نصارى العراق وعمق جذورهم التاريخية والحضارية ح9

* د. رضا العطار

احوال المسيحيين في العهد العثماني ( 1534 – 1918 ):

بعد منتصف القرن الاول للميلاد انتشرت المسيحية في العراق وكثرت اديرتهم تناثرت في كل مكان وكان لهم في زمن العباسيين دور هام في مختلف المجالات الحضارية، على انهم اضطروا الى نقل مراكزهم الدينية والالتجاء الى اماكن اكثر أمنا واوفر عزلة بعد ان اصبحت الاديرة هدفا سهلا لكل قبيلة غازية، هكذا اصبح كرسي بطريكية بابل القديم في اربيل.

وقد انقسم ولاء النصارى الديني في العراق بين الكنيستين الشرقيتين القديمتين السريانية النسطورية والسريانية الارثوذكسية، بيد ان هذا الولاء اخذ بالاهتزاز منذ اوائل القرن السابع عشر عندما انطلقات الارساليات الفرنسية الكاثوليكية و الانكليزية البروتستانتية تسعى نحو نشر معتقداتها في هذا الجزء من العالم.

على ان لتدهور العلاقات العثمانية – الفرنسية، على اثر احتلال نابليون لمصر عام 1798 دورا هاما في تغيير السياسة العثمانية تجاه التبشير. وهو التبشير الذي طالما تمتع بحماية فرنسا ورعايتها. ويمكننا ان نستنتج من ظاهرة النشاط التبشيري هذا مدى ما كانت تتمع الطوائف المسيحية في العراق من استقلالية في ادارة شؤونها الداخلية.

فقد اشار دوبريه احد الاباء اليسوعيين الفرنسيين كان قد مرّ ببغداد:

( ان مسيحي بغداد يتمتعون بقسط وافر من الحرية يتحسر عليه المسيحيون في ارجاء الامبراطورية العثمانية الاخرى )

ولا تشير المصادر التاريخية الى اية فتنة حدثت بين المسلمين والمسيحيين طيلة عهد المماليك بل تعاون الطرفان غير مرة في اعمال عامة ذات سمة وطنية. فقد شارك نصارى الموصل مواطنيهم من المسلمين في الدفاع عن مدينتهم الباسلة ضد الحصار الفارسي الذي فرضه قائد الجيش نادر شاه.

وليست ثمة معلومات محددة عن مدى مشاركة نصارى المدن العراقية في الحياة الاجتماعية داخل تنظيمات الاصناف الحرفية، لكن من المعروف ان الانخراط في المهن الاسلامية كان مباحا لغير المسلمين. وان بعض النصارى في المدن الاخرى كانوا يشكلون اصنافا حرفية خاصة بهم. حتى ان ارمني حلبي ادخل الى العراق صناعة الخبز الافرنجي المعروف عند العراقيين بالصمون. وقد تعلم النصارى هذه المهنة في بغداد، كما احتكر نصارى راوندوز صناعة الاكياس المستعملة في كبس ورق التبغ. و اشتهر النصارى في الموصل بالحفر على الرخام مثلما كان اخوانهم في شقلاوة يمارسون حياكة النسيج البلدي الذي يتخذه فلاحو المنطقة ملابسهم. واتجه كثير من النصارى في المدن الرئيسية الى ميادين التجارة والمال فاصابوا فيها من النجاح قسطا كبيرا.

ولم تكن هناك في المدن العراقية احياء مغلقة يقطنها النصارى دون غيرهم من ابناء الطوائف الاخرى الاّ ان هذه المدن عرفت نوعا من التجمعات المسيحية داخلها دون ان تكون ثمة حدود قاطعة تفصل احيائهم السكنية عن سواها من الاحياء المجاورة.

فكان في بغداد مثلا اكثر من تجمع سكني مسيحي يقع احدها في منطقة الميدان و الثاني في محلة سوق الغزل الذي يمتد حتى يتصل بتجمع آخر في محلة واحدة هي رأس القرية من احياء المدينة الجنوبية. وفي البصرة تجمع قسم كبير من النصارى في قرية العشار على ساحل شط العرب. وتجمع نصارى الموصل في حوش الخان.

وكانت صلات المصاهرة تربط دوما بين المسلمين والنصارى حيث لم يجد الاولون اي باس من الزواج من مواطناتهم المسيحيات، فارتفع بذلك اسر مسيحية عديدة في الهرم الاجتماعي — وكانت المشاهد المقدسة لدى المسيحيين تلقي قدرا كبيرا من احترام المسلمين ايضا.فمسلموا الموصل ومسيحيوها كانوا يجلّون مشهدي يونس وجرجيس على حد سواء، في الوقت الذي لم يكن من المسموح به ان يدخل المسيحيون مساجد المسلمين واضرحة أئمتهم البته، وهو امر كان بؤدي الى مضايقات جمة لأؤلئك السواح الاجانب الذين ساقهم الفضول الى القيام بمثل هذه المحاولات. و استثني منها المشهد المنسوب الى (خضر الياس ) لقاء رسم معين.

وكان من المحظور على النصارى في عهد السيطرة العثمانية، شأنهم شأن بقية اهل الذمة الاخرين اقتناء الرقيق الابيض ولهم في مقابل ذلك اقتناء العبيد السود

وفي عهد الوالي التركي المملوك داود باشا منع النصارى ايضا من ركوب الخيل والبغال و الحمير اثناء تنقلهم داخل المدينة، ولم يسمح لهم كذلك بلبس العمائم لكن ابيح لهم ما طاب لهم من لبس الوان اخرى من غطاء الرأس.

الى الحلقة الاخيرة في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نصارى العراق لسهيل قاشا.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close