فوز احزاب الاسلام السياسي في دول الربيع العربي والعراق الاسباب والفشل

د. ماجد احمد الزاملي
الإسلام السّياسي ومنذ الستينيات من القرن الماضي، هو تلك الحركات والتنظيمات التي تمارس العمل السّياسي بشعارات إسلامية، أو أنه تلك الحركات التي تسعى بشتّى الوسائل لإقامة دولة إسلامية تطبّق الشريعة. ومصطلح الاسلام السياسي من بين المفاهيم التي برزت على السطح مؤخّراً، ولا يزال الجدل حولها قائماً بين دارسي الفكر الإسلامي. وبصرف النظر عن الجدل الدائر حول مصدر هذا المصطلح وتحفّظ بعض الإسلاميين عليه ، أن هذا المصطلح أصبح مصطلحاً سياسيًّا وإعلاميًّا وأكاديميًّا شائعاً ومألوفاً، استعمل لتوصيف حركات التغيير السّياسية التي تؤمن بالإسلام باعتباره نظاماً سياسيًّا للحكم، خصوصاً بعد بروز العديد من الحركات الإسلامية التي انتشرت في العالم العربي وباكستان والهند واندونيسيا وماليزيا وغيرها، وكانت تدعو حكومات دولهم إلى تطبيق حكم الشريعة، أو تكون هي الوسيلة إلى تلك الغاية بعدَما تؤول السلطة إليها. وهو أي الإسلام السياسي الذي يدعو إلى المزج بين الدين والسياسة في الشؤون المحلية والعالمية. وحركات الإسلام السّياسي بمجملها لا تؤمن بفصل الدّين عن الدولة وتسعى في استراتيجيتها وبرامجها إلى إقامة دولة إسلامية تطبّق الإسلام كدين ودولة ونظام حياة ,بالرغم من ان الشريعة الاسلامية لاتعارض قيام دولة مدنية ديمقراطية وليس دولة ثيوقراطية كما كان رجال الكنيسة في اوروبا في القرون الوسطى. ومما لا شكّ فيه أنّ مفهوم الإسلام السّياسي هو حكم الشريعة. التيارات الدينية السّياسية وهي عبارة عن مجموعة أفراد لديهم توجّهات وتصوّرات وأهداف مشتركة، يشكّلون سويًّا، فيما بات يعرف بـ التيارالذي له امتداداته وتأثيراته الشعبية الواسعة، ويسعى إلى تحقيق أهدافه وتطلّعاته من خلال برامج وأنشطة مختلفة. لكن أفراد التيار لا يخضعون في الغالب إلى أيّ شكلٍ من أشكال التنظيم، كما هو شأن الحركات والأحزاب والجمعيات الإسلامية. لقد حكمت اغلب بلدان العالم الثالث أنظمة سياسية استبدادية سلطوية مغلقة وجامدة وشرسة في نفس الوقت، إذ تُقاوم بضراوة حدوث أيّ تغيير جوهري أو تحوّل نوعي في بنية النظام السّياسي. هذا الانسداد السّياسي هو واحدٌ من بين أبرز الأسباب التي دفعت المواطنين للثورة على تلك النظم، ومن ثم الدعوة إلى استبدالها، خصوصاً بعدما تلاشت جميع فرص التغيير السلمي في بنية النظم الحاكمة.
وبالعودة إلى حركات الإسلام السّياسي، فإنه بمجرّد وصولها للسلطة، بعصر الربيع العربي، بدأ النقاش يعود مجدّداً وبزخم أكبر حول كلّ ما يرتبط بظاهرة الإسلام السّياسي في الوطن العربي. وتعيد هذه الحالة إلى الأذهان إلى ما كان سائداً في نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث انشغل المهتمّون بالشأن السّياسي والاجتماعي والفكري، بعد قيام الثورة في إيران 1979 م، وبروز بعض الحركات الجهادية!! في أفغانستان وغيرها، انشغلوا حينها بتلك الظاهرة بشكل مكثّف، وصاروا يتحدّثون عن الاسلام السّياسي ، في مختلف المحافل السّياسية والمنابر الإعلامية والمراكز البحثية. فعودة الاهتمام مجدّداً بظاهرة الإسلام السّياسي في العالم العربي، وعلى المستوى الشعبي تحديداً، كما يبدو أنه سيكون مختلفاً هذه المرّة عن ذي قبل. ذلك لأنّ وصول الإسلاميين للسلطة، في ظلّ ثورات الربيع العربي، تزامن معه حالة متقدّمة من النضج السّياسي، الذي بدأ يسود الشارع العربي برمّته، وتجلّى ذلك في الساحات التي ضجّت بالهتافات والشعارات، التي ردّدها المحتجّون مطالبين بالحرية والانعتاق من زمن العبودية والاستبداد.
الحركات الإسلامية التي وصلت إلى سدّة الحكم في دول الربيع العربي، عبر آلية الانتخابات، بعد سقوط الأنظمة، كحركة النهضة في تونس، وحركة الإخوان، وحزب النور السلفي في مصر ,التيارات الدينية السّياسية السنية في المملكة العربية السعودية، كالسلفية ، والصحوة، والإخوان المسلمين، وغيرها, والتيارات الدينية السّياسية الشيعية في المملكة العربية السعودية، كتيّار الإصلاح الوطني، وخطّ الإمام، وحركة خلاص، وغيرها. بعض النماذج من القوى الإصلاحية الوطنية (السنية، الشيعية) الجديدة، في المملكة العربية السعودية، كالناشطين السياسيين الجدد، والمراكز الحقوقية، وائتلاف الحرية والعدالة ، ونشطاء الإعلام الجديد، وغيرها. لقد وصل الإسلاميون القدامى إلى سدّة الحكم، وكان شعارهم الأبرز حكم الشريعة. أما شعار الإسلاميين ، بعد ثورات الربيع العربي، الأبرز هو حكم الشعب. شعار الأمس وشعار اليوم، يعكسان منظومة من القيم والمفاهيم والرؤى والأفكار المتباينة حول طبيعة الحكومة المنشودة وماهيّتها وطبيعتها ووظائفها وأدوارها وعلاقتها مع المواطنين. لكن منح الإسلاميين الجدد الثقة من الجماهير العربية لا يعني بالضرورة تفويضاً أعمى لهم، بل هو على العكس من ذلك تماماً. يبدو أنّ هذه الثقة ستفرض عليهم قيوداً شعبية أكثر صرامةً من ذي قبل، مما يعني إنهم سيكونون عرضة وبشكل مستمرّ للمحاسبة والنقد والمطالبة بسرعة تحقيق وعود الناخبين وتجسيدها على الأرض. وبمعنى آخر، إنّ حجم الضغوط الشعبية التي يواجهها الإسلاميون الجدد اليوم، ستكون أشدّ مما تعرّض له نظرائهم القدامى، الذين رفعوا شعار حكم الشريعة الإسلامية هو الحل. كما أنّ الإسلاميين معنيّون بتمثيل إرادة الجماهير والوفاء بوعودهم التي قطعوها مع المواطنين أثناء الحملات الانتخابية، ما يعني أنهم سيصبحون تحت رقابة جماهيرية صارمة وتهديد مستمرّ بالضغوط الشعبية، التي باتت بعضُ مؤشّراتها واضحة للعيان في كلٍّ من تونس ومصر . ومع إقرارنا بأنّ هذه العودة صاحبت معها بعض النقاشات القديمة ذات الصلة بحركات الإسلام السّياسي، إلا أنها ستكون مفيدة للباحثين في الفكر الإسلامي عموماً، وللحركات الاسلامية خصوصاً، وذلك لتعرّف أبعاد هذه الظاهرة الحيوية من مختلف زواياها المتعدّدة، خصوصاً في جانبها الفكري والسّياسي، وكذلك رصد تأثيراتها المتشعّبة في المرحلة المقبلة، أي بعد خروجها من خندق المعارضة ووصولها إلى سدّة الحكم.
بعد اكثر من عامين من اندلاع الثورات في العالم العربي ، صدرت بعض الدراسات الجادّة التي تناقش ظاهرة الربيع العربي وبعض الظواهر المرتبطة بهذا الحدث، كظاهرة صعود الإسلام السّياسي وتأثيراته، ومدى إمكان حدوث تحوّل ديمقراطي في الوطن العربي وآلياته ولوازمه، خصوصاً في دول الربيع العربي. وإلى جانب تلك الدراسات توجد دراسات عديدة ومهمّة، صدرت قبل حدوث الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية عام 2011 م، وهي ذات صلة ببعض ظواهر الحدث، كموضوع الحراك الشعبي، والإصلاحات، وحركات الإسلام السّياسي والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية ونحوها.
إلا أن ثورات الربيع العربي، خصوصاً بعد صعود نجم الحركات الإسلامية ووصولها إلى سدة الحكم في تونس ومصر وليبيا أعطى زخماً جديداً من الآمال في نفوس مؤيديهم، كما أعاد النقاش مجدّداً حول دور حركات الإسلام السّياسي في المستقبل، وكلّ ما يرتبط بها. لقد ولّدت الثورات العربية للجماهير شعوراً متعاظماً بالقوّة والقدرة على إجبار أيّ سلطة منتخبة على التنحّي حين الفشل أو التقصير. هذه القوّة الجديدة تدركها الحكومات الجديدة جيّداً، وهي كفيلة بأن تشكّل حصانة حقيقية للمكاسب التي حقّقتها الثورات، وضمانة بعدم العودة للوراء. هذا التحوّل، كما يبدو، سيشكّل ضغطاً حقيقيًّا على الإسلاميين ، ويدفعهم إلى السّعي جدّياً لتطبيق الشعارات والطروحات والبرامج التي تبنّوها أثناء حملاتهم الانتخابية، والتي على ضوئها تم انتخابهم وإيصالهم لسدّة الحكم. مما لا شك فيه، فإنّ عملية بناء دولة مدنية حديثة في العالم العربي، هي الأمنية الأكبر للمواطنين الذين ثاروا ضدّ الاستبداد وصنعوا هذه الثورات، غير إن تلك الأمنية، ستكون مهمّة بالغة الصعوبة والتعقيد على الإسلاميين. كما أنّ تجارب غالبية الأنظمة العربية الرسمية التي حدثت في دولها ثورات، يضاف إليها تجارب الحركات الإسلامية التي وصلت لسدّة الحكم، لا زالت مترسّخة في الأذهان، مما يعني عدم وجود، من الناحية النظرية على الأقلّ، أيّ قابلية للمواطنين المجرّبين أو العودة ثانية لتكرار الإخفاقات والفشل من جديد، ومن ثمّ الرجوع لعهود الاستبداد مرّة أخرى، سواءً في شكله الديني أو السّياسي أو المختلط، كما هو الحال في أغلب البلدان التي حكمها الإسلاميّون. الدولة التي تطمح الشعوب إلى إقامتها في دول الربيع العربي خصوصاً، والمنطقة العربية عموماً، والتي تجلّت أبرز ملامحها في الشعارات التي رفعها المتظاهرون والمحتجّون على الأنظمة الاستبدادية، هي تلك الدولة الدستورية، المدنية، الحديثة، التي تستمدّ شرعيتها من الشعب، وتخضع لحكم القانون. وقيم الديمقراطية الليبرالية، وذلك من خلال إقامة نظمٍ ديمقراطية مدنية حديثة وفاعلة، يخضع فيها المواطنين إلى حكم القانون بموجب الدستور, وتؤكّد على شراكة الجميع في صناعة القرار السياسي. كما وتقبل بالتعدّدية السّياسية، التداول السلمي للسلطة، وتكفل لجميع المواطنين الحقوق والحريات الأساسية، خصوصاً حقوق الأقلّيات كما وتقبل بالتعدّدية السّياسية، التداول السلمي للسلطة، وتكفل للجميع مساواتهم في التمثيل، وتقوم على التوزيع العادل للثروة، ومبدأ الفصل بين السلطات، والابتعاد عن المركزية في إدارة شؤونها العامّة. وبات واضحاً، بأن ما يطمح إليه المواطنين من ثوراتهم، التي قدّموا فيها التضحيات الكبيرة، هو إقامة نظم سياسية حديثة تُعزّز الشراكة السّياسية وتصون الحقوق وتطلق الحريات وترسي دعائم العدالة بمفهومها الشامل، وبعبارة أدقّ إنهم يطمحون في إقامة أنظمة تلبّي ما عجزت عن تلبيته الأنظمة السابقة. وهذا ما يتعيّن على حركات الإسلام السّياسي إنجازه في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة وهو الامتحان الأصعب لهذه الحركات والاحزاب. الدولة التي تقوم على تلك الأسس والمبادئ، وتكفل تلك الغايات، تسمّى بالدولة الديمقراطية الليبرالية، وهي السائدة حالياً في أوروبا والأمريكتين والهند وأنحاء أخرَى من العالم. فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم السّياسي، قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة، بينما الليبرالية تؤكّد على حماية حقوق الأفراد والأقلّيات. كان بالإمكان تأسيس مثل تلك الدولة في العالم العربي، بدلاً من النظم الاستبدادية، كما كان بالإمكان أيضاً أن تتحوّل تلك النظم، ولو بشكل متدرّج، إلى نظم ديمقراطية متطورة وحديثة. لكن، ولأسبابٍ عديدة ومعقّدة لم يحدث شيءٌ من ذلك في المنطقة العربية طيلة عقود ماضية.
أما الحالة السورية ، فأن انعدام الممارسة التعدّدية في البلد لا يعني أن النظام سينجح في البقاء للأبد، بل يعني أن البلاد قد تنجرف سريعاً للثورة المسلّحة والانشقاقات عن النظام. ويلاحظ هنا أن البداية السلمية للثورة السورية قد يكون مرتبطاً بوجود هامش طفيف جدًّا من الممارسة التعدّدية قبلها، في حين بدأت الثورة في ليبيا مسلّحة من أوّل أو ثاني أسبوع ولم تشهد قبل الثورة أيّ ممارسة تعدّدية تذكر. وهذا ما قد يفسّر بعض الحوادث السابقة في التاريخ العربي الحديث مع نظم سياسية لم تسمح بأيّ ممارسات تعدّدية مثل الثورة المسلّحة ضدّ حكم صدام في العراق. وربما يكون هذا أحد أوجه تفسير بقاء الحركات المسلّحة ضد حكم القذافي على قوتها منذ نشأتها في الثمانينيات والتسعينيات إلى أن شاركت في ثورة 17 فبراير، في حين انتهت الحركات المسلّحة في مصر وضعفت إلى أن شاركت في ثورة 25 يناير السلمية، وانخرطت بعدها في العمل السّياسي السلمي مثل غيرها من القوى السّياسية في الساحة المصرية، علماً أن الاثنين قد برزا في الآونة نفسها تقريباً وتعرّضا للملاحقة الأمنية الشديدة. وفي سورية بدأت الثورة سلمية، ثم ما لبثت أن دخلت عليها المظاهر المسلّحة خصوصاً مع تنامي حركة الانشقاقات عن مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية.إن انخفاض حالات تنازع النخب الحاكمة، مما يجعل قرار قمع الاحتجاجات مثلاً أمرًا مقبولاً عند كلّ النخب، لا سيّما النخب السّياسية والعسكرية والأمنية، التي تكون قليلة العدد وشديدة التجانس والترابط، وما إن تسقط حتى يسقط النظام كلّه مثلما حصل بعد مقتل القذافي على عكس النظم الأخرى التي قد ينهار فيها رأس النظام وتبقى بعض أطرافه ونخبه مثل مصر واليمن.
ويدرك المطالبون بإسقاط النظام خطورة الوضع عليهم مبكّراً، وأنّ النظام لن يتسامح معهم، ولن يتعامل معهم بالّلين؛ مما يجعل المناخ خصباً لتبنّي خيار التسلّح مبكراً لدى هؤلاء المعارضين ولدى المتعاطفين معهم، وهذا بدوره يوفّر البيئة الخصبة لانتعاش الجهادية السلفية وخروجها من مجرّد تنظيمات صغيرة ومستترة إلى تيار يجذب الكثير من الشباب إليه,وهذا الذي حصل حيث ظهرت جبهة النصرة وكتائب الفاروق الى الساحة وأخذتا بإغتيال ضباط وقادة الجيش الحر.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close