لغتنا العربية: مفردة لغوية احدثت لغطا اثناء مراسيم عقد قرأن!

بقلم : د. رضا العطار

تلقيت حديثا من صديق قديم، وهو طبيب عراقي، دعوة لحضور عقد قران لكريمته، على شاب مهذب، اتفقا ان يتزوجا. وعندما وصلت داره الكائنة في احدى ضواحي واشنطن الجميلة في الوقت المحدد، وجدته مكتظا بالمدعوين، كلهم عراقيون امريكان، فمنهم الطبيب والمهندس واصحاب حرف مختلفة، كما كان من بينهم عدد من المسنين المتقاعدين، كنت انا احدهم، كان الضيوف كالعادة يتبادلون عبارات المجاملة واحداث النهار واخبارالطقس بعد لفظة (الله بالخير). كان بعضهم لا يزال يتكلم اللهجة العراقية بسلاسة، والبعض الاخر يمزج بين العربية والانكليزية، او ينطق بالانكليزية فقط بسبب طول غيابه عن الوطن الام.

وبعد دقائق معدودة، دخل رجل الدين المرتقب في زيًه المألوف وهو عربي من اصول سورية وحيًا الحضور بادب جم، وقبل ان يجلس، دُعي الى غرفة العروس، ليقوم بأنجاز مراسيم عقد القران – – ولكن لم يكن في الحسبان ان يطيل الشيخ مكوثه في صالة الحريم اكثر من الوقت المألوف، حتى تجاوز مكوثه الساعة، عندئذ بدأ التململُ يدُبً في نفوس الحاضرين، ينظر احدهم الى الاخر ويتسائل عن سبب التاخير، وقد طال الانتظار، ولما وصل الامر لحد الأستياء والتضجور ، قام بعضهم وغادر، بعد ان ابدى العذر المبرر لصاحب الدار، دون ان يحظوا بجفية او حامض حلو ولا شربت.

ولما بلغ السيف الزبى جاء والد العروس اليً باديا قلقه وهمس في اذني قائلا :

(عندنا مشكلة مستعصية ! ماذا لو تفضلت وحاولت الحل ؟ )- فقمت في الحال وهممت بالدخول الى قسم النساء لأستجلي واقع الامر، فطرق سمعي سجالا حادا، يدور بين الشيخ الهادئ والعروسة الغاضبة، وسط جو متشنج – – الشيخ يصر على ذكر النص الوارد في متن عقد القِران، والفتاة ترفض لفظ احدى مفردات هذا النص.

سمعتها تخاطب امها قائلة : ماما ! انا ما اسمح للشيخ، هذا الرجل الغريب، ان يجلس امامي ويردد لفظة : انكحكِ، انكحكِ، شنو اني هايشة ماعندي كرامة ؟

أفليست هذه اللفظة إستهانة بشخصية المرأة ؟

ثم توجهت البنت الى الشيخ قائلة : لعلمك اني مولودة في الولايات المتحدة وليس في الجزيرة العربية، عبارتك هذه لا تروق لي، بل تخدش كبريائي، انها كانت تقال في مجتمع بدوي متخلف قبل الف سنة، لكن لا تقال في مجتمع متحضر، العبارة يجب ان تكون مهذبة حتى تحظى بالقبول.

ولما احست الفتاة بان كلامها يذهب ادراج الريح، و الشيخ مُصر على رأيه، التفتت الى والدها وقالت : بابا داتشوف الوضعية شلون ! فاذا الشيخ بقى متعنت، اني مبطلة و رافضه هذا الزواج !

فهنا تازم الموقف وتوتر، وشاع الهلع بين افراد العائلة، واصبح الاب في موقف حرج، فنظر إليً نظرة حيرة في اشارة منه للتحرك – – فهنا استأذنت الشيخ و طلبت منه ان يتبعني الى غرفة جانبية، وهناك شرحت له الوضعية، مؤكدا له ان ما سمعه من الفتاة هو رأي اغلب النساء العربيات في الغرب، خاصة العراقية منهن. فالمرونة ضرورية، خاصة في مثل هذه الحالة، حتى كتاب الله المجيد ـ كما تعلم ـ يؤكد ان لكل زمان جيله، وان ديننا الحنيف هو مع التطور، لا مع الجمود.

فحار الشيخ وقال : شو العمل يا حكيم ؟ قلت له: المسئلة بسيطة يا معلم . .

كل ما هناك ان نستبدل كلمة (انكحكِ) بكلمة (ازوًجكِ)، صحيح اننا ننتهك عرض النص، لكن المعنى يبقى هو . . ولعلمك ان نصف الضيوف قد ترك الدار بعد ان ذاقوا ذرعا بمر الانتظار، وبعد لحظة من التأمل قال الشيخ : معلش صار. فشكرته على استجابته، ثم خرجت الى صالة الاستقبال لأبلغ الحضور بانتهاء (المحنة)، وسط اصداء هلاهل النساء.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close