الانسان وفضائل الاخلاق !

* د. رضا العطار

قال المسلم الليبرالي والمفكر التنويري خالد محمد خالد : ( ان الصدق والامانة والاخلاص، ليست اخلاقا دينية، بقدر ما هي اخلاق انسانية التي كانت موجودة قبل ظهورالاديان – – – وفي حياتنا يوجد ملايين البشر بدون دين، ورغم ذلك فهم يتبعون الصدق والامانة والاخلاص وغيرها من القيم الاخلاقية الفاضلة.

كان الفيلسوف الفرنسي فولتير يقول : ( ان القس يٌعلم الاولاد ان الله موجود ، ولكن العالم الفيزيائي نيوتن كان يُثبت وجود الله لذوي الالباب )

وكان فولتير يريد ان يقول لنا هنا : ان العلماء اكثر اهمية للدين من رجال الدين، وان العلم لا ينفي الدين ولكنه يؤكده ويقويه اكثر من تأكيد الكهنة له. – – وان دين العلماء اقوى وارسخ بكثير من دين الكهنة – – وان الله يخرج من مختبرات العلميين اكثر جلاء وتعاليا مما يخرج من المعابد. – – وان العقل البشري الذي يعرف الله اقوى بكثير من القلب البشري الذي يعرفه وحده – – وان دين الفلاسفة اكثر صلابة ومتانة من دين دراويش التكايا والزوايا.

ان الدينيين المتعصبين الاصوليين الذين هاجموا الليبراليين الحداثيين العرب في الثمانينيات، قد اهدروا دماء المئات منهم، كذلك اعتبروا ان القوات العسكرية – التي جاءت الى الجزيرة العربية لطرد جيش الطاغية صدام من الكويت – هي قوات استعمارية صليبية هدفها غزو المشرق الاسلامي العربي. وقد الصقوا صفة – كافر وزنديق ومرتد وعميل وخائن – بكل من ايد هذا التحرير – – – قالوها عبر مواقعهم على الانترنت وعلى منابر المساجد وفي اشرطة التسجيل وكتاباتهم – تندد وتهاجم القوات العسكرية التي جاءت من كل فج عميق.

انهم ينعتوننا بهذه الصفات لاننا ايدنا التدخل العسكري الاجنبي للدفاع عن حرية الوطن والمواطن، علما اننا لم نشعر بالحرج من الاستعانة بالقوى الخاجية لدحر الديكتاتورية العاتية واستئصال جرثومة الاستبداد وتطبيق الديمقراطية العربية في ظل عجز النخب الداخلية والاحزاب الهشة عن دحر تلك الديكتاتوريات وتطبيق تلك الديمقراطية – – ولدينا شواهد تاريخية في الماضي القريب – حين استعانت بعض الدول الاوربية بامريكا لدحر النازية الالمانية والفاشية الايطالية في الحرب العالمية الثانية – – وكما قامت امريكا بتحرير اوربا من نير الديكتاتورية، قامت كذلك بتحرير الكويت والعراق من نير الاحتلال والاستبداد. – – لكن الاصولية المتطرفة لا يروق لها ان يسود منطق التاريخ.

من المؤسف حقا ان نرى ان اوضاع العالم العربي اليوم لم تتغير كثيرا عما كانت عليه في السابق. فنرى ان المحن السياسية والثقافية التي كانت تنزل بالعالم العربي قبل قرون عدة وخلال قرون عدة هي المحن ذاتها التي تنزل اليوم بنا، مع اختلاف الظروف واختلاف الاسماء – اما مسبباتها وتداعياتها فهي نفسها وكأن العالم العربي قد عزل نفسه عن كل مجريات هذا العصر وعاش داخل قوقعة من الصدف، لا يخرج منها ولا يرى العالم من حوله – وقد حولته هذه القوقعة الى شعب محتل، يكاد يكون هو الشعب المحتل الوحيد في القرن الواحد والعشرين، وحولته هذه القوقعة كذلك الى شعب امي لا يقرأ، وان قرأ، لا يفهم، وان فهم، لا يعمل.

وتلك هي سور العرب العظيم، حيث اصبح رجل السياسة في داخله، هو رجل السياسة الاول – وذلك نتيجة لقصور العقل العربي – الذي بمجرد ان يرفع المصحف عاليا، تسقط كل الكتب الاخرى على الارض وتداس بالاحذية – – وبمجرد ان يُرفع شعار (الاسلام هو الحل) تسقط جميع الشعارات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومن هنا اصبح الاسلام كدين مهنة رابحة تدر على اصحابها دخلا كبيرا افضل من دخل مثيلاتها من الوظائف الاخرى التي يقضي من اجلها الطالب سنواته الاربع في الجامعة في كليات الدراسات الانسانية – ولذا لم تنتشر المعاهد الدينية في العالم العربي، كما انتشرت في هذه الايام، ولم يبلغ عدد طلاب الدراسات الدينية في العالم العربي كما بلغه هذه الايام – ولم يتسابق الطلاب الخائبون في امتحان الشهادة الثانوية على الالتحاق بالمعاهد الدينية كي يصبحوا غدا من اصحاب الصولجان والى يمين السلطان كما يتسابقون الان. – ولم نجد في العالم العربي هذا العدد الهائل من الدعاة والهداة من الشباب ومن الشيوخ من ذوي العلم الشرعي كما نجد الان – ولم يصبح رجال الدين عموما من الشيوخ والشباب على هذا المقدار من الثروة الطائلة ورفاه العيش كما هم عليه الان،

* مقتبس من كتاب ( الليبرالية بين الوهم والحقيقة ) لشاكر النابلسي مع التصرف.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close