اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ ! ح 9

(*) د. رضا العطار

كانت تدمر في اطراف البادية تفصل الشام عن العراق، وكانت صنائع اليونان وفنونهم قد دخلت تدمر ومع ذلك بقيت لغتها وادابها ارامية. ولم تنحصر فعالية السريان في الحضارة النبطية والتدمرية فحسب وانما برزت اثارهم بشكل ملموس في حضارة العرب الغساسنة والمناذرة ايضا.

والواقع ان الغساسنة قد نقلوا كاسلافهم الانباط بعض عناصر اساسية في الحضارة السورية الى اقربائهم الاصليين في الجزيرة العربية وخاصة في الحجاز، مهد الاسلام في المستقبل. وقد اعطى الانباط تلك الحروف التي جعلت كتابة القرآن ممكنة. وقبل ان يزول الغساسنة نقلوا بعض الافكار المسيحية التي كان لها تاثيرها في بعض افكار اخرى في الاسلام. وهكذا زُودت الحضارة السريانية السورية الاسلام ببعض العناصر المبدعة كما فعلت بالنسبة لليهودية والمسيحية من قبل. وبالاضافة الى ذلك فان هذه الدول السورية الواقعة على الحدود ذات الاصل العربي واخرها دولة الغساسنة قد مهدت الطريق لفتح العرب لسوريا في المستقبل تحت راية الاسلام وكانت هذه الدول بمثابة مقدمة للاحداث الضخمة التي حصلت فيما بعد.

اما امارة الحيرة فيبدو ان العنصر العربي فيها كان يمثل الارستقراطية الحاكمة اما اغلبية السكان فقد كانوا من الاراميين المسيحيين، وعندما جاء الفتح العربي الاسلامي كانت الحيرة كلها على وجه التقريب مسيحية.

في هذا الوقت بالذات لم تكن ثمة ترجمة عربية للكتاب المقدس قد وضعت، لان اللغة العربية لم تكن قد اصبحت بعد لغة كتابة وادب. وقد ترتب على هذا ان عرب الحيرة كانوا يستعملون لغتين ولذا تسربت اليهم الفلسفة واللاهوت اليوناني عبر اللغة السريانية.

ولما اراد القرآن استعمال كلمات جديدة للتعبير عن الافكار الدينية التي لم تكن معروفة في اللغة العربية. استعار كلمات من اللغة الآرامية. ويعتقد ان مثل هذه الكلمات قد دخلت القاموس العربي من سكان مدينة الحيرة.

وقد قامت في الحيرة اديرة كثيرة من ذلك دير هند الكبرى الذي يعرف بدير مار مريم ودير قره ودير ابن مزعوق ودير بني مرينا ير اللجج. وكان لهذه الاديرة تاثيرات على الحياة العربية، تركت عليها طابعها.

ويصور لنا الجاحظ هذا التأثير في قوله: ( جاء الاسلام وملوك العرب اما غساني او فارسي وهما نصرانيان ، وقد كانت العرب تدين لهما وتؤدي الاتاوة اليهما )

هذا فضلا عن الارساليات المسيحية التي كانت تتغلغل في ارجاء الجزيرة العربية.

منها مدينة نجران التي اسس فيها احد النساطرة واسمه فيميون كنيسة ، ولعله كان احد المبشرين، الذي سلك الطريق التجاري الى الجنوب.

ولقد كان من الطبيعي ان تتلون الحياة الفكرية في هذه البيئات التي غلب عليها النفوذ المسيحي بلون خاص لذا ليس غريبا ان نجد اثارا للتعاليم المسيحية في الفكر العربي فيما يتلائم مع ما كانت عليه العقلية العربية انذاك. يقول عبد ربه:

( ان العرب ما كان لها قط نتيجة في الصناعة ولا في فلسفة الا ما كان من شعر )

فاذا كان هذا مبلغ ثقافات العرب قبل الاسلام، فان التأثير المسيحي فيهم يتضح في شعر الشعراء ومواعظ الرهبان في الدور الذي مهد السبيل امام الدعوة الاسلامية.

ياح تقف بين ايديهم مستعدة لأداء ما يطلبون، تتسم احداها بالطمأنينة وترفع الاخرى بالشراب فيجري رقراقا يحمل بعضها بالزيت وبعضها الاخر يحمل بالطيوب .. كل من امتنع عن الخمور في الدنيا تذوق الخمور في الفردوس وتمتد اليه كل نبتة من الكرمة بعنقود من العنب وكل من عاش عفيفا تستقبله الحوريات بصدورهن النقية )

ثم ان التفرقة بين الفروض والنوافل واضحة في الديانتين وتقوم بينهما مشابهات كثيرة في ممارسة الشعائر ومزاولة طقوس العبادة فقد قررت الكنيسة ثلاث صلوات في النهار واثنتين في الليل، قبل ان تنظم الصلاة في الاسلام بوقت طويل. والصلواة الليلية التي ورد وصفها في القرآن في سورة المزّمل في الاية من (1-8 ) وفي الاية 20 تعيد الى الذاكرة رياضة الرهبان الروحية، فقد كان النساك يتخذون في اثناء الصلاة اوضاعا جسدية تشمل على السجود ولمس الارض بالجبين.

وفي الشعر الجاهلي وصف لناسك تحجر جبينه من اثر السجود فغدا ما يشبه ركبة العنزة

ولقد كان من الطبيعي ان ينقل بعض المسيحيين لدى اعتناقهم الاسلام شيئا من افكارهم وشعائرهم. وان تقتبس بعض الفروق والبدع شيئا من ذلك وتحتفظ به.

هناك الكثير من الاسماء الارامية في المفردات القرآنية. فمن الملاحظ ان تاثير المسيحي الديني في العرب ما قبل الاسلام وثم في الاسلام الناشئ تجلّى في الالفاظ القرآنية التي اعتبرها اللغويون دخيلة، منها:

كلمة: ابليس – جهنم – حواريون – رجس – صوم – فردوس – طور – فرقان – قسط – سراط – سجود – صلاح – زكاة.

كما ان العرب نقلوا عن المسيحيين افعالا، منها:

آمن – باركَ – بشّر – تابَ – سبّح – سجدَ – صلّى – قدّس – كفرَ – نذرَ – وتنبّأ

ومن الاسماء: باري – ثواب – ديّان – قدّوس – قدّيس – جبروت – ملكوت – طاغوت

لقد كان للمسيحيين الفضل الاكبر في بعث النهضة العربية الفكرية الاولى منذ العصر الاموي ومرورا بالعصر العباسي، فقد شكلت هذه النهضة العصر الذهبي للعالم الاسلامي في ذلك الوقت وجعلت العرب المسلمين يتنقلون من الوجود في التاريخ الى التاريخ، وخاصة حركة النقل والترجمة، تلك النهضة التي غدت معجزة العصر الاسلامي العربي القديم.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close