تكميم الأفواه، والعداء للثقافة، ظاهرتان خطيرتان

مرتضى عبد الحميد
الحياة السياسية والاجتماعية في العراق متخمة بظواهر سلبية، متخلفة، وبعيدة في مسارها عن كل عقل ومنطق. بعضها سرعان ما يختفي، ليظهر بدلا منه ما هو أسواً، وأشد تخلفاً، والبعض الآخر يعاود الظهور، كلما دعت الحاجة إليه بفعل فاعل!
من هذه الظواهر المولدة للحزن والأسى، مواقف بعض المسؤولين المعادية للثقافة والمثقفين، والمغرمة بتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات على شحتها والخروقات في تطبيقها. وأصحابها موزعون بين جهلة لا يفرقون بين الثرى والثريا، وآخرون يدركون خطورة وجهي العملة (الثقافة والحرية) على بضاعتهم الفاسدة، ومصالحهم الشخصية والحزبية والفئوية الضيقة.
القائمة طويلة، ومشبعة برواسب الماضي، ونفايات الحاضر. أما المستقبل فلا شأن لهم به، عدا الاستماتة من أجل ديمومة ما هو شاذ سياسياً واجتماعيا واقتصاديا، وغير قابل للإصلاح أو التغيير.
يمكن الإشارة إلى بعض العينات، وأولها قرار هيئة الاتصالات بعدم المساس أو الاقتراب من “الرموز الوطنية”. فالنقد محرم حتى لمن يجري الفساد في دمه، أو من هو غارق في وحل الطائفية، ومتشبث بالمحاصصة (تشبث الأعمى بشباك الكاظم) كما يقول المثل الشعبي، بذريعة أنهم من الرموز الوطنية! وهو محرم أيضاً على من كان السبب في أن يظل العراق لسنوات متتالية في ذيل قائمة الدول الأكثر فشلاً وفساداً، وعاصمته أسوأ مدينة للعيش فيها، دع عنك من تبرع بتسليم “داعش” ثلث الأراضي العراقية، وأفرغ الخزينة من آخر دينار فيها.
في الدول الديمقراطية (ونحن ندعي أننا جزء منها) لا يستثنى أحد من الرموز الوطنية الحقيقية، وليس المزورة كما هو الحال لدينا، من النقد والإدانة والتقريع، لأن الجميع، مسؤولين ومواطنين عاديين، يدركون إدراكاُ عميقاً، أن لا أحد معصوماً من الخطأ سواء كان بقصد أو بدونه، وبالتالي فأن تقويمه بأسرع وقت، ضرورة وشرط لا غنى عنه لبناء بلدانهم، وتحقيق الرفاه والعيش الرغيد لشعوبهم. فأين نحن من ذلك كله؟
كما قوبل قرار الحكومة العراقية فرض رسوم جمركية عالية تصل إلى (15) في المائة على الكتب المستوردة، بانتقادات واسعة جداً في الشارع الثقافي العراقي، تصفه بأنه إجراء تعسفي يقوض إنتشار القراءة، ولا يخدم إعادة بناء الثقافة العراقية. والسؤال هو: لماذا لا تفرض مثل هذه الرسوم على البضائع والسلع عموماً التي يستوردها العراق، وبعضها غير صالحة للاستهلاك البشري أصلاً؟ لماذ على الكتب فقط؟
يرافق ذلك استمرار إعتقال الناشطين المدنيين، والسعي المحموم لتفتيت الحراك الجماهيري بأساليب غاية في الخبث والدناءة. فالترغيب والترهيب باتا سمتين ملازمتين للمرعوبين من ارتفاع مستوى الوعي السياسي والاجتماعي للمواطن العراقي، وحاضنته التظاهرات والاعتصامات والفعاليات الجماهيرية المتنوعة، لمعرفتهم بأنه سيكون مقبرة لأحلامهم الشريرة وطموحاتهم الأنانية.
ثالثة الأثافي هي محاولات اختيار وزير للثقافة لا علاقة له بالثقافة، ولا يعرف شيئاً عنها، تكريساً لتقليد سياسي بائس، سمح بموجبه لشرطي ولأحد العسكريين في فترة سابقة، بتسنم مقاليد الوزارة، وتحويلها إلى قوة طاردة للثقافة والمثقفين.
إن الإصلاح والتغيير، والتخلي بصدق عن المحاصصة، لابد وأن يبدأ من الثقافة، لأنها الأساس في إعادة بناء البلد، وإنقاذ شعبه من محنة طال أمدها.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close