الفرق الباطنية في التاريخ الاسلامي

10- القاديانية- القسم الاول
أ.د. فرست مرعي

القاديانية جماعة دينية ظهرت في الهند أيام الاستعمار البريطاني لها، فادعى مؤسسها أنه نبي يوحى إليه من الله تعالى، وطالب الناس بالانصياع لحكم المستعمر وموالاته، ورغم تأكيدها أنها (طائفة مسلمة) فإن علماء المسلمين كفروها، لها وجود في بعض الدول الإسلامية والعربية، ولكن ميدان عملها الرئيسي في الهند وباكستان والدول الغربية.
وقد تأسست الطائفة القاديانية عام 1889م على يد زعيم ديني هندي من أصل فارسي يدعى ميرزا غلام أحمد القادياني(1839- 1908م)، نسبة إلى قرية “قاديان” في مقاطعة البنجاب التي كانت آنذاك جزءا من الهند، قبل أن تصبح ضمن دولة باكستان بعد انفصالها عن الهند عام 1947م.
ادعى ميرزا غلام أحمد النبوة وزعم أن الله تعالى أوحى إليه (الكتاب المبين)الذي يحتوي على “عشرة آلاف آية”، واعترف في الوقت نفسه – ولكن على طريقته- بأن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) “هو خاتم الأنبياء ولكنه ليس آخرهم”، كما أنه يقول إن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) كان (نبيا مشرِّعا) أما هو فـ(نبي غير مشرِّع).
كما ادعى أنه جاءه (الوحي) من الله بتأسيس جماعته لـ”تجديد الإسلام بعد ما اعتراه من جمود وإغلاق لباب الاجتهاد”، معتبرا أنه هو المسيح الموعود والإمام المهدي المنتظر ومجدِّد رأس القرن الرابع عشر الهجري. وقد وضع في شرح أفكاره عشرات المؤلفات منها كتاب “التذكرة” الذي تضمن “الوحي والإلهام” الذي ادعى هبوطه عليه من السماء.
ظهر ميرزا غلام أحمد القادياني في وقت كانت فيه الهند تشتعل بالحركات الجهادية المسلمة الثائرة ضد المستعمر الإنجليزي الذي لم يدخر جهداً في قمعها بكل الوسائل المتاحة له، ومن هنا يشير بعض المؤرخين إلى أن بروزه في مثل تلك الظروف كان له ما يبرره لدى هذا المستعمر، خاصة أنه حرَّم على المسلمين قتال الإنجليز قائلا إنهم “ولاة أمر تجب طاعتهم”.
وفي ذلك يقول في إحدى رسائله إلى الحاكم الإنجليزي في الهند سنة 1898م: ” لقد ظللت منذ حداثة سني -وقد ناهزتُ الآن الستين- أجاهد بلساني وقلمي لأصرف قلوب المسلمين إلى الإخلاص للحكومة الإنجليزية والنصح لها والعطف عليها، وأنفي فكرة الجهاد التي يدين بها بعض جُهال المسلمين، والتي تمنعهم من الإخلاص للإنجليز”.
وأضاف “أنا مؤمن بأنه كلما كثر عدد أتباعي قلَّ شأن الجهاد، إذ يلزم من الإيمان بي وبأني مسيح أو مهدي إنكار الجهاد، وقد ألفت كثيراً في تحريم الجهاد ضد الإنجليز الذين أحسنوا إلينا، والذين تجب علينا طاعتهم بكل إخلاص”.
وبينما يشير مؤرخون إلى وجود “رابطة قوية” تجاريا وسياسيا تجمع بين أسرة القادياني والاستعمار البريطاني في الهند؛ يعلل أتباعه هو موقفه هذا من المستعمر بأن الإنجليز “أنقذوا المسلمين من اضطهاد السيخ الذين كانوا يمنعونهم من ممارسة دينهم، ووفروا لهم الحرية الدينية الكاملة، والحرب باسم الدين إنما تكون ضد من يمنع المسلمين من أن يقولوا ربنا الله، أو يمنعهم من أن يقوموا بشعائرهم الدينية”.
يعتقد القاديانيون أن مدينة قاديان هي “مهبط الوحي” على ميرزا غلام أحمد، ويقدسونها كما يقدس المسلمون مكة المكرمة والمدينة المنورة فيشدون إليها الرحال من جميع أرجاء العالم، إذ يؤمنون بأن المسيح عيسى (عليه السلام) هاجر إليها وعاش في ربوعها حتى جاوز الثمانين، ثم ذهب إلى كشمير ليعلِّم الإنجيل، وبقي هناك حتى “توفي” فدُفن في عاصمتها سرينغار.
وشخصية مؤسس الفرقة ميرزا غلام أحمد، وكتاباته وتعاليمه، هي في أقل تقدير شخصية مثيرة للجدل، فهو قدّم نفسه على أنّه المصلح المجدّد والإمام المهدي والمسيح الموعود، وموحّد الأديان، ورابع الأربعة بعد كريشنا (أحد آلهة الحضارة الهندية الكبار) وعيسى ومحمّد، وكل هذا من دون أن ينطلق من تربة دينية ثقافية شيعية، وإنّما في الأساس، سنّية. استعان ميرزا غلام أحمد بمقولة “الأفاتار” الشائعة في الهندوسية، وحيث يمكن لشخصية ربانية أن تكون “مثيلة”، أي منسوجة على مثال شخصية ربانية أخرى، ليطبقها على الإسلام، أو ليجرّب من خلالها توحيد الديانات الكبرى. اعتبر أن آية “لقد بعثنا في كل أمة رسولاً” تتسع للشخصية الإلهية الهندوسية كريشنا، مثلما تتسع للمسيح والنبي محمد وله. ذكر في كتابه “إزالة الأوهام” أن “المسيح الموعود هو مثيل لكريشنا”، وكلما ذكر كريشنا في كتاباته أعقبها بـ”عليه السلام”.
وتحرِّم تعاليم القاديانية على أتباعها الصلاة في مساجد المسلمين، وتمنع دفن المسلمين في مقابر القاديانيين، وتحظر زواج القاديانيات من رجالهم، وذلك بدعوى كفر من لم يؤمن بـ”نبوة” زعيمهم ميرزا غلام أحمد القادياني.
وقد دار حول القاديانية -التي تسمي نفسها “الجماعة الإسلامية الأحمدية”- منذ تأسيسها جدل كبير، لاسيما أنها برزت في عهد الاستعمار البريطاني لشبه القارة الهندية ودعت لعدم التصدي له، وذلك في تناقض مع روح وتعاليم الدين الإسلامي الذي يرفض الخضوع للمعتدين المحتلين، ويحث على الشهادة في سبيل الدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة.
وفي حين يدّعي القاديانيون أنهم فرقة من فرق المسلمين تختلف في بعض الفروع عن غيرها، فإن علماء العالم الإسلامي وهيئاته الفقهية (مثل مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة التابع لمنظمة العالم الإسلامي)؛ أصدروا فتاوى عديدة نصت على أن أتباع هذا المذهب “خارجون عن الإسلام”.
ومن أبرز الشخصيات السياسية القاديانية (حبيب الله شاه) الذي عينه الإنكليز حاكما على العراق إثر احتلالهم له بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، و(ظفر الله خان) الذي كان أول وزير خارجية لباكستان عند إعلان قيامها، وأقيل عام 1954م إثر احتجاجات طالبت بتنحيه عن منصبه وسقط فيها عشرات الآلاف من القتلى.
تتخذ القاديانية من العاصمة البريطانية لندن مقراً رئيسياً لها، حيث يجتمع فيها كل عام عشرات الألوف من أتباعها قادمين من مختلف أنحاء العالم، فيما يشبه كرنفالاً ضخماً أو موسم حج جامع، ويرددون أثناء اجتماعهم -الذي يستغرق بضعة أيام- ابتهالات وتضرعات بشكل متواصل، ويستمعون إلى مواعظ وإرشادات من علماء الجماعة ودعاتها.
ويشكل هذا اللقاء السنوي فرصة للالتقاء وتقويم مسيرة “الدعوة” على امتداد عام كامل، وفي اليوم الأخير يتجمع الحاضرون في باحة واحدة ويجددون “البيعة على الطاعة المطلقة لخليفة الجماعة”. ويتعهدون بمواصلة نشر دعوتهم وخدمتها بسلسلة كبيرة من المؤسسات التعليمية والصحية والتجارية.
ولنشر دعوتها عبر مختلف أنحاء العالم أنشأت الجماعة القاديانية -خلال تسعينيات القرن العشرين- أول قناة تليفزيونية “إسلامية” تبث برامج ذات طابع ديني على مدار الساعة، وبأكثر من 15 لغة عالمية من بينها اللغة العربية، وتغطي جميع أقطار العالم.
وقد أثار ترخيص الحكومة البريطانية لهذه القناة – في حين رفضت ترخيص قنوات لجهات إسلامية أخرى- علامة استفهام كبيرة لدى الجالية المسلمة في بريطانيا بشأن أهداف الجماعة وعلاقتها بحكومة لندن.
ورغم الإمكانيات المادية الضخمة التي سخرتها القاديانية لنشر مذهبها فإن وجودها يبقى محدوداً في العالمين العربي والإسلامي، ولذا اتجهت خلال العقود الأخيرة إلى تركيز دعوتها في دول الغرب عبر ما تبثه قناتها من برامج، ومن خلال المراكز والمعابد التي تمولها في مختلف العواصم الغربية، وامتداد نفوذها إلى دوائر صنع القرار الكبرى في الدول الغربية.
لكن أتباع فروعها في الدول الإسلامية لا تزال علاقتهم بالأغلبية الإسلامية من حولهم تثير الكثير من التوجس والريبة اللذين يتجليان أحيانا في توتر العلاقة مع السلطات القائمة، أو في أحداث عنف مجتمعي يسقط فيها مئات الأشخاص بين قتيل وجريح.
تعتبر الجماعة الاحمدية القاديانية من أكثر الفرق اثارة للجدل على الساحة الاسلامية، وقد سبق وأعلن البرلمان الباكستاني عام 1974م أنها جماعة غير مسلمة كما رفضتها منظمة المؤتمر الاسلامي بكل تياراتها من سنة وشيعة.
ومركز هذه الطائفة يقع في منطقة تسمى الربوة في باكستان الحالية، وبعد استقلال الهند وباكستان عن بريطانيا انتقل العلامة( أبو الاعلى المودودي) الى باكستان حيث وصم هذه الطائفة بالكفر، وارتفع شأن هذه الطائفة في باكستان بعد الاستقلال حيث كان تبوأ أحد كبار الشخصيات القاديانية( ظفر الله خان) منصب أول وزير خارجية باكستاني ، وفي عهده امتلأت وزارة الخارجية بأعضاء هذه الطائفة.
وكان البرلمان الباكستاني قد أصدر في عهد رئيس الوزراء الاسبق (ذو الفقار على بوتو) قرارا باعتبار الاحمدية دينا خاصا كالهندوسية وبالتالي لم يعد أتباعه في نظر السلطات الباكستانية من المسلمين، ومن توابع ذلك القرار أن رفضت السعودية منذ ذلك العام أداءهم مناسك الحج باعتبارهم من غير المسلمين.
والقاديانية نحلة باطنية غالية ظهرت في نطاق الاسلام وعاشت في كنفه واعتمدت مبادئه وعملت باسمه ورفعت شعاراتت وتحركت في ضوء أسسه ومقوماته مستهدفة محاربته مسترة هذه المحاربة بستار الدفاع عن الاسلام بحمل اسمه والتظاهر بشعاراته وشعائره.
والقاديانية كغيرها من الفرق الغالية اعتمدت القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وظل مؤسسها (=غلام ميرزا أحمد القادياني) بأهدابهما متشبثاً بهما حتى آخر يوم في حياته، وقد استعمل التأويل في سبيل استثماره لتأويل الآيات القرآنية والاحاديث النبوية بشكل يبرر حركته ويؤكد صحتها، كما استعمل الحلول والتناسخ ليصعد بهما الى المرتبات العالية في مغالاته، فبواسطة الحلول أحلَ روح الله فيه وصعد بها الى الملكوت الاعلى فغاص في الذات الالهية وبرز عنه سبحانه وتعالى اليها في الارض وراح ينهل من علم الله وأسراره ما شاء له خياله وكشف عن الله وذاته وراح يتحدث عن أسرار الكون وأخبار الغيب بشكل لم يدعيه من قبل نبي أو ولي.
والميرزا لم يصعد الى ما صعد اليه طفرةً واحدةً إنما مشى الى ذلك عبر طرق وعرة طويلة وخلال معارك عنيفة ومخاض شاقٍ عسيرٍ رتب خطواته وأعد فصوله ومراحله بدقة واحكام مع أسياده الانكليز.
ولد مرزا غلام أحمد القادياني في قرية قاديان من أعمال البنجاب في الهند سنة 1250هـ/1835م وهناك خلاف حول تاريخ مولده  حيث قال في كتابه البرية أنه ولد عام1839أو1840م وأدرج ضمن نبوءاته أنه يموت في سن يكون قد تجاوز فيها الثمانين، وتاريخ وفاته معلوم، وقد رأى القاديانيون أنهم قد وقعوا في حرج مجابهة الجماهير الذين أدركوا كذبه بعد وفاته وهو لم يبلغ السبعين من عمره، فأراد القاديانيون أن يتلاعبوا بتاريخ مولده، ولقد وقعت المحاولة الأولى من الخليفة الثاني للقاديانية ، حيث ذهب إلى أنه ولد سنة 1837م، وهناك محاولة أخرى إلى أنه ولد سنة 1835م ثم كانت المحاولة الأخيرة التي ذهبت إلى أنه ولد1831م  ولكنه سجل تاريخ ولادته عام 1839م أو1840م.
وهو ينحدر من أسرة من الفرس هاجرت إلى الهند إبان الدولة المغولية وقد حضر أجداده من سمرقند واستوطنوا في البنجاب حيث اقتطع لهم الإمبراطور المغولي (بابر) عدداً من القرى والضياع.
وكان والداه غلام أحمد متعاونًا مع الاحتلال الإنجليزي الذي فرض سيطرته تلك الأيام على شبه القارة الهندية،  وقدم والداه فرقة مؤلفة من خمسين فارساً لمساعدة الحكومة الإنجليزية في الثورة التي قام بها المسلمون ضد الاحتلال البريطاني عام1857م، وتلقى على ذلك رسائل شكر وتقدير من رجال الحكومة.
وحين استولى السيخ على مقاطعة البنجاب وما جاورها من البلاد بعد التفكك الذي أصاب الحكم المغولي الإسلامي في تلك البلاد أعملوا فيها أيدي السلب والنهب، وساندت أسرته  حكم السيخ الطغاة فطلب( المهراجا رانجيت سينغ) مؤسس دولة السيخ عودته إلى قاديان.
وعرفت أسرة غلام أحمد القادياني بالولاء والإخلاص للإنكليز المستعمرين، ووقوفها ضد المسلمين في الهند، وقد ذكر هذا غلام أحمد وتفاخر به، فقال: “لقد أقرت الحكومة بأن أسرتي في مقدمة الأسر التي عرفت في الهند بالنصح والإخلاص للحكومة الإنكليزية، ودلت الوثائق التاريخية على أن والدي وأسرتي كانوا من كبار المخلصين لهذه الحكومة من أول عهدها، وصدّق ذلك الموظفون الإنكليز الكبار، وقد قدم والدي فرقة مؤلفة من خمسين فارساً لمساعدة الحكومة الإنكليزية في ثورة عام 1857 م، وتلقى على ذلك رسائل شكر وتقدير من رجال الحكومة، وكان أخي الأكبر \”غلام قادر\” بجوار الإنكليز على جبهة من جبهات حرب الثورة”.
وقد تعلم الميرزا أحمد في صغره بعض الكتب العربية والفارسية وتعلم الصرف والنحو  وبعدها عمل في محكمة حاكم المديرية في مدينة سيالكوت بمرتب يساوي خمس عشرة روبية، وبقي على ذلك أربع سنوات من عام1864إلى عام1868م واستقال من هذه الوظيفة عام1868م، وشارك والده في المحاكمات،

هيأ غلام أحمد نفسه ليكون ذائع الصيت، وبدأ يؤلف كتاباً كبيراً في فضل الإسلام وإعجاز القرآن وإثبات النبوة، وسماه (براهين أحمدية) وذلك سنة 1879 م وذكر فيه من المنامات والإلهامات والتكليمات الإلهية والإلهامات والخوارق والكشوف الشيء الكثير. وهذا الذي أكسبه سمعة وصيتاً بين المسلمين لأنه تصدى لأمر شغل بال المسلمين الذين كثر التحدي لهم من قبل القساوسة والهنادكة وطعنهم بالإسلام والقرآن ونبـي الإسلام. 

إلا أن بعض العلماء خشي أن يكون مؤلف الكتاب أي غلام أحمد مدعياً للنبوة وذلك لكثرة ما أورد فيه من إلهامات وكشوفات، ومن هؤلاء بعض علماء أهل الحديث في منطقة (أمرتسار)” وكتبوا عن ذلك ناقدين في مجلة (إشاعة السنة) وما خاب ظنهم!. 
 وفي هذا الوقت بدأت دعوته التي مرت بعدة مراحل: 
الاولى: وتمتد هذه المرحلة ما بين عامي 1880 -1888م وقد كان في هذه المرحلة مناظراً عادياً يدعو إلى الإسلام، ويحرص على أن يوضح أن كل عقيدة من عقائده موافقة لعقائد أهل الإسلام، وكان المسلمون يرصدون ما يقوله المرزا وخاصة ما كان يقوله عن نفسه أنه أفضل أولياء الأمة ، لكنه كان يعود فيطمئنهم ويلطف غضبهم، ويحاول تأويل أقواله لإقناعهم بصحة عقائده.
الثانية: في سنة1888م دعا المسلمين إلى بيعته، وبدأ منذ أوائل 1889م يأخذ البيعة منهم على أنه مجدد العصر ومأمور من عند الله تعالى. 
الثالثة: في سنة 1891م أعلن أن المسيح قد مات وادعى أنه هو المسيح الموعود والمهدي المعهود مما أقلق عامة المسلمين وأقامهم وأقعدهم. وبعد ذلك صار ينتقل في المقاطعات والمدن الهندية يدعو إلى نحلته وعقيدته الجديدة.
الرابعة: في سنة 1900م بدأ الخواص من أتباع المرزا يلقبونه بالنبي صراحة، وينزلونه المنزلة السامية التي قد خصها القرآن بالأنبياء، أما المرزا فقد كان يصدقهم تارة ويحاول أخرى إقناع الذين كانوا مترددين في الإيمان بنبوته بتأويل نبوته بكلمات”النبي الناقص”أو “النبي الجزئي” أو “النبي المحدث” مثلاً.
الخامسة: في سنة 1901م أعلن الميرزا بوجه سافر أنه النبي والرسول، ولم يعد في أكثر كتاباته يقيد نبوته ورسالته بكلمات النقص أو الجزئية أو المحدثية.
السادسة: في سنة1904م ادعى الميرزا فيها أنه كرشن، وكرشن هذا معبود من معبودي الهندوسيين ، يعتقدون فيه ما يعتقد المسلمون في الله عز وجل.
وتوفي في مدينة لاهور يوم 23 من ربيع الثاني 1326هـ الموافق 25 مايو/ايار عام 1908م، عن عمر ناهز 69عام، ثم نقلت جثته الى قاديان ودفن فيها.
فخلفه الحكيم نور الدين، وهو الذي اقترح على الغلام القادياني الادعاء بأنه المسيح الموعود الذي أخبرت عنه الأحاديث النبوية بنزوله آخر الزمان وبويع بالخلافة بعد وفاه الغلام أحمد القادياني، ولقب بالخليفة الأول.
واستمر بالخلافة إلى أن توفي في 13مارس 1914م؛ وبوفاته انقسمت الطائفة  إلى فرقتين وكلتاهما تتسميان بالأحمديّة، إلا أنّ أصحاب إحدى هاتين الشعبتين انتسبوا إلى اسم مؤسس الجماعة، فتسمّوا بالأحمدية، والآخرون انتسبوا إلى بلده.
الأولى: الجماعة الاحمدية اللاهورية، وهي بزعامة محمد علي اللاهوري.
وانقسم أصحاب هذه الفرقة عن الجماعة الأم بسبب قولهم خلافات في العقائد أثارها الميرزا بشير الدين نجل الميرزا غلام أحمد المؤسس، بادّعائه أنّ والده نبيّ،  فقام مولانا محمد علي بترك  الجماعة وأسس الجماعة  الأحمديّة بلاهور عاصمة بنجاب الهندية، وتولّى رئاستها  وشدد على أنّهم لا ينكرون الإلهامات الإلهيّة للميرزا غلام أحمد، ويذكرون أنّ ما أُثر عنه صراحة في دعواها، إنّما هيَ تعبيرات مجازية، ومع ذلك يطلقون عليه ألقاب مثل  مجدد القرن الرابع عشر الهجري، والمسيح الموعود. 
الثانية: جماعة الأحمديّة القاديانيّة الثانية: الجماعة القاديانيّة، وهي بزعامة الميرزا بشير الدين محمود.
 وتتبع هذه  الجماعة الميرزا بشير الدين محمود ويتشبثون بقوّة وصراحة بعقيدة نبوّة الميرزا غلام أحمد، و يدافعون عن هذه العقيدة بحماسة، بلا مواربة ولا تأويل.

تتفق كلتا الجماعتين في العديد من الأمور وتختلف في بعضها، ومن مظاهر الاتفاق والاختلاف بينهما ما يلي: 
1- يتفقان على إلهام ووحي الميرزا – المدّعى به، ويعتبرونه حجّةً شرعيّة يجب إتباعها، ويصدّقون بكل ما جاء به الميرزا من هذا القبيل.
2- الأحمديّة اللاهورية وإنْ كانت تُصرّح بأنّها لا ترى الميرزا نبيّاً بل مجدداً، إلا أنّها تعني من لفظ (المجدد) عين ما تقصد به جماعة بشير الدين محمود من لفظ (النبي). 
3- الأحمديّة اللاهورية يعتبرون  أنفسهم مسلمين يؤمنون بالقرآن وبأركان الإيمان جميعها: بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والحساب وبأركان الإسلام كلها، وبأن من غيّر شيئًا فيها فقد خرج من الدين 
4- الأحمدية اللاهورية يعتبرون  ميرزا غلام أحمد مبعوثًا من الله سبحانه وتعالى، مثيلاً لعيسى عليه السلام ليضع الحروب الدينية، مُديناً ومستنكراً سفك الدماء، معيداً أسس الأخلاق والعدالة والسلام إلى العالم، ويؤمنون بأنه سيخلص الإسلام من الأفكار والممارسات المتعصبة، ليعيده إلى شكله الحقيقي كما كان في عهد النبي محمد.
5- ترى الجماعتين “الأحمديّة اللاهورية القاديانيّة “أنفسهم مسلمين ويمارسون الدين الإسلامي على شكله الأصلي. ومع ذلك على الرغم  من أن بعض المعتقدات الأحمدية تعتبر مخالفةً للفكر الإسلامي التقليدي.
6- ترى الأحمديّة القاديانيّة أن القادياني أفضل من كثير من الأنبياء، بل أفضل من بعض أولي العزم من الرسل وهو ما ترفضه الأحمديّة اللاهورية.
7- الادَّعاء من الأحمديّة القاديانيّة أن أحمد القادياني هو النبي محمد، وهو مصداق قول الله : {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6] وهو ما ترفضه  الأحمديّة اللاهورية
8- ترى الجماعتان “الأحمديّة اللاهورية والقاديانيّة “وفاة السيد المسيح   ميتة عادية، فلم يُقتل ولم يُصلب، لكنه هو الذي عُلِّق على الصليب وأنجاه الله من الموت عليه، فأُنْـزِل وهو حيٌّ مغشي عليه، ثم هاجر ولسنين أخرى. كما جاء في دعوى الصلب في القرآن الكريم :”وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.” (القرآن الكريم سورة النساء 157-158)، وأنه  لا يُسمى مصلوبًا إلا من مات صلبًا، ومن ثم فإن قول الله “شبه لهم” معناه شبه لهم صلبه، أي اشتبه عليهم أنه قد مات على الصليب، وليس معناه شُبه لهم شخص آخر كما أن المقصود بنـزوله هو مجيء شخص شبيه به من الأمة الإسلامية وهم الغلام أحمد .
9- تؤمن الجماعتين “الأحمديّة اللاهورية والقاديانيّة ” بالجهاد بشكله السلمي  وان الجهاد القتالي هو الذى شرعه الله ردًا لعدوان المعتدين، وليس انتقامًا من أهل الأرض غير المسلمين، فمن سالَمَهم سالَموه ومن حارَبَهم حارَبوه. 
10- تؤمن  الجماعتان بأن الإسلام يكفل الحرية الدينية، وأنه نصّ على أن “لا إكراه في الدين”، فلا يُقتل إلا المرتد المحارب. 
11- تعتقد الجماعتان “الأحمديّة اللاهورية والقاديانيّة” أن مؤسس جماعتهم هو “الإمام المهدي”، جاء مجددًا للدين الإسلامي، ومعنى التجديد عندهم هو إزالة ما تراكم على الدين من غبار عبر القرون، ليعيده ناصعًا نقيًا كما جاء به محمد رسول الإسلام الذي يؤمنون بأنه “عبد الله ورسوله وخاتم النبيين”.
12- تعتقد الجماعتان أن خاتم النبيين” تعني  أكمل النبيين وأعلاهم منزلة وفي الوقت نفسه تعني آخرهم، وكمالُ نبوة رسول الإسلام محمد يقتضي أن يصل تلامذته مستويات روحانية أعلى مما وصلته الأمم السابقة. 
13- تعتقد الجماعتان أن مجيء ميرزا غلام أحمد قد بشر به محمد ونبوءات أخرى في مختلف الأديان، وأنه هو المسيح المنتظر.
وبوفاة الحكيم نور الدين خلفه في القيادة (بشير الدين محمود) ابن مؤسس الأحمدية، وبقي في منصبه حتى وفاته عام 1965م، ثم خلفه الميرزا ناصر أحمد المتوفي عام 1982م، ثم تلاه الميرزا طاهر أحمد، الذي تُوفي هو الآخر،  وانتخبت الجماعة (مسرور أحمد) المقيم في لندن زعيمًا لها ولا يزال.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close