أنهم لم يسرقوا ثرواتنا فقط إنما شوّهوا تمدننا و تحضرنا أيضا

بقلم مهدي قاسم

في غمرة تركيزنا على سرقة و نهب المال العام من قبل أحزاب
و ساسة فاشلين منذ السنوات الخمس عشرة الماضية و حتى الآن ، أما لم ننتبه أو نسينا التنبيه إلى سرقة أكبر و أخطر و أسوأ سرقة تاريخية قامت بها هذه الأحزاب إلا وهي سرقة الروح العراقية بنمط حياتها المتمدنة والمتحضرة و الإمعان في تشويهها من خلال حصارها و خنقها في
أجواء ومناخات من قيم وعقائد ظلامية و متخلفة و كمزيج و خليط من موروثات جاهلية على بدوية وقبلية مركبة قاموا بنشرها في أوساط المجتمع الواسعة ، بتواز مع الإصرار على طس ملامح الثقافة الوطنية و الهادفة و بكل حقولها الأدبية و الفنية ، و كذلك التراث الشعبي الأصيل
والقيم الفنية والجمالية الأخرى ، ومحاربتها بذريعة تنافيها مع عقائد دينية و مذهبية ، ومن ثم اعتبارها ضربا من ضروب الحرام يصل لحد التكفير أحيانا !!، بحيث أصبح حتى الغناء شبه محرم و يُخزى ويُعاب بال يُنظر إليه نظرة تأنيب وتقريع مـَـن يستمع إليه ، سيما في مناطق
الأغلبية الشيعية من العراق ..

وقد انعكس كل ذلك سلبيا حتى على ملبس الناس في العاصمة
بغداد حيث كان الناس أكثر نظافة و أناقة في ملبسهم ، وضمن بيئتهم ، نساء ورجالا على حد سواء ( إذا ثمة من لا يصدقني فيمكن أن يستعين بالعم جوجل ليتطلع على ملابس العراقيين في السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي ) و كذلك الأمر بالنسبة للتخاطب المهذب و الحضاري
بين الناس في الشارع أو الدوائر الحكومية ومؤسسات الدولة بمفردة ” السيد الفلاني أو الأستاذ ” أما الآن فالجميع أصبح يحمل صفة ” حجي أو علوية ” !! ..

قد يبدو هذا أمرا سطحيا ، بالمقارنة مع حجم وضخامة التشويه
و الخراب الروحيين اللذين تعرض لهما الإنسان العراقي على اصعدة أخرى ، و أكثر عمقا و أهمية من مسألة الملبس و التخاطب الاجتماعي بين الأفراد ، سيما من ناحية تشويه الوعي الوطني و الانتماء العراقي ، عبر الحث والتشجيع و الإغراء على التقوقع المذهبي و الديني أو المكوناتي
الضيق و ذات أبعاد عنصرية و انعزالية ، طبعا ، إلى جانب الترويج والتبرير للسرقة المشرعنة والفساد و الاتكالية و التفرج السلبي والتهرب من العمل أو المسؤولية، بحجة ممارسة طقوس دينية أو مذهبية على مدار السنة كلها ، واعتبارها أهم من العمل و تحمل المسئولية والواجب
المُناط !! ..

و بسبب العجالة و ضيق الوقت و احترام وقت القراء الكرام
، سوف لن ندخل الآن في تفاصيل أوسع و أكبر ، بقدر ما نود التركيز على هذا الجانب أيضا ، لكونه مهمل إلى حد ما ، و كذلك بهدف التأكيد على أن الخراب الروحي الذي تعرض له الإنسان العراقي أخطر بكثير من الخراب المادي إذ أن :

ــ الخراب المادي سيّعوض بشكل من الأشكال في وقت معين و
منظور، أما الخراب الروحي فسوف يحتاج إلى حقب وأجيال متعددة و قادمة ليستعيد عافيته الحضارية و الجمالية .

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close