عودة الفكر الإمبراطوري ..2

د. اكرم هواس

في المقالة الاولى من هذه السلسة تركزت المناقشات حول التطور في القوى داخل الولايات المتحدة … كان ذلك قبل انتخاب الرئيس ترامب … و لكن ظهور نموذج الرئيس ترامب و تفكيك مركزية القرار الامريكي اثبت بشكل ما الثيمة الرئيسية للمقالة..

الان و قبل ايام حيث احتفلت القوى العالمية بذكرى الانتصار في الحرب العالمية الاولى فان مؤشرات اخرى فرضت نفسها… في البداية و لا ادري كيف يعتبر ذلك انتصار رغم ان لا احد يشك في ان الحرب العالمية الثانية كانت امتدادا “طبيعيا” للظروف و الدوافع التي أدت الى نشوب الحرب الاولى و النتائج الكارثية في مستوى الدمار و الهيمنة و الإقصاء التي صنعتها آلة الحرب و قواها المنتصرة و المنكسرة … كما كانت الحرب العالمية الاولى هي نفسها امتداد للحروب الامبراطورية و صراع القوى الكبرى و المحلية على السلطة و الاقتصاد و الهيمنة السياسية و الاجتناعية…

لكن احد المؤشرات السياسية “الجديدة” التي تحدث عنها “المنتصرون” هو العودة الى الكلام عن الدولة الوطنية .. او اعادة بلورة مفهوم “الوطنية” في ظل اليات العولمة التي اختزلت و تجاوزت الحدود التقليدية لمفهوم الدولة و السيادة و المصالح الخارجية و الداخلية … الخ..؟؟..

لاشك ان الكلام عن عودة “الروح الوطنية” ليست وليدة هذه الأيام فقد ظهرت في العديد من الدول الأوروبية قوى سياسية يسارية و يمينية اتسمت طروحاتها بنغمة معادية للعولمة و اليات السوق التي اختزلت القوى المحلية الى ما يشبه وكلاء كومبرادروية بسيطة في دورها و قوة تأثيرها على الساحة المحلية ( الوطنية)… لكن سرعان ما تحولت هذه القوى السياسية “المعادية للعولمة” الى تكوينات تناهض الأجانب و تختزل “الوطنية” في أتون ايديولوجيا اثنو-عنصرية تذكرنا بظروف نشوء و هيمنة القوى النازية و الفاشيستية من حيث طبيعة تأويلها لمفاهيم “الانا الجمعية” و”الاخر غير محدد المعالم”… بدلا من الوقوف الجدي امام هيمنة قوى السوق و تفكيك اليات سيطرتها و هيكلياتها البنيوية …

في محاولة للتهرب من هذه المقاربة التاريخية حاول الرئيس الفرنسي ماكرون الذي استضاف احتفالات النصر ان يفرق بين مفهومي “القومية” و “الوطنية” التقليدين و الذين شكلا أساساً للحروب العنصرية و الاستعمار الاقتصادي و العسكري .. حيث قال الرئيس ماكرون … انا لا ادعو الى القومية و لا الوطنية ذات الحدود المقفلة… انا ادعو الى الاولوية الوطنية في تحديد السياسيات و العلاقات مع القوى الدولية… !!!.

بشكل يبدو ان الرئيس ماكرون لم يكن موفقا تماما في محاولاته إسدال صبغة معرفية لمشروع “امريكا اولا” … هذا المشروع الذي احتل العناوين و الاهتمام العالمي منذ ان نطق به ترامب .. رغم ان الطرح ليس جديدا كما ذكرنا في اوروبا و غيرها من بلدان العالم و منها بعض دول الشرق الأوسط (و ان كانت الدوافع و الرؤى مختلفة)… لكن مصطلح “الوطن اولا” يعود الى عقود … و لذلك فان اعادة بلورتها الان في المجتمعات الغربية و خاصة في دول تهيمن على اليات العولمة تمثل اشكالية آنية و مستقبلية في تطور العلاقات في العالم …

هنا اعتقد ان العودة الى طروحات “الوطنية و الوطن اولا” إنما تمثل مرحلة جديدة من مراحل تطور اليات العولمة حيث انها من ناحية توفر إمكانية تهرب القوى المهيمنة في العالم من المسؤلية الدولية وفق القوانين و الاتفاقيات و غيرها … و من ناحية ثانية تخلق مساحة شاسعة للدول الكبرى لتحقيق مصالحها “الوطنية” وفق اليات و أخلاقيات تحددها ذاتيا دون الرجوع الى مستلزمات الالتزام بحدود السيادة و الخارطة الجغرافية و الاقتصادية للدول الاخرى..

بكلام اخر … نحن ازاء حالة من التراجع التاريخي و التخلي عن مفهوم التنظيم المجتمعي الضامن لحقوق و وجود الكيانات المادية و الانسانية معنى الدول و المؤسسات و المنظمات و المصالح و كذلك الانسان أفراداً او جماعات…

هذه الحالة تعيد التاريخ الى مجموعة الهيكليات و الاليات التي كانت سائدة في عهد الإمبراطوريات السابقة حيث ان القوى العسكرية السياسة الاقتصادية كانت تتمدد و تتقلص وفق منطق القوة و الصراع المفتوح حيث لا حدود للطموحات و لا احترام للكيانات الاخرى … و هي الحالة التي بنيت على أنقاضها مفهوم توازن القوى في بدايات ظهور الدولة القومية و التي على اساسها ايضا انتشرت ثقافة الاستقرار السياسي و المجتمعي في اطار حدود سيادة الدولة…

مفهوم سيادة الدولة تعرض الى اختراقات كبيرة في ظل اليات العولمة خلال العقود الثلاث الاخيرة… و تفريغ القانون الدولي و الاتفاقيات الدولية من قيمتها الإجرائية اصبح من هوايات الرئيس ترامب و استعراض القوة السياسي و الأيديولوجي و التنظيمي للقوى الشعبوية في أوروبا شرقها و غربها و في الولايات المتحدة و امتداد ذلك الى بعض دول العالم الثالث يمثل جرسا يرن بقوة… هل يجب ان نعتنق فكرة ان “الإمبراطوريات عائدة و على قيم احترام حقوق الانسان السلام”..؟؟.. ربما..!!

في المقالة القادمة سنتحدث عن مآلات هذا التطور في الفكر و المشاريع السياسية على امكانات المحليات ” الدول الصغيرة و الضعيفة و قواها المختلفة” على التعاطي مع هذه الاشكالية …حبي للجميع.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close