خطّان متوازيان الشفافية والمحاصصاتية وما بينهما الكابينة الوزارية والميزانية الاتحادية

الدكتور عبدالقادر العبادي
جامعة وين استيت الأمريكية

بعد أن اخفقت الكتل السياسية في رئب تصدعات تفسير مفهوم (الكتلة الأكبر) بغية تشكيل الحكومة الاتحادية على مقاربات هرم السلطات الثلاث رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان بما يشتمل عليه هذا (المثلث البرمودي) من تعقيدات متداخلة في المستويين الكمي والنوعي عمدت إلى تبني (التوافقية) بديلاً عن ذلك تلافياً بلوغ نقطة (الصفر) في الزمن الدستوري.
في سياقات مفهوم الكتلة الأكبر تبارت الخطوط المتوازية في هذا المضمار متسائلة عن ماهية الكتلة الأكبر هل هي من تفوز بأعلى الأصوات في الانتخابات الوطنية أم هي التي تتشكل داخل مبنى البرلمان؟
في انتخابات 2010 احتكم ائتلاف العراقية وائتلاف دولة القانون إلى المحكمة الاتحادية في مفهوم (الكتلة الأكبر)حيث قضت بأن (الكتلة الأكبر هي من تتشكل داخل قبة البرلمان) وعلى ضوء ذلك تشكلت الحكومة الاتحادية.
يبدو أن خطوط الكثير من القوائم ومرشحيها في انتخابات 2018 أولت لماكنتها الدعائية النصيب الأوفر متجاوزة في ذلك الأعراف والنظم القانونية أكثر مما أعطته لبرامجها الانتخابية التي يجب أن يقف عليها المواطن قبل إجراءات العملية الانتخابية بل وتحوّل البعض منهم إلى ظواهر صوتية تفكر بحناجرها أكثر مما هو في معطيات المنطق الذي يرى أن صدق أي مسالة في الواقع النظري والعملي لا يمكن قياسه أفقياً وعمودياً إلا بمقدار ما يعطي من النتائج التي تخضع لمنظورات ثنائية (التصور والتصديق).
وهكذا حلّت (التوافقية) بين الأطراف المنضوية في العملية السياسية محل (الكتلة الأكبر) التي انقطع خيطها وانفرطت حبّاتها ليسعى ركب التوافقية إلى تشكيل الحكومة الاتحادية في فضاءات الوطن بعيداً عن التهميش والتمرد والتفرّد والإقصاء والتخندق والتيارية والاعتبارات الولائية والحزبية والطائفية والإثنية في جو ديمقراطي عالي الفنار تسوده المهنية والنزاهة والحوار المتوازن من أجل بناء دولة مؤسساتية فيدرالية تتبنى مشروعاً وطنياً عملاقاً يعتمد المنهجية والحوار المتمدن بعيداً تجارة الزحامات والمزايدات والمراهنات وشيوع ثقافة الاستخلاف والمقامرات السياسية وأذرع الفساد المركب التي تدحرج العراق نحو المجهول الذي لا يفضي إلا إلى (الكانتونات Canton)) أو دويلات الطوائف والعشائرية والأسر والأحزاب والتكتلات الضيقة بعيداً عن عراق الحضارات.
كان أول مرتكزات التوافقية أن تسعى إلى تشكيل (حكومة تقنية) تتمثل في شخوصها الكفاءة والنزاهة والعدل والاستقامة والشفافية والتجربة والتحصيل العلمي المتدفق لكي تكون محصنة من فايروس السلطوية والاستعراض البهلواني والأنا الشخصية حتى تنجح في بناء دولة مدنية وفق نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي وصناعي سلمي بعيداً عن البيروقراطية وليست كما يصطلح عليه (فقه السياسة) (حكومة التعويم) والاكتفاء بالحد الأدنى من جودة الأداء.
ولكي تمضي (التوافقية) في برنامجها اختارت السيد عادل عبدالمهدي على أسس بنائية موصوفة كانت تراها في منظوره التكويني ليمضي في تشكيل الحكومة الاتحادية ضمن السياقات الدستورية.
أول ما طفا على السطح من أماني التوافقية هو منح الحرية (المطلقة) غير المقيدة في ( بيانات الظاهر المرئي والمسموع ) للسيد عادل عبدالمهدي دون أدنى تدخل من الأحزاب والكتل والتيارات السياسية في عملية اختيار كابينته الوزارية ، أي(لا للمحاصصاتية) و نعم ( للتكنوقراطية المهنية) واعتمدت ذلك من خلال بوّابة فتحتها لهذا الغرض في المجرّة الألكترونية لغربلة المدخلات بعيداً عن أذرع الدولة العميقة وقاعدتها العريضة الضاربة بجذورها في أبنية العملية السياسية متغافلةً عن أن المناصب الوزارية هي فنارات المسؤولية الكبرى في تشكيلات الدولة المؤسساتية وليست فرصاً لملأ شواغر وظائف حكومية في مواقع دنيا من المسؤوليات الحكومية في الدولة المدنية.
وهنا أصبح أمام السيد عادل عبدالمهدي ثنائية عملاقة هي ( الكابينة الوزارية والميزانية الاتحادية) وكلاهما جوهري في التأسيس لبناء الدولة.
وتمضي عقارب الساعة في حركاتها المتسارعة حتى قبيل الوصول إلى خط النهاية بعد أن كانت النافذة الألكترونية قد وصلت إلى حدّ التخمة. كان الجميع يترقب من السيد عادل عبدالمهدي تحت قبة البرلمان بعد أن تلا بيانات برنامجه الحكومي أن تكون تشكيلته الوزارية متكاملة غير منقوصة مبنية من 22 وزارة وكلها قد مرَّت بمحطات لازمة للتوقف:
عدم شمول المرشح بقانون المساءلة والعدالة
غير متورط بأي من صفقات الفساد المتفرد والمركّب
ليست لدية أية قيود جنائية
أن يكون خارج دائرة الإرهاب
أن يكون من حملة الشهادات (الحقيقية) إلى جانب بيانات أخرى كالخبرة والنزاهة والاستقامة والصدق والعدل والموضوعية.
لكن الذي حصل أنه قدم 14 مرشحاً من أصل 22 تمت المصادقة عليهم ـ كما يصفها المراقبون ـ عشوائياً على الرغم من فرق العمل المتخصصة ومن حوله في دائرة (المشغل الألكتروني) بعد أن تسرّب منهم من عليه مؤشرات فساد مركّب في دائرة الحلقات المرتبطة به وآخرين مشمولين بالمساءلة والعدالة وكلاهما من مخرجات عشوائية الرصد التي لم تقف عند ترشيحهم في (المحطات الخمسة اللازمة للتوقف) .
كانت هذه أولى الكبوات الفادحة التي تسجّل على آلية ( المشغل الألكتروني) التي يبدو واضحاً أن الوزراء المترسبين في القاع من ترشيحات القوى السياسية المنقسمة فيما بينها وإفرازات المصالح المكوناتية التي تعتمد مركز الصدارة في الديوان قبل المصلحة الوطنية.
يبدو لي من خلال قراءتي المستفيضة للملف السياسي وتتبعي لمفرداته التكوينية إن من أساسيات البرلمان العراقي كونه سلطة تشريعية ورقابية على الملف الحكومي أن يدرك أن الأحزاب السياسية التي تدور في فضاءات الحكومة منذ 2003 وحتى الزمن الحاضر لن تتخلى عن مكاسبها السلطوية وأن مقاييس الثقة التي يجب أن يتعامل من خلالها مع البرامج الحكومية متدنية جداً في ظل النظام المحاصصاتي.
من كل هذا كانت (الولادة القيصرية) للتشكيلة الوزارية ذات تشوهات لا تسمح لبعضها وفقاً للدستور أن تعتلي منصة (القيادة الإدارية الشفافة) للحكومة فأعيدت كُرتها ثانية بعد أن اختلطت خيوط نسيجها وتداولها الشارع العراقي ومنصّات التواصل الاجتماعي تارة سخرية وأخرى أسفاً وثالثة بكاءً على حظ العراق العاثر بعد أن استبشر خيراً بـ (منهجية التوليفة الوزارية) التي كبت وهي لم تزل في (شهر عسلها)!
البوصلة في مؤشراتها العامة سجلت أن بعض المسارات ابتعدت عن المقاسات القانونية والعلمية والبنائية وأن الكابينة لابدّ أن تتبنّى استحقاقاتها الانتخابية التي فازت بها بعد صراعات متداخلة القيم والاتجاهات في الانتخابات وكادت تفضي إلى مداخل متعرجة مغلقة .
هذه الرؤية من جهة منظورات الدول التي مارست هذه التجارب الديمقراطية حقوق يجب أن تحصل عليها تلك الأحزاب ولكن بشروط النزاهة والمهنية والشفافية والخبرة وأن يكون الولاء فيها للوطن وليس للكتلة أو الحزب ذلك من خلال وقوفنا على تجارب الدول المتقدمة كبريطانيا وأمريكا لسنوات طوال حتى أنهم ما أن يخفقوا في أدائهم الوظيفي يعترفون صراحة ويقدمون استقالاتهم علناً اعترافاً منهم بالتقصير في خدمة الوطن والمواطن وقد أصبح ذلك من الثقافة العامة لكل موظفي الدولة من قمة الهرم حتى قاعدته. الكرسي في ثقافتنا هدف وفي ثقافتهم وسيلة لخمة المجتمع.
أما نحن فثقافتنا مؤسسة على أنّ (الملك عقيم ولو نازعتني أنت على الحكم لأخذت الذي فيه عيناك) .
هذا هو السر في نماء وتقدم منظومات تلك الدول وهذا هو ما يعنيه (فقه التداول السلمي للسلطة) وليس تصعيد المشاكل والتحايل والالتفاف لغايات تكتيكية ذات أهداف شخصية أو حزبية أو فئوية ضيقة.
بقي لنا أن نقول أن أمام السيد عادل عبدالمهدي كابينتين جوهريتين يقوم على أساسهما نجاح وإخفاق العملية السياسية في العراق هما الكابينة الوزارية وكابينة الميزاينة الاتحادية لعام 2019 والتي يجب أن تكون كفوءة وثابتة في أركانها من حيث مفاصل الإنفاق وثوابت الصرف.
إن القاعدة الائتلافية التي تراها بعض القوى السياسية مفقودة في بلاط رئيس مجلس الوزراء مما يؤدي ذلك إلى كثير من الصعوبات في تطبيقات المنهاج الحكومي القادم إلا إذا كانت قوة القانون الفيزيائي في قبضته والذي يرى أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه تمتلك موجبات القدرة على اجتياز عنق الزجاجة لفضاء أرحب خارج حدود مفاهيم (كرسي الحكم) و(صولجان السلطة) وفلسفة الإدارة وحكم الدولة والقيادة منذ الأزل منقوش في سدّة عروشها أن (السلطة لمن غلب والولاء لمن أعطى)! وكل ذلك خارج أسوار المؤسساتية والمدنية.
على السيد عادل عبدالمهدي كذلك أن يتجاوز بالحكمة (أطواق النجاة ) و(تدوير المستهلكات) التي يسعى بعض الذين يرمون شباكهم في محيط السياسة ـ زمن الفقر المدقع ـ كسباً لمغنم ورصداً لفريسة قد تخطت حاجز الصوت!
والملاحظ أن رئيس مجلس الوزراء بين خطين متوازيين هما هنسياً ورياضياً لا يلتقيان خط الشفافية وخط المحاصصاتية وكلاهما يتبارى مع الآخر إلى ما لا نهاية فإلى أيٍّ يكون الأصغاء والحظ الأوفر إذا ما أريد للعراق الخروج من نهاية النفق سالماً معافى وهل يمكن له ذلك وملفات ساخنة بانتظاره:
ما ذا بعد خراب البصرة وهناك قبل أيام من جدد المطالبة بـ (إقليميتها) لكي تتعافى مما أصابها على مر السنين بل هناك من قلّب صفحات التاريخ عبر مسيراته الزمنية ليقف مع المريدين وهو يسجّل:
قال ياقوت الحموي:( ما رأيتُ بلداً أبكر إلى ذكر الله من أهل البصرة).
وقال الأصمعي : سمعت الرشيد يقول: ( نظرنا فإذا كلّ ذهبٍ وفضّةٍ على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخل البصرة ).
وقال الجاحظ : ( في البصرة ثلاث أعجوبات ليست في غيرها من البلدان ) .
وقال الشاعر البصريُّ المعاصر:
سَيِّدَتي البصرة في هذا الزَّمَنِ المِغْوارْ
البَصْرَةُ لَمْ تَعِدِ الدّارَةَ أَيّامَ الصَّحْبِ على نَهْرِ العَشّارْ
وَدَرْبَ الحِنّاءِ وَمَوّالَ الأَشْعارْ
غَيْرَ خَرابٍ وَبَقايا أَطْلالٍ وَدَمارْ
وَعُيونٍ مُرْهَقَةٍ ذابِلَةٍ لا تَمْلِكُ أَيَّ قَرارْ
وَأَحْزانٍ تَـتَلَفَّتُ مَذْعورَةَ مِنْ فَزَعِ الخوفِ
فَتَقْفِزُ لائِذَةً بِجِدارِ ضُلوعٍ مُنْهارْ…!!

ثقافة الفساد المركّب الذي يستشري في جسد الإدارة العراقية بعد أن استحدثت الحكومة العراقية المعاصرة مؤسسة المفتشين العموميين إلى جانب النزاهة لكي تحدَّ من سرطانات الفساد المركّب لكنها استمرت في تمدد أفقي وعمودي موزعة بين فاسدين تنفيذيين وفاسدين إعلاميين من المروّجين وفاسدين نيابيين وفاسدين سياسيين وفاسدين قانونيين وفاسدين وعّاظ سلاطين وفاسدين فضائيين ولكل توجّه فاسدين مخصوصين مصنوعين بقدر ودرجة ومقياس بمواصفات معينة وهو ممن يتنفس هواء العراق وينعم بخيراته مع أذرعته الأخطبوطية التتمدد في الاتجاهات الأربع.
أوضح مؤشر مدركات الفساد Corruption Perceptions Index (CPI) الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية الذي يرتب الدول حسب درجة الفساد المستشري في مفاصلها أن العراق احتل المرتبة 169 من أصل 180 دولة من حيث إساءت استغلال السلطات لقضايا وأغراض شخصية . ويبدو لي أن عملية التداخل وفتح الحدود بين ما هو سياسي وسواه في الميدان يشكل الحاضنة الأساسية للفاسدين الحكوميين والسياسيين.
المستوى الكمي والنوعي لثورة المظاهرات.
معالجة زهايمر السلطة والتهافت على منظومتها البنائية خارج إطار التمكّن والتجرّد والموضوعية والنزاهة والصدق والاستقامة والشفافية والمهنية وفي الأوساط العلمية والثقافية والأكاديمية ما يستحق أن يحمل هذه الحقائب أمانةً مصانةً غير منقوصة مهابة الجانب منيعة الأركان وهذا ما أكدت عليه مرجعيتنا الرشيدة في تولي مهام المناصب الحكومية.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close