العقلانية والروحانية لدى الديني واللاديني والمادي 2/2

ضياء الشكرجي

[email protected]

أشرت في الحلقة الأولى إلى نصين قرآنيين؛ مشيرا إلى أنهما يشتملان على معنى جميل، تألق فيهما مؤلف القرآن، ألا هما «إِنَّماإِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ فَاستَقيموا إِلَيهِ وِاستَغفِروهُ»، وفي نص «يا أَيُّهَا الإِنسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدحاً فَمُلاقيهِ»، وهنا أتناول ما يمكنأن نستوحي من النصين أكثر من معنى جميل، أوردها كالآتي.

الله وحده المطلق، ولمن لا يؤمن به، فلنتصور المطلق المثال الأعلى في عالم التجريد، ويبقى الإنسان يمثل وجودا نسبيا، لكنه يمتلك القابلية على السير التكاملي باتجاه المطلقدون بلوغه، لاستحالة تحول النسبي إلى مطلق، فهو أي الإنسان «يستقيم [في سيره] إلى الله»، و«يكدح إليه» في مسيرة تكاملية في خط الاستقامة؛ هذه الاستقامة النسبية التي ليس من ضمانات ألا يعتريها شيء من الاعوجاج والانحراف عن الخط المستقيم، بسبب عناصر الضعف المتأتيةمن حدوث حالات من ارتفاع منحنى النزعة الأنانية للإنسان المستقيم، وحالات هبوط لذلك المنحنى، مما يستوجب مواصلة التصحيح في كل مرة؛ هذا التصحيح المعبر عنه بعبارة «وَاستَغفِروهُ»، وذلك عبر إبقاء الضمير حيا ومتوقدا ليمارس الإنسان بواسطته الرقابة الذاتية، التي تصطلحعليها الأدبيات الدينية بالتقوى والورع. فالإنسان كما يعبر القرآن أيضا مخلوق من جهة من (طين) الأرض، ومنفوخ فيه من جهة أخرى من (روح) الله، أو روح المثل الأعلى أيا كان، وذلك حسب النص القرآني: «… وَبَدَأَ خَلقَ الإِنسانِ مِن طينٍ، … ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فيهِ مِن رّوحِهِ …». فكون الله «بَدَأَخَلقَ الإِنسانِ مِن طينٍ»، طبعا دون اعتماد قصة خلق آدم وحواء، إلا على مستوى الرمزية، أي من مادة الأرض والماء، تعبير عن البعد المادي في الإنسان، وكون الله قد «نَفَخَ فيهِ مِن رّوحِهِ» تعبير عن البعد الروحي فيه. منهنا أقول عسى أن يكون الإلهي اللاديني هو القادر أكثر من غيره على أن يعيش الروحانية، دون الغلو بها إلى حد الوقوع في الهلوسة الغيباوية، وأن يعيش العقلانية، دون أن تحوله عقلانيته إلى حالة من الجفاف والتصحر الروحي. بل هذا ما يمكن أن يحققه الملحد رغم عدم إيمانهبالله، إذا كان مؤمنا بالمثل العليا.

وأخير لا بد من ملاحظة، ألا هي إن استشهادي بنصوص قرآنية هنا، ليس من قبيل اتخاذي للقرآن مرجعية لي، بل للإشارة بكل تجرد وموضوعية إلى مواطن التألق فيه، رغم الإيمان العميقبوجوب تنزيه الله من نسبة أي من الأديان وكتبها (المقدسة) إليه، تألقت آيات جماله، وتقدست صفات كماله، وتنزهت محامد ذاته.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close