أقلام وأوهام!!

أقلامنا تكتب منذ أكثر من عقدٍ ونصف , وما أنجزت إلا المزيد من الفساد والخوف والإملاق وتكرار الوجوه , التي ننتقدها ونهاجمها ونتهمها , وربما نعتدي عليها بأقوالنا وألسنتنا وما تخطه أقلامنا , ونؤيدها ونصفق لها وننتخبها , فسلوكنا معها وأقلامنا عليها , وتلك حقيقة ما يدور في واقعنا الذي ندّعي بأنه وخيم وثقيل ومجحف وفاسد وظلوم.
ونحن الفاسدون الظالمون المستلطفون للقسوة علينا والمدّعون بغير ذلك , ولهذا فأن كتاباتنا إفتراءات وهذيانات وأكاذيب وعدوان على الذات والموضوع.
كتاباتنا مخجلة , متكررة , تعج بالنفاق والتضليل والدجل , ومعظمها تميل حيث ما تميل الرياح , وتتواجد الموائد والعطايا والهدايا والتمويلات والإكراميات والتمجيد بالألقاب والتسويقات المجحفة , التي تريد أبواقا وأعوانا ومروجين للجور والطغيان.
كتاباتنا ربما أضرت أكثر مما نفعت , وعززت ما هو مرفوض , وأحقت الباطل وأزهقت الحق , وأوهمت الظالم بالعدل , والفاسد بالصلاح , وجعلت من الرذائل فضائل ومن المنكر معروف , وتوّجت كل قبيح بجميل , وكل عمامة بدين , وكل لحية برأي قويم.
كتاباتنا عدوان علينا وعلى قيمنا وتقاليدنا وأخلاقنا وهويتنا وعروبتنا وديننا , ووطننا وحريتنا وكرامتنا , وإجهاض لمسيرتنا وتشويه لتأريخنا , وهجوم سافر ساحق على وجودنا وجوهر كينونتنا.
فالعروبة عدونا , والوطن غريمنا , والمواطنة نقمتنا , والتبعية ديننا ومذهبنا , والإخلال بشرف الوطن منهجنا , وأقلامنا تشيد بالخنوع وتمجد الركض وراء الطامع فينا والمدمر لذاتنا , والمناوئ لأجيالنا , وما نستطيع فعله أن نكتب , ونملأ الصفحات بالهذيانات والتبريرات والتسويغات والتعليلات المريضة المشيرة إلى عاهات في الصدور والرؤوس , وكل قلم يغني على ليلاه الذي لا يعرفها ولا تعرفه.
وبهذا السلوك المتواصل المتكرر فقدت الكلمة دورها وقيمتها ومعناها وأثرها , وصار كل ما يُكتب ” مجرد كلام” , وكأنه مكتوب على وجه الماء , والبعض يراه من آليات التنفيس والترويح والتفريغ والتوهم بأن الكتابة العمل أو غاية العمل.
بل أن ما نكتبه تذمري تنفيرى تيئيسي تسويغي , ويميل إلى تعطيل الفعل وتفريغ القدرات من طاقاتها ومنطلقاتها , وإعتبارها هراء.
وعليه فأن الكتابة لا تنفع , ولن تغير من الحال , ولن تفيد الوطن والمواطن , ولن تبدّل الأحوال , ولا تؤثر في الواقع , بل ستزيده سوءً على سوء وفسادا على فساد , وما تمكنت من الرقي بتوفير أبسط الحاجات الأساسية التي يتمتع بها أبناء المجتمعات الفقيرة في أفريقسا وآسيا , بل أن البلاد من أفسد بلدان الدنيا , وأعلاها بطالة وأمية وخرابا ودمارا , وفقرا ومرضا , وإستهتارا بالبشر الحيران.
فهل تنفع الأقلام في بلدٍ تقبض على مصيره الأوثان؟!!
د-صادق السامرائي

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close