هل ائتمنتم على أنفسكم أيها السياسيون العراقيون؟

جواد وادي
تقودنا التجارب العديدة اليوم وعبر حقب زمنية غابرة من خلال محطات لا حصر لها، أن الشيء الوحيد الذي لا أمان منه وفيه، هو السياسة وما يلازمها من أطماع ومغريات وغياب التعقل والحكمة وبعد النظر وشم رائحة المخاطر قبل وقوعها، ما أن يتبوأ السياسي ذو الأهداف البعيدة عن روح المواطنة الحقيقية، سدة القرار ويمتلك أدوات التحكم بمفاصل الدولة أو حتى المنصب الأقل أهمية مقارنة بالمناصب الكبرى وذات الأهمية وسلطة القرار التي تحول القادم الجديد الى مجرد مخلوق محشور في حيز واحد دون غيره من المواهب الإنسانية الأخرى، على افتراض أن السياسي ينبغي أن يوظف كافة إمكاناته الفكرية والنفسية والإنسانية وخبرته في اقتناص دقائق ما يحدث وتوظيفها لدعم سلطته، خدمة لمن ائتمنوه ومنحوه ثقتهم في التغيير الحقيقي نحو تحقيق الأهداف الوطنية والشعبية، هذا اذا كان يحتكم على دربة القيادة بوعي متميز وتكوين عال ووطنية صادقة تؤهله القيام بمهامه ومسؤولياته بأنجح الطرق بعيدا عن تغليب العنصر الذاتي والنفعي وتسخير الحكم لصالحه ومن يدور في فلكه، وإدارة ظهره لمن كان السبب في تبوئه لهذا المنصب.
نقتطف هنا اهم الصفات التي ينبغي ان تتوفر لدى السياسي الناجح الذي يقوم بمهمته على أكمل وجه للوصول الى النتائج المتوخاة التي من شانها ان تمنحه ثقة المواطن وان نطلق عليه السياسي الوطني النزيه والقائد الفذ بمواصفات قيادية تحسب له إذا أراد أن يكسب ثقة ناخبيه ويخلّد اسمه ضمن لائحة القادة الوطنيين الاحرار. وهم القلة.
أن تكون لديه الموهبة، أي أن الفكر والفهم السياسي موهبة، وهذا لا يمنع أن يصقل موهبته جيداً.
أن يكون صريح وواضح يعبر عن وجهة نظره بشكل رصين ومؤثر وبكل جرأة.
لا يجب على الشخص السياسي أن يتحدث كثيراً، وعليه أن يستمع جيداً ويستوعب وجهات النظر المختلفة وأن يختار الوقت المناسب ليعبر عن وجهة نظره شخصيا.
يجب أن يكون متواضعاً، تواضع طبيعي وليس مفتعل.
أن يكون قريبا من نبض الشارع، فالسياسي يعبر عن أراء الناس، وبالتالي يجب أن يكون لصيقا بالمواطنين.
أن يكون واثقا من نفسه.
السياسي لا يتأثر برأي الآخرين بسهولة، وأن يجتهد ليقنع الآخرين بوجهة نظره.
السياسي شخص صبور وغير انفعالي.
ينبغي أن يكون قوي الشخصية.
أن يكون صاحب كلمة قوية ومؤثرة في المجتمع بمرجعيات تقود الآخرين على احترامه.
يملك الكثير من العلاقات القوية مع أصحاب المناصب ورجال الحكومة تسهيلا لمهمته في ادارة مركزه بنجاح وكفاءة خدمة للمصلة العامة.
أن تكون لغته قوية وحديثه يجذب الناس.
حسن الهندام والمظهر.
له ثقافة واسعة في العديد من مجالات الحياة.
وقبل كل شيء أن يكون نزيها ومواطنا محبا للخير لبلده وشعبه وحريصا على الحفاظ على المال العام وعدم خيانة الأمانة.
أن يكون صارما بحق كل من يتجاوز على القانون والدستور، وأن يضرب بيد من حديد على كل من يتلاعب بالمال العام، ومن يتجاوز على هيبة الدولة.
وغيرها من مواصفات السياسي الوطني الناجح الذي يعول عليه في بناء البلد والحفاظ على هيبته اقليميا ودوليا واسعاد شعبه، حتى لو تطلب الأمر التخلي عن منافعه الشخصية، لا ان يغلب الامتيازات على مصلحة الوطن والمواطن.
وإذا ما قارنا ما ورد آنفا وما ينبغي أن يكون عليه كل من يدخل معترك السياسة، لينذر نفسه لخدمة الناس، باعتبار أن المنصب هو تكليف وليس تشريفا له ولا لغيره.
فهل ما اسلفناه ينطبق على سياسيي العراق اليوم ممن يفترض فيه أن يحمل وبجدارة هذه القيم السياسية والاخلاقية والوطنية النزيهة لنحمّله وبثقة عالية امانة قيادة البلد؟
للأسف الشديد أن الاوضاع السياسية في العراق مشتبكة ومتداخلة بعضها ببعض، بحيث بات من العسير أن تفرق بين من هو الصادق في توجهاته ونواياه، وبين من هو المرائي والملتبس من ذوي الأقنعة التي تغطي وجوههم والتي عادت هي الحالة السائدة، بحيث عاد العراقي، سيما المواطن البسيط في حيرة من أمره في فك هذا الاشتباك وما تتسم به الحالة السياسية من التباس وعدم فهم، ولهذا وبسبب اختلاط الأمور عليه عاد في حيرة من أمره وقت الانتخابات ليختار من ويرفض من؟ ولهذا اختلط الحابل بالنابل.
لكننا كمتابعين للوضع السياسي الملتبس في العراق، لا نجد من يستحق أن نطلق عليه كلمة سياسي، لأن الغالبية العظمى من سياسيي اليوم هم مجرد فتية ينقصهم التكوين والمعرفة والثقافة والدراية ببواطن الأمور، فهم مجرد اشخاص طارئين على السياسة التي ابتلت بهم، فهم لا يتعدون كونهم مصفقين وطبّالين ومرائين ولا يحتكمون على اية مصداقية وتكوين ليس من الهين على اي شخص ان ننعته بالسياسي، لأنها كلمة ذات اهمية كبيرة، ومسؤولية أكبر، يتحدد من خلالها مصير وطن ومستقبل شعب واستقرار أمة تسعى للنهوض بقوة بكل مكوناتها وتلاوينها ومفاصلها، المؤلفة من تعدد اديان ومذاهب واثنيات ومعتقدات وافكار وقوميات وهلم جرا، وهنا نحن لا نبخس اسماء قد لا تندرج في هذا التوصيف، ولكننا نعني الغالية العظمى من سياسيي الصدفة.
قد نكون في حيرة شديدة ونحن نواجه مخلوقات منحتها الظروف السياسية المرتبكة في العراق هذه الاصطفافات المعيبة والمخجلة ليتحول الصبي بين ليلة وضحاها الى سياسي ويقلقننا بإطلالاته اليومية دون خجل، مدفوعا بأحابيل وشيطنة ممن يختبئ وراءه، ليدخل معترك السياسة دون أية خلفيات تؤهله لهذه المهمة الخطيرة.
أن ما يدور اليوم في العراق من حراك محموم، واعتراك ملتهب، ومواجهات وصلت حد التهديدات ليست بالبريئة لفرض الإرادات، وتسقيطات مخجلة للبعض ضد البعض الآخر، ورفض للآخر لعدم قبوله بما يفرض عليه، وغيرها من المماحكات والمواجهات التي تعدت المعقول، كلها بسبب توزيع المغانم ونيل الامتيازات، وكأنهم لا يتكلمون عن وطن ومستقبل شعب، كأني بهم مجموعة من المتقاتلين على قطعة ارض وارث بسيط ومنازعات للتحكم بمصير هذه القبيلة او تلك.
إن بلدا عريقا مثل العراق وما يحتكم عليه من ارث حضاري كوني مشهود له، بل ومعترف به، لا يمكن أن يحكمه ويتسلط على رقاب شعبه هؤلاء الفتية ذوو التكوين الهش وفاقدي البصيرة السياسية، لانهم وكما نرى، مجرد أبواق لقادة لهم، هم ذاتهم لا يفقهون ماهية السياسة وفن القيادة، لا قيادة سيارة أو عجلة هوائية، بل قيادة بلد عريق مثل العراق، الأمر الذي نراهم يرهنون مصير البلد تحت رحمة المنازعات والمواجهات مسلمين أمرهم لقوى خارجية لا تريد الخير لهذا البلد، بل هي تغلب مصالحها على مستقبل العراق وما يعانيه من فوضى، لأنها هي ذاتها تعيش فوضى واشكالات لا حصر لها، أن تلك الدول تضع ضمن اولوياتها مصلحة بلدانها قبل مصلحة العراق، ولكن وللأسف ويا له من أمر محزن، أن هناك من بين الفصائل السياسية من يواليها وينتصر لها ويسخّر كل امكاناته وهيبة البلد تحت تصرفها، لتمارس سلوكات تجلب الكوارث للعراق، فهل أن هناك خيانة أعظم وعقوقا أشد من هذا العقوق؟
إن معظم أحزاب الاسلام السياسي تغلّب مصلحة التدين، ولا نقول الدين، على مصالح الوطن، ولا شأن لها بالتراب الذي تنتمي اليه، بقدر ما تغلب الانتماء الديني والطائفي على مستقبل الوطن بسمائه وارضه وشعبه، وهذا ما يصرح به شيوخ المتدينين ورجالاتها حين يضعون الأولوية للأخوة الاسلامية لا لأخوة الوطن الواحد، ونجد في أدبياتهم وفتاويهم ما لا ريب في ذلك.
فما من حزب أو مكون أو طائفة تتبنى الاسلام السياسي الا وتسلك ذات النهج، مسخّرة كل امكاناتها من رجال واموال ودراسات وبحوث وفعل ديني الا وتوظفه لهذا الهدف، موظفين الدين، تجنيا، لخدمة اغراضهم، حتى وان تعارض موقفهم مع فهم اخر للدين لطوائف تغايرهم في الرأي والفهم والموقف.
إن العراق مع وما يعانيه من فوضى في شتى المناحي، لهو احوج ما يكون للتعايش المجتمعي والتساكن الذي من شأنه أن يقرب بين العقائد والأديان والطوائف والمتعقدات والرأي والرأي الآخر، إذا ما اريد له أن يخرج من محنته، لا اللجوء الى تغليب الفكر الشمولي والطائفي والديني وغيرها من المواقف، لإلغاء الآخر في حقه في العيش الكريم والرأي الحر والنظرة المستقلة عن الانحياز لهذا الطرف دون غيره، لأنها سبب تفتيت الوطن وتفكيك اللحمة الوطنية.
إن مجتمعنا العراقي عانى ما عاناه من كوارث وفواجع وحروب وانقسامات، وللأسف أن ذات الفواجع لم تزل تخيم على العراق، ويبدو أن الساسة الجدد لم يستفيدوا من المحن التي مرت بهم وكلفت البلد ملايين الضحايا والأموال الطائلة وضياع المستقبل والتراجع الخطير في سمعة البلد في كافة النواحي والمجالات، السياسية والمالية والاجتماعية والدولية والأمنية، فكيف نسعى لبناء مجتمع يعاني من هكذا خراب يعشعش في كل مناحيه؟
أخيرا نوجه كلامنا لكافة سياسيي العراق اليوم بأن العراق متجه نحو المجهول، وهذا الأمر ليس بخاف عليهم، فليتعظوا من الدروس ويعودوا لرشدهم بتغليب مصلحة البلد قبل مصالحهم التي إذا ما تغولوا بهذا الاتجاه القاتل وسدوا مجساتهم، فسوف لن يجدوا وطنا يأويهم، وبالتالي سيرقصون ندما مع “لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي”.
فحافظوا على ارواحكم قبل مصالحكم يا ساسة العراق الجدد، وإلا فالطوفان قادم، وهذا ليس تهويلا، بل واقعا مرا، نراه نحن من خارج المشهد السياسي وأنتم غارقون فيه، ولا تستشعرون مخاطره.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close