اقدم الحضارات العربية الاسلامية في التاريخ * ح 12 الحلقة الأخيرة ،

د. رضا العطار

وبعد ان خلفت اسرة الخلفاء العباسيين اسرة الخلفاء الامويين سنة 750 وانتقلت عاصمة الخلافة في دمشق في سوريا الى بغداد في العراق التي بناها المنصور الخليفة الثاني. فقد ادى انتقال العاصمة الى تغيير بعيد المدى في الاهميته. اذ حلت الافكار والثقافة السريانية المطعمة بالثقافة اليونانية اضافة الى الافكار الفارسية محل قصور الفكر العربي على الرغم من ان هذه الافكار الجديدة كانت تكتب بالاسلوب العربي المرن الرفيع وشغلت دواوين الحكومة المختلفة بموظفين من الفرس والسريان والارمن. يختلفون عن العرب كثيرا في نظام تفكيرهم.

ومهما يكن من امر فان ثقافة العرب تدين بشكل رئيسي الى الخليفة العباسي المأمون اكثر من غيره من بقية الخلفاء بالقياس الى ما كان يتمتع به من حرية الرأي وسعة الافق في تفكيره وقد جبل على حب البحث والتأمل النظري وكان يشجع دراسة فلسفة الاغريق تشجيعا حارا كما كان يشجع ترجمة مؤلفاتهم من اللغة اليونانية الى اللغة العربية تشجيعا كبيرا. وقد كان رواد هذه النهضة وقادتها العلماء السريان الذين امسكوا بناصية الترجمة والطب والعلوم. وقد لاقوا تشجيعا ومكافأة كبيرين من الخلفاء العباسيين وبخاصة الخليفة المأمون الذي كان يكافئ المترجم بثقل الكتاب المترجم ذهبا .

وقد كانت بغداد في تلك الاونة وهي في اوج عظمتها قد اجتذبت اليها العلماء من كل مكان. ولم يحدث في تاريخ هذه المدينة حركة اكثر روعة من ذلك الشغف الفجائي بالثقافة حتى غدت بغداد ارقى حضارة على وجه الارض.

فكان اساتذة الفلسفة الاسلامية يحضرون عن ارسطو وبطليموس وجالينوس وابو قراط محاضرات لم تخل من بعض التأويلات الجديدة المأخوذة عن الافلاطونية الجديدة،

فقد اصبحت اسماء هؤلاء الاساتذة مألوفة جدا عند طلبة الجامعات الاوربية في العصور الوسطى في باريس ونابولي وبولونيا.

واذا كان المنطق هو اداة ارسطو فان اللغة العربية التي كانت هي المجرى الذي سارت فيه الاداة من الامبراطورية البيزنطية الى مدينة بلخ التي فتحها الاسكندر الاكبر، ثم عادت الى اوربا التي كانت على وشك الاستيقاظ.

كان تطور المجتمع في العهد العباسي اسرع منه في العهد الاموي، مع العلم ان الترجمة والنقل بدأ في العهد الاموي ولو ببطء مما شجع على توسيع حركة الترجمة ودفعها الى الامام بحيث اطلع العلماء المسلمون في العصر العباسي على معظم الانتاج الفكري اليوناني ولا سيما الفلسفة والعلوم.

في هذا الوقت كان المسلمون قد قطعوا شوطا كبيرا في التمدن ورأوا ان حياة الحضارة لا بد ان تستند على العلم بجميع فروعه. ويرجع الفضل في ازدهار تلك الحياة الفكرية والثقافية، الى نشاط حركة النقل والترجمة، التي عني بها العلماء المسلمون وخلفائهم. وكان السريان طيلة خمسة قرون في طليعة هؤلاء المترجمين الذين كانوا من الاسباب الرئيسية التي قادت الى النهضة العلمية العربية خاصة في الطب والفلسفة.

فقد قامت الحضارة العربية بدمشق ووصلت الى اوجها في بغداد في العصر العباسي بفضل العلماء والمفكرين والاطباء والصناع والحرفيين وبفضل من ساعدهم وتعاون معهم في بناء هذه الحضارة الرائعة المنفتحة على كل التيارات الفكرية. ومما شجع على هذا الازدهار العلمي وهذه النهضة الفكرية امداد العباسيين والبرامكة هذه الحركة بالمال والعون والتشجيع ولا سيما في عهد الرشيد والمأمون حيث بلغت بغداد في عصرها الذهبي بفضل علومها ومعارفها قمة المجد واعلى حضارة على وجه الارض قاطبة.

وكان للرحلات المتبادلة بين الشرق والغرب فضل كبير في صهر مختلف التيارات والنظريات العلمية، فتطور المجتمع العباسي بقضل امتزاج الحضارات. وقد انعكس هذا التطور على حقل الصحة والفلسفة والاداب والموسيقى والكيمياء وغيرها من العلوم .. وعمّ الترف وتنوعت المطاعم والمشارب وازدهر العمران.

وقد تصاعد دور العلماء والاطباء والفلاسفة حينما ارتبطت الثقافة المسيحية بالثقافة العربية بعد ان تنامت حركة الترجمة والتأليف العربي في بيت الحكمة في بغداد في القرن التاسع للميلاد. ومن الجدير بالذكر ان المسيحيين المشرقيين في الهلال الخصيب كانوا منحدرين من اصول عربية ارامية، لذلك فان ثقافاتهم لم تتأثر كثيرا بالثقافة الفارسية.

* مقتبس من كتاب الحضارة السريانية حضارة عالمية لموسى مخول.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close