وزير التعليم العالي والبحث العلمي بين المهنية المستقلة والحزبية المقيّدة

الدكتور عبدالقادر العبادي
جامعة وين استيت الأمريكية
meabadi77@gmail.com

تتشعَّب أطراف المعلومة وتتعدد مقارباتها بين القيَم الإيجابية والسلبية في بنية الحدث المعاصر خصوصاً عندما يكون الحديث ساخناً عن تشكيلات الكابينة الوزارية الاتحادية وطرائق الأداء الحكومي المستقبلي للسنوات الأربع القادمة.

ولشدَّ ما يثير الاستغراب في مثل هذه الأمور السياسية الحسّاسة هو بث المعلومة منقوصة الأطراف بطريقة دعائية موجهة ، أحادية المنظور التصويري Propaganda لغرض ممارسة التأثير على المتلقين وبثَّها إلى قنوات الـتواصل الاجتماعيSocial Media المعاصرة لمكاسب تبدو في نظر المرصد الفكري أنها (مخادَعة) يسعى تجّارها إلى تسويقها كوجهة نظر أو ما يسمى في الميدان التقني (فن الرسم المنظوري) وهي الأشدّ فتكاً لمفاصل الدولة وأخطر ما يواجه العملية السياسية بحد ذاتها ؛ لأنها تخفي في طياتها صراعاً بدائياً مشوّهاً لغرض الحصول على مكاسب حكومية غير مشروعة.

الأشد استغراباً من ذلك هو سعي بعض السياسيين إلى التأسيس لحكومة (السلالات) أو ما تسمى اليوم بـ (حكومة العائلة) أو (حكومة القبيلة) أو ( حكومة الحزب الواحد) أو (حكومة الأسرة الواحدة) في مفاصل الدولة التي التي تريد إدخال العراق إلى عتمة النفق مرة أخرى بعد أن بدأ يسترد عافيته في بناء الدولة المؤسساتية وإخراج نفسه من الصراعات المكسبية الضيقة والانفتاح الاستراتيجي على العالم.

هذه الشبكات العنكبوتية لدهاقنة السياسة وتجار الصفقات والمراهنات والمزايدات الهابطة صارت تجاهد بكل موجبات القوة والحيوية بغير حق خارج (أسوار الوطنية) ، من خلال الترويج العلني أو المبطّن للوصول إلى سدّة الحكم ومشاكسة منظورات التكنوقراطية والمهنية والشفافية والاستقلالية ومطالبة كفاءاتها لشغل المناصب الحكومية ؛ لأنها تمثل لهم ولفلسفتهم الاتجاه المعاكس وعليهم محاربتها بشتى الوسائل حتى لا تخسر أسواقها وزبائنها وطرائقها التسويقية واستثماراتها ومزاداتها.

حين أذاع السيد رئيس مجلس الوزراء بيان برنامجه الحكومي تحت قبة البرلمان ، ذلك الذي تميز بالتمدد على مساحات متفاوتة الحجوم والأنواع والمعايير الواجبة نظرياً وعملياً ودرجة الأهمية التي تحتلها مفردات تلك المستويات ، كان لا بد لهذا البرنامج إذا أريد له النجاح أن ينهض على كابينة وزارية مهيبة الجانب محكمة الأركان مهنية وشفافة وعملاقة حتى تستطيع أن تحقق أهدافها ضمن الفترة الزمنية المخططة لها في صناعة الدولة المؤسساتية من أهل الخبرة المستقلين أصحاب المهنية والشفافية والنزاهة.

لكي يتم المضي بتطبيقات هذا البرنامج الحكومي بشفافية ومهنية عالية على ضوء معايير دولة المؤسسات المدنية لابد للسيد عادل عبدالمهدي أن يتجاوز بقوة توجهات (الحزبية الضيقة) التي تناور من أجل مكاسب ضيقة خارج الولائات الوطنية الرصينة وتطرح عليه شخوصاً معينين تارةً وتارة أخرى تراوح مع بدائل ضيّقة الجلباب قاصرة لم تبلغ الرشد في خبراتها وكفاءاتها ومؤهلاتها الإدارية والمهنية.

في سياق هذا التوجّه لا أريد أن أعاود الحديث عن (الكابينة الوزارية) المتعثرة برمتها وما أصابها ، وهي لا تزال في بداية تشكيلتها الأولى ، و(الكيفية الجزئية) التي قدمت بها ، حتى هذه الجزئية فقد طفت على سطوحها ملاحظات وشبهات حول ماهية البعض من وزرائها بالإضافة إلى تخلف 8 وزارات عن التشكيلة بسبب تجاذبات القوى السياسية ، على وفق سياسة (الشد والإرخاء) وطبيعة التقاطعات ومقاديرها مع مصالحها ومكاسبها ، وقد دخلت مع بعضها البعض في مفاوضات على (تقسيم المناصب) وطرائق (الاستبدال) بناء على (قانون الأواني المستطرقة) أو ما يسمى بـ (قانون سيمون ستيفن Simon Steven عالم الرياضيات الهولندي الذي يقوم على ثنائية (الجاذبية والضغط).

يبدو أن الجزء المنقوص من الكابينة الوزارية الاتحادية الذي يضم 8 وزارات سيقدم في الجلسة القادمة لمجلس النواب ، ربما سيحصل على ثقة البرلمان أم لا حسب مقدار (القناعات) التي وصلت إليها الكتل السياسية من زاوية استيفائها لحصصها من حكومة السنوات الأربع القادمة ، وكل ذلك مرهون بـ (مفاوضات الساعة الأخيرة) للكتل والأحزاب السياسية .

في سياق هذا التوجّه أود أن أشير إلى مرشّح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الذي واجه في الجولة الأولى اعتراضاً منطقياً لاستيزاره لأسباب متعددة على رأسها أنه مرشح أحد الأحزاب السياسية المتنفذة التي حكمت العراق لسنوات عديدة وكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من (حصتها) حيث هبطت مستويات الأداء فيها إلى أدنى درجاتها ولم يقدم وزرائها في تلك المرحلة إلا ما نجده متمثلاً بالمقولة العربية الشهيرة (نسمع جَعْجَعَةً ولا نرى طحينا) أو بمسرحية الكاتب الإنجليزي الشهير وليم شكسبير (ضجَّة فارغة) Much Ado About Nothing حيث تراجع أداء وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في فترة حكم ذلك الحزب في كافة مستوياتها محلياً وعربياً وعالمياً بشهادات الأكاديمين الذين واكبوا تلك المرحلة وما سجّلته مقاييس جودة الأداء العالمية.
فضلاً عن ذلك ، قد يكون مرشّح هذا الحزب لم يصل إلى مستوى قناعات أصحاب القرار لأسباب جوهرية في نظرهم أدت إلى عدم قبول ترشيحه.

لذا طرحت توجّهي في الترشيح لهذه الحقيبة الوزارية كوني كفاءة مهنية تكنوقراطية مستقلة غير منتمية لحزب أو كتلة أو تيار تحمل رصيداً من الخبرات النظرية والعملية في الميادين العلمية والأكاديمية والإدارية التي امتدت لأكثر من 38 عاماً في التعليم العالي ، إلى جانب النزاهة والاستقامة والشفافية وهو ما تؤشره الوثائق الرسمية المصدقة من المؤسسات العلمية والأكاديمية والجامعات العربية والبريطانية والأمريكية.
إلى جانب كلّ هذا فإني أحمل برنامجاً استراتيجياً علمياً وأكاديمياً نظرياً وتطبيقياً عالياً للارتقاء بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي واستثمار الثروات الفكرية للعقول العلمية والأكاديمية العراقية ، وأن يكون التصنيع من أولوياتها عن طريق توثيق العلائق وشد الارتباطات بين مراكزها البحثية والمشاريع الزراعية والهندسية والصناعية وتوفير مصادر للثروات إلى جانب الثروات النفطية.

إذن فالبناء المؤسساتي للكابينة الوزارية الاتحادية القادمة ، استناداً إلى توجيهات المرجعية الرشيدة وما يراه أصحاب القرار ، يؤكد على أن يكون الوزراء القادمون مهنيين مستقلين يعملون بالحسّ الوطني انتماءً وولاءً وليس حزبيين مقيّدين.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close