة ورفاهية شعب عملاق ولابد أن تلتفت إليها الحكومة الاتحادية الجديدة بكل جدارة واقتدار لمعالجة أساسيات متطلبات عيشها اليومي وهي المقبلة على أن تكون العاصمة الاقتصادية العراقية أمام منظورات العالم المتقدم.
يأمل العراقيون بكافة شرائحهم داخل العراق وخارجه أن يكون السباق المارثوني نحو تشكيل الحكومة الاتحادية يملك موجبات القوة والاقتدار والشفافية والمهنية وأن يكون بمستوى طموحات الشعب العراقي وما يأمله ويتوقعه من السيد رئيس مجلس الوزراء وصناع القرار أن لا تكون ترقيعية قبل أدائها اليمين القانونية ويجب أن تكون صامدة بوجه كل التحديات وعلى قدر المسؤولية لموطن الرسل والأنبياء صعوداً إلى المرحلة الأعلى وليس نزولاً إلى حالة ترقيعة أخرى.
الخطوة التي تليها إشغال الدرجات الخاصة من وكلاء وزارات ومدراء عامين ومفتشين وسواها يجب أن يكون من مخرجات التكنوقراط الألكتروني أو الكفاءات الشفافة المهنية التي ترشَّح على أن يكونوا من أهل العفة والصدق والعدل والشهادات العالية عبر لجان مهنية غير خاضعة لجهة أو كيان أو كتلة سياسية معينة ومقابلات وبرامج عمل دقيقة جداً لما لهذه المناصب من أهمية بالغة مفصلية في الدولة العراقية لأن العراقيين قد سئموا انتظار القادم المجهول والأمنيات المؤجلة وذر رماد الصحارى في عيون دولة العراق المعاصر الفدرالي الديمقراطي.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close