لماذا أحب محمدا ﷺ ؟! (2)

احمد الحاج

قال تعالى ” وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ”.

شاءت اﻷقدار أن أكون مهتما وشغوفا منذ نعومة أظافري بالمخلوقات من حولنا وكانت وماتزال البرامج الوثائقية عن عالم الحيوان فضلا عن الموسوعات المختصة بها تستهويني بشكل كبير ، ومادة الحيوان في السادس العلمي كانت من أجمل المواد عندي حتى أنني حصلت على معدل عال فيها ولوﻻ أن خطي – يلعب النفس – لكنت حصلت على درجة أعلى ، إهتمامي لم يأخذ جانبا واحدا بل تعداه الى البحث في أسباب عبادة الحيوانات وتقديسها في الحضارات الفرعونية والبابلية واﻷفريقية والهندية والصينية وشعوب اﻷنكا واﻷزتك والموش والهنود الحمر ﻵكتشف بمرور الوقت أن هناك من قدس الحيوانات لإعتقاده بأن أرواح اﻷجداد تسكنها خلال دورتها بما يعرف بتناسخ اﻷرواح على وفق مبدأ – الكارما أو الجزاء – كما يعتقد الهندوس ، فإن كانت هذه اﻵرواح ﻷناس صالحين فستسكن بعد موتها في الحيوانات الوديعة وستبعث ﻻحقا بجسد بشري يرتقي في نظام الطبقات الى أعلى ، وإن كانت ﻷناس طالحين فستسكن الحيوانات الشريرة وسيبعث أحدها بجسد بشري ينزل الى أسفل وفق نظام الطبقات ( الهندوس يقسمون البشر الى أربع طبقات : البراهمة ،الكاشتر ،الويش، الشودر والصنف اﻷخير لايحق له حتى دخول المعابد والزواج من الطبقات اﻷخرى وﻻ التوظيف الا بشروط معقدة جدا ) وﻻسبيل للخلاص من هذه الدوامة اﻷبدية إﻻ – بالنيرفانا – أو الفناء بذات الاله على حد وصفهم عبر تعذيب الجسد عند الهندوس ، ومقاومة الشهوات عند البوذية ، ومنهم من إعتقد جازما بأن المخلوقات هي رسائل الالهة الى البشر إما لمساعدتهم أو للاقتصاص منهم وبالتالي فقد رمزوا لكل آلهة منها بحيوان يناظره على وفق معتقدهم كما في الحضارة الفرعونية يقدمون لها النذور والقرابين ، ومنهم من إعتقد أن الالهة تحل بأجساد حيوانية حلولا جزئيا أو كليا فقدسوها ، وبعضهم إعتقد أنهم ينحدرون من هذا الحيوان أو ذاك فقدسوه وإتخذوه ربا لهم ولكل مقدس من هذه المخلوقات طقوس ، رموز ، نصب ،كهنة ، معابد ، وميثولوجيا الشعوب ونقوشهم تكاد تغص بتقديس الحيوانات ، حتى بعث الحبيب الطبيب صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فغير المعادلة وقلبها رأسا على عقب ليخرج البشر من عبادة اﻷصنام والمخلوقات ونقلها الى عبادة الخالق وحده سبحانه ، في ذات الوقت الذي نظم فيه العلاقة بين البشر والحيوانات عبر منظومة أخلاقية وإنسانية سامية قبل 1440 عاما حارت فيها العقول سبقت منظمات – حقوق الحيوان – بقرون طويلة ، علاقة منفعة متبادلة ، ﻻ علاقة عبادة وتقديس ، وﻻ علاقة إهانة وتدنيس ، وساق القرآن الكريم لنا أمثالا كلها تدور حول الحيوانات التي سميت سور كاملة بأسمائها ” الفيل ، البقرة ، العنكبوت ، النحل ، النمل ” ، ولعل أمره عز وجل بأن يفدى اسماعيل بكبش كبير كان ليقضي على عادة تقديم القرابين البشرية الى اﻷصنام واﻷوثان والكثير منها يرمز لحيوان وﻷن بعض شعوب المنطقة كانت تقدس الكبش ، فالفراعنة على سبيل المثال كانوا يقدسونه ويرمزون له الى ما يسمى بـ” الإله آمون” ، وأمر الله عز وجل بني اسرائيل بأن يذبحوا بقرة وذلك للقضاء على ظاهرة تقديس البقر التي إعتادوا عليها أثناء مكوثهم تحت عبودية الفراعنة ردحا طويلا من الزمن وكانت البقرة ترمز الى ما يسمى بالالهة ” ايزيس ” والالهة ” حتحور ” مرشدتا الموتى إلى الحياة الآخرة وحاميتا الممالك من اﻷعداء والتي إنتقلت عبادتهما الى الإغريق والرومان فيما بعد ، واليهود هم الذين عبدوا العجل متأثرين بهذا التقديس بغياب موسى عليه السلام بعدما خدعهم السامري ، وهم ينتظرون حاليا ظهور ما يسمى بالبقرة الحمراء المقدسة بزعمهم كدليل على بدء معركة هرمجدون وبناء الهيكل على أنقاض الاقصى المبارك ، فيما ظلت عبادة وتقديس البقر والقردة والفيلة والافاعي والفئران قائمة في الهند الى يومنا هذا يعتنقها مليار هندوسي اذا ما اخرجنا المسلمين والمسيحيين وبقية الديانات والطوائف اﻷخرى من مجموع سكانها ، وبالعودة الى اﻵية الكريمة التي أستهل بها المقال يتضح لنا ، أن ” هذه المخلوقات إنما هي أمم امثالنا ﻻتستحق التبجيل والتقديس من جهة ، وأمم امثالنا لاتستحق الإهانة والتدنيس من جهة أخرى” ليتم مسك العصا من الوسط في العلاقة بين الطرفين من غير افراط ولا تفريط وهذا ما جسده النبي اﻷكرم ﷺ في وصايا عديدة منها قوله صلى الله عليه وسلم : “بينما رجل يمشى فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من شدة العطش قال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى القلب! فشكر الله له، فغفر له ” قالوا يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر”.

وقوله صلى الله عليه وسلم ” دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض”.

وهو القائل ﻷصحابه بعد أن أخذوا فرخين لطائر يشبه العصفور من عشه ” مَن فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها”، وهو القائل لرجل يجيع جمله ” أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه” ومعنى تدئبه اي تتعبه في العمل من دون طعام وشراب كاف ، وهو القائل حين رآى قوما احرقوا بيتا للنمل ” “مَن أحرق هذه؟”إنه لا ينبغي أن يُعذِّب بالنار إلاَّ ربُّ النار” .

وهو القائل : «أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا» ، وهو صلى الله عليه وسلم الذي ” نهى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ ” بمعنى ان تحبس لغرض القتل بالرمي ونحوه ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عن التحريش بين البهائم ” بمعنى تحريض بعضها ضد بعض بغرض التسلية أو المقامرة .

وهو الذي نهي عن اتخاذ المخلوقات غرضا ترمى بالسهام او الحجارة أو أي شيء آخر قائلا : ( لا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا )، وهو القائل (ما من إنسان قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عز وجل عنها) . قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال:( يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها يرمي بها) وهو الذي أمر بالاحسان في ذبح البهائم “وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته”. وغيرها الكثير .

ولله در احمد شوقي القائل في بردة المديح :

يـا أَحـمدَ الخـيْرِ، لـي جـاهٌ بتسْمِيَتي ..وكـيف لا يتسـامى بالرسـولِ سمِي؟

المــادحون وأَربــابُ الهـوى تَبَـعٌ …لصـاحبِ الـبُرْدةِ الفيحـاءِ ذي القَـدَمِ

يتبع

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close