طريق الشباب (حلقة ثقافية) حرية الفكر

(*) د. رضا العطار

لم نسمع ان انسانا مات في سبيل اكلة شهية، او عقارا يقتنيه وانما سمعنا ان اناس عديدين ماتوا من اجل عقيدة جديدة أمنوا بها، وسمعنا ايضا عن ناس ضحوا بانفسهم في سبيل اكتشاف او اختراع.

ومعنى ذلك ان شهوة التطور في نفوسنا اقوى جدا من شهوة الطعام او اقتناء المال، فالحياة دأبها التحول من ادنى الى اعلى، اي دأبها التطور، قإذا وجدت ان انظمتنا الاجتماعية لا تنفك تحاول التغيير او تموت دونه، راغبة فيما هو ارقى منها، فالجمود هو طبيعة المؤسسات الاجتماعية بينما التطور هو طبيعة الحياة، فإذا اتسعت الهوة بينهما عمدت الحياة الى الخروج والثورة والتحطيم.

وهذا هو معنى استشهاد الانبياء والعلماء والفلاسفة والمفكرين العظام في سبيل آرائهم الجديدة التي ينشرونها على الناس، فسقراط يشرب السم لانه يشعر ان شهوة التطور اقوى من شهوة البقاء.

ان تفكيرنا لا يكون حرا طليقا حتى نستطيع البوح والافصاح به الى غيرنا، لان الفكرة طاقة من طاقات العقل لا تزال منحبسة حتى تنصرف بالعمل.

والانسان كالحيوان، فجهاز العصبي لديهما لم يخلق في الاصل إلا لخدمة حركات الجسم، والخواطر الذهنية هي قوى عصبية اذا حبسناها، آلمتنا وعذبتنا، واحيانا تؤدي الى الهوس والجنون.

وجنون العاشق الذي لا يجد في معشوقته تلبية لعواطفه، يرجع الى ان خواطر العشق قد انحبست في ذهنه لا تجد منصرفا.

ونعرف ان البوح والافصاح منفرجا للصدور، وان همومنا تخف اذا شاركنا غيرنا فيها.

والخواطر العلمية او الفلسفية تؤذي صاحبها اذا لم يجد لها منصرفا، انما تبقى في جسمه كالهم الرابض، لايستريح منه حتى بفضي به الى الناس. فحرية الفكر إذن حرية البوح بالقول.

ومنذ الفي سنة يشهد التاريخ ان معظم الذين باحوا ما في صدورهم مما اعتقدوا حقيقة علمية او فلسفية او دينية نالوا الاضطهاد بالحبس والقتل الشيء الكثير. فما علة ذلك ؟

العلة الاولى : ان الناس مطبوعون على الكسل والاستنامة الى ما الفوه من العادات الفكرية والعملية، فإذا اباح احد بفكرة جديدة في اللباس او الطعام او الشعائر الدينية، فإنه يصدمنا لاول وهلة.

العلة الثانية : ان المصلحة المالية والمعاشية كثيرا ما تكون متعلقة بالعادات المعروفة، فتبديلها يضر بمصلحة بعض الطبقات، فالغني يكرة الاشتراكية لمصلحة واضحة، فإن الاشتراكية بدعة تصدم بمصالح الاغنياء.

العلة الثالثة : ان سبب اضطهاد الافكار الجديدة هو الجهل، فإن الذي يجهل نظرية التطور ويؤمن ببعض الاساطير التي وردت في الاديان، يكره من يقول بهذه النظرية الملعونة. كالذي يجهل اللغات الاوربية من شيوخنا يكره من لا يقول بان اللغة العربية افصح اللغات واشرفها.

العلة الرابعة : هي الخوف، فإن العجوز مثلا تؤمن بالاولياء والصالحين، وتتشفع بهم، ولا يمكن ان تطالعها بحرية المناقشة فيما يعزى الى هؤلاء من المعجزات.

واحيانا تجدون العلل الاربعة مجتمعة كلها او بعضها في طائفة من الناس، فإذا كان للدولة دين رسمي، صار الطعن في الدين داعية الى اثارة غضب رجال الدين الحريصين على مصالحهم. فالسير وراء سنن السلف ايسر على قلوبهم من اتباع الافكار الجديدة. لانه يجب ان لا ننسى ان الجماعات بحكم بيئتها مطبوعة على الجمود.

ولكن البدع تفوز بالنهاية لان فيها ميزات تتغلب بالاعتياد على العادات الموروثة. ولولا البدع لما كانت الاكتشافات والاختراعات.

* مقتبس بتصرف من كتاب حرية الفكر وابطالها في التاريخ للموسوعي سلامة موسى.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close