الواقع والمواقع!!

ما يدور في الواقع لا يتفق وما تثيره المواقع الإعلامية والتواصلية المتنوعة , فالواقع يتكلم بلغة ذات أبجديات قاهرة والمواقع تصدح بلغات ذات أبجديات ساخرة , وكأن المجتمع صار عمله ومسؤوليته أن يكتب في المواقع وحسب.

الواقع يعج بالكوارث والتداعيات والفساد والإضطرابات السلوكية المضرة بالبلاد والعباد , والناس همها التدوين في المواقع , وما أثرت المواقع في الواقع , بل زادته تدهورا وتعقيدا وتدميرا وتقهقرا , فالمهم أن المواطن يكتب في المواقع , وليكن الواقع مادته الدسمة المحفزة على السخرية منه والإستهزاء به.

وفي هذا السلوك يبخس الناس أنفسهم ويستلطفون إمتهانهم والإستهانة بهم , ومصادرة حقوقهم وسرقة ثرواتهم والمتاجرة بدمائهم وأرواحهم , ذلك أن المواقع يمكنها أن تكون قوة فعالة ومؤثرة في الواقع , وهذا يتأتى من وجود نظام حكم وطني غيور على الشعب والوطن , ويؤكد مصالحهما معا , وبغياب الحكومات الوطنية الغيورة تتحول المواقع إلى منابر للضحك على الذات والموضوع.

ففي المجتمعات القويمة التي أوجدت حكومات وطنية يكون للكلمة في المواقع وقعها ودويها وتأثيرها الكبير , إذ قد تُسقط حكومات وتزيح مسؤولين من مناصبهم لإخلالهم بشرف المسؤولية , وعندنا التصريحات بالفساد والرشاوى وسرقة الأموال على قدم وساق , ولا شيئ سوى الإستنكار المزعوم , والمحاباة تدوم , والفاسد يزداد فسادا , والراشي يجد نفسه في زحمة المرتشين المتلهفين للأخذ الحرام.

فما يدور في المواقع لا يؤثر في الواقع , وإنما يزيده إصرارا على الإنحراف والإمتهان والإستئثار والإستحواذ , والإمعان بقهر المواطنين بالحاجات وحرمانهم من أسباب العيش البسيطة التي يحظى بها الحيوان.

والعلة تتأكد في فقدان الكلمة لقيمتها ودورها في حياة الناس , وإنتشار الكذب والغش والرياء والمحسوبية , والإيمان الكبير بالفساد كمذهب ودين , وأنه من مقومات سلوك العيش السمين.

وقد لعبت العمائم واللحى دورها في تعزيز السلوكيات الخالية من العمل الإيجابي , وذلك بأسر الناس بالمشاعر البغضاوية والفئوية والطائفية والعنصرية , لكي تربح تجارتهم ويكون البشر بضاعتهم التي يبيعونها ويقبضون أثمانها.

كما أن أصحاب الكراسي الممنوحة بالوكالة والمحمية والمؤكدة لمصالح الآخرين , لهم دورهم الفتاك في تجريد الحياة من قيمة الكلمة وأهميتها , وصار ديدنهم القوة فهي الناطق الرسمي بالفعل والتفاعل وما عداها هذربة وهراء.

فالقوة بمصادرها ومقوماتها هي المذهب والدين والحزب والعقيدة والرب والكتاب المبين!!

والمواقع قواقع والواقع صاعق وسائق!!

د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close