كيف ان الحضارة العربية تأثرت بالأداب الفارسية قديما ؟ )اقتباس(، في 12ح،ح1

د. رضا العطار

الدراسة التالية ـ التي سأنشرها بشكل حلقات اسبوعية، هدفي منها الأرتقاء بالوعي المعرفي للقارئ. اوضح فيها عمق العلاقات التاريخية، الفكرية والثقافية بين هاتين الأمتين، العربية والفارسية، منذ النصف الثاني للقرن الاول الهجري. أي منذ العهد الاموي في الشام.

وقبل الدخول في صلب الموضوع لا بد لي من ذكر المقدمة التالية :

ان الموروث الفارسي الذي تم الشروع في نقله الى الثقافة العربية منذ عهد الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك، قد اكد ضرورة توظيف الدين في السياسة!. فلننظر الان في نوع الحضور الذي كان لهذا الموروث على العهدين، الاموي والعباسي.

انه كان موروثا غريزا ومتنوعا، نقلها مؤرخون كبار، كالطبري والمسعودي الى اقوال ومأثورات ونصوص مقتضبة لا تخلو منها كتب (الادب). وواضح ان ما يهمنا هنا ليس تراث الفرس وتاريخهم في ذاته، وانما يهمنا منه شكل حضوره في الثقافة العربية الاسلامية بوصفه موروثا يحمل قيما معينة. سياسيا واجتماعيا واخلاقيا، ساهمت بصورة او باخرى في تشكيل نظام القيم في الثقافة العربية.

واذا نحن تصفحنا كتب (الادب) هذه وجدنا ما تنقله عن الفرس في مجال القيم يتمحور حول موضوعين رئيسيين يرجع فيهما بصورة اساسية الى ملكين كانا من اعظم ملوك الفرس، اما الموضوعان فهما : علاقة الدين بالملك من جهة وعلاقة الطاعة بالعدل من جهة اخرى. واما العاهلان الفارسيان فهما اردشسر الاول مؤسس الدولة الساسانية، وكسرى انو شروان، آخر ملوك الفرس. ومن الضروري استحضار العلاقة الخارجية بين هذين الملكين للكشف عن ابعاد نظام القيم الذي كان يكرسه الموروث الفارسي في الثقافة العربية الاسلامية عبر (الاخلاق) او (الاداب) التي كان يروج لها كتًاب السلاطين، والتي بقيت تتمحور حول الموضوعين المذكورين : الدين / الملك، والطاعة / العدل.

وفيما يلي نبذة تاريخية من الظروف التي انتجت هذا النوع من القيم !

تحدثنا كتب التاريخ ان الامبراطورية الفارسية التي تضرب بجذورها بعيدا في القدم، قد عرفت عدة اسر حاكمة، اشهرها الاسرة الساسانية التي قامت في اعقاب فتوحات الاسكندر المقدوني . . . كان الاسكندر قد استولى على معظم بلاد فارس، ثم اقتسمها قواده العسكريون من بعده فدخلوا فيما بينهم في حروب طاحنة انتهت بقيام ما عرف بعصر (ملوك الطوائف) . . كان ساسان رجل دين وكان ابنه احد ملوك الطوائف، وعندما تولى المُلك ابن هذا الاخير، اردشير الاول عام 226 م عمل على توحيد فارس وبناء دولة قوية فلقب بالملك (الموحد). ليس بتوحيد البلاد عسكريا وحسب بل ايضا من خلال تحالفه مع رجال الدين من اتباع الديانة الزرادشتية، التي جعل منها الدين الرسمي للدولة.

اشتهر اردشير في (كتب الادب) بوصيته السياسية الى الملوك من بعده والمعروفة (بعهد اردشير) ونظرا لاهمية هذا العهد الذي ترجم الى العربية في اواخر العصر الاموي، والذي كان يُدرًس لابناء ملوك العباسيين، منهم المأمون.

اليك منه بعض النماذج :

1 ـ تحذير خلفائه من الاسباب التي تؤدي الى ضياع المملكة من بينها سكر السلطان الذي ينسي الملوك (النكبات والعثرات والغير وفحش تسلط الايام ولوم غلبة الدهر)،

2 ـ التحذير من رجال الدين، فيقول : (واعلموا ان الملك والدين اخوان توأمان لا قوام لاحدهما الا بصاحبه. واللافت للنظر هو ان جميع كتب (الادب) التي وردت هذا النص في الثقافة العربية تكتفي بهذه الفقرة وتفهمها على غير معناها، وهذا اشبه بالوقوف عند (ويل للمصلين) هي تريد ان يفهم القارئ منها ان حراسة الملك للدين هي من اجل حفظ الدين، في حين ان العكس هو المقصود، ما يريده اردشير هو التنبيه الى اهمية توظيف الدين في مرحلة تاسيس الدولة وضرورة الحذر منه ومن رجاله بعد ذلك.

3 ـ يعتقد اردشير ان سلطان الملك على اجساد الرعية بينما سلطان رجال الدين على قلوب الرعية.

4 ـ كيفية تأديب العامة لضمان نشر الادب وفضيلة الاخلاق. فواجب الرعية ان تمجد الحكام وتعظم منزلتهم عند الله.

5 ـ القيم التي تربط الملك بالرعية. اما القيم التي يجب ان تحكم العلاقة بين الرعية بعضها مع بعض فهي القيم الطبقية وهي قيمة القيم بالنسبة للملك في مجال العلاقات الاجتماعية.

6 ـ لتذكير الصفات المطلوبة بالحاكم : ان لا يبخل، ان لا يكذب، ان لا يغضب، ان لا يعبث، ان لا يحسد، ان لا يخاف، وان يصلح بطانته، وان لا يفشي اسراره للصغار، من الاهل والخدم، وان يقاوم الهوى، ويعتمد الرأي الآخر.

اما اذا قام تناقض ما بين هذه الخصال وبين الحفاظ على سلطته فليعمل على نقيضها ـ واذا وجد عنده ذلك الصنف من الناس الذين يلجأون الى الوعظ والنصيحة، لكنهم ذوي السلوك الفاسد، يستعملون الدين في سبيل خداع الرعية، ليعلم انه ازاء مصيبة لا نجاة له منها إلا بحرقهم.

ولا بد من الاشارة هنا الى ان هذا الموقف الذي وقفه اردشير من رجال الدين، كان له ما يبرره في تاريخ الفرس، فلقد كانوا يمارسون سلطة روحية ومادية واسعة على الجماهير. كانوا يشكلون قوة اجتماعية وسياسية جعلتهم يبدون كدولة داخل دولة. كان رجال الدين ينسبون انفسهم نسبا الى التاريخ الخرافي المجيد لايران لكي يتساووا مع العائلات النبيلة الكبيرة . . . لقد كان طبيعيا ان يحذر اردشير خلفاءه من بعده من رجال الدين، فلقد كان ملكه يدين لتحالفه معهم، إذ لولا هذا التحالف لما كان القضاء على ملوك الطوائف ممكنا. وكان يدرك انه اذا لم ينصب نفسه (حارسا على الدين) وبالتالي متحكما في رجال الدين فإنه سيبقى تحت رحمتهم.

وهنا لا بد من الكشف عن حقيقة (العدل) الذي ينوًه به الموروث الفارسي . . ذلك ان العبارات التي يصاغ فيها مثل هذا التنويه هي من تلك العبارات الماكرة التي توحي للمتشوق الى العدل بما يتمناه هو، بينما ان مضمونها الحقيقي شيئ آخر تماما. فقد يبدو هذا (التوزيع في المهام) مقبولا، غير ان مكر العبارة سرعان ما ينكشف عندما نتساءل :

لماذا لم تنسب العبارة إعطاء (العدل) الى الله كما فعلت مع الملك ؟ الجواب واضح : الله يعطي (العدل) للملك، واذن فلا يحق لاحد ان ينزعه من صاحبه، انه صار ملازما للملك، وبمثابة الشرط الذي يمنحه الشرعية، ولذلك جعلت ملك كسرى من عطاء الله وجعلت العدل من عطاء كسرى . . . ولهذا السبب عُرف اردشير بالملك المستبد.

إن (الملك) عنصر اساسي وضروري في الاخلاق الكسروية، وطاعته هي القيم المركزية، في هذه الاخلاق، وتعزيز منزلته، وُظًفت كتب، ونسجت اساطير لتخليد هذه القيمة في وجدان الفرس وفي ثقافتهم القومية، من ذلك (كتاب التاج في اخلاق انو شروان) الذي ضاع اصله، والذي لا شك ان الجاحظ قد استفاد منه في كتابه (اخلاق الملوك) الذي نُشر بعنوان (كتاب التاج في اخلاق الملوك) وهو كتاب يرسم اخلاق الملوك في ايوانهم مع حاشيتهم وندمائهم . .

ومع ان الجاحظ قد تحدث في كتابه عن ملوك الامويين وملوك العباسيين الى عهده إلا ان مصدره الاول والاساس كان ملوك الفرس، ولا شك انه كان ينقل من مراجع لم تصل الينا. والناظر في الكتاب بعين فاحصة ينتهي الى هذه النتيجة وهي انه لولا ما قرأه عن ملوك الفرس لما فكر فيما نسبه لملوك الامويين والعباسيين بعبارات اخرى. كان هناك نموذج يعرضه وينظر الى ملوك العرب على ضوئه، وكان واعيا بذلك ومدركا ان النموذج كان ارقى في مجاله من (تطبيقاته) العربية. وقد اكد هذا بقلمه إذ كتب يقول عن ملوك الفرس : وعنهم اخذنا قوانين الملك والمملكة وترتيب الخاصة والعامة وسياسة الرعية والزام كل طبقة حظها . . .

الحلقة التالية في الاسبوع القادم !

* مقتبس من كتاب نقد العقل العربي ـ العقل الاخلاقي العربي للدكتور محمد عابد الجابري، الطبعة السادسة، دار النهضة، الحمراء، شارع البصرة، بيروت 2914

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close