لا تجرحوا قلوب الفقراء أكثر مما هي فيه

سالم سمسم مهدي

من أرض العراق وأرض الخلافة قال أمير المؤمنين علي الكرار مقولته الشهيرة ( لو كان الفقر رجلاً لقتله ) ولأن ظروف الجزيرة العربية والشام وبلاد الرافدين معلوم واقعها وحالة الشح المادية الغالبة على بعض أمصارها لم يملك الأمام إلا ان يتعاطف مع الفقراء فأختار من بينهم الرفيق والصديق والوالي والمبعوث في مهمة السفارة …

لذا سجل التاريخ عمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد وميثم التمار ومالك بن الاشتر وغيرهم كثيرون على الضد من ذلك وقفت البرجوازية الجديدة التي ظلت تطالب بان تكون حصتها من بيت المال مميزة وفوق ما يعطى للغالبية من ابناء المسلمين بل كانوا يجادلون الامام وبصرهم يشخص نحو الشام لمغازلة معاوية الذي تكدست لديه ثروة طائلة فأخذ يبعث لهم برسائل أغراء متواصلة ويشجعهم على التمرد بعد أن تمرد هو على الخليفة ولي الأمر …

أدت الحروب الثلاثة التي خاضها الامام إلى استنزاف خزينة المسلمين وهو ما أثر تأثيرا كبيرا على خططه لتغير واقع عموم الفقراء فدفعه ذلك الى اطلاق مقولته التي ذكرنا وبعده اخذت الامور تسير سيرا مغايرا فأموال الدولة الاسلامية خضت للأهواء والبذخ والجواري وشراء الذمم وحصل ذلك طيلة فترة سلطة الدولتين الاموية والعباسية وخير دليل على ذلك اقتران اسم الدولة بهما …

ظل الحال على ما هو عليه ولم يتغير بالنسبة للفقراء شيئا منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم ولكنه في العراق تركز حالياً بشكل واسع في الوسط والجنوب لذا ليس غريبا ان نرى أناس تعيش في الزرائب والبيوت الطينية المتآكلة والصفيح والخيام الواهنة اتجاه الطبيعة وهو شيء يحاول ان يتنصل من مسؤوليته بعض القائمين على ادارة الدولة فيلجئون الى نكران وجوده …

ان ذلك يؤدي الى زيادة معاناة هؤلاء الفقراء لأنهم سيقطعون الأمل من حصول اصلاح او وجود خطط ستغير من واقعهم ما دام وجودهم غير معترف به أصلاً وقد أخذ هذا القول ( عدم وجود فقر في العراق ) يتردد حاليا بعد فشل إدارة الدولة وهو هروب ذو وجهين من الفشل ذاته اولاً ومن عدم القيام بالواجب الوطني اتجاه الشعب ثانياً …

أن وجود الفقر في دولة غنية جريمة كبرى يجب محاسبة من يقف ورائها حيث لا تفسير لذلك غير سوء الادارة والفساد خاصة وان هناك دول ذات ايرادات شحيحة قياساً بما لدى العراق تعيش شعوبها بحال افضل وأمان أشمل …

من هنا نستطيع أن نقول أن الجبروت لا يقتصر على من يتولى السلطة ويكون النار والحديد أسلوبه في التعامل مع الاخرين بل ان هناك جبروت اخر وهو المادي المستحدث والمقصود به الإثراء المفاجئ غير الشريف بعد إملاق والذي يدفع بصاحبه الى إنكار وجود الفقر ذاته لوجود عقدة الشعور بالنقص والدونية …

لذا فأنه بدلاً من أن ننكر وجود الفقر ونظن أننا نستطيع بذلك التنصل من مسؤولية معالجته يجب علينا أن نتهيأ له بكل مستلزمات التصدي لإعطاء الفقراء بعضاً من حقوقهم وأن لا نسلبهم هذه الحقوق فإدعاء الجهل بالشيء لا ينفي وجوده لأن الفقر في العراق أصبح لا يطاق وبازدياد ويكفي أن نجرح قلوب الفقراء أكثر مما هي فيه .

سالم سمسم مهدي

[email protected]

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط
Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close