الانسان وفضائل الاخلاق !

* بقلم د. رضا العطار

الأخلاق، منبع التنشئة الاجتماعية السليمة، والأخلاق: هي محصلة الأتجاهات الفكرية والقيم الاجتماعية والنفسية والدينية التي تنغرس في النفوس منذ الصغر. فنحن ننشأ على عادات ايجابية تحملنا على الاقدام والعمل و اخرى سلبية تصدنا فلا نعمل. ومعنى هذا ان الاخلاق عادات، فهي اما للاقدام او للكف . وهي, لأنها غرست فينا منذ الصغر, نحس بها و كأنها طبيعية و قد استحالت الى عواطف.

فالأوربي يهوى لحم الخنزير ويأكله في نهم, المسلم يشمئز منه. وكلاهما يحس كأنه يعمل بطبيعته. ولكن الحقيقة انه يعمل بأخلاقه. وزواج الولد من اخته الذي كان يمارس عند المصريين القدماء قبل ستين جيلا, وكذلك زواج الضمد – كأن تتزوج المرأة عدة رجال، كما كانت الحالة عند عرب الجزيرة العربية زمن الجاهلية الاولى، انما كان كلاهما من العادات الاجتماعية المألوفة يومذاك, لا نذكرها الا مع الأشمئزاز. وبكلمة اخرى ان ما نسميه في الأكثر عواطف طبيعية انما هي عواطف اجتماعية ليس الا.

لكن لكل امة عادات غالبة ما تستحيل الى عواطف عند افرادها. واحيانا تتبلور هذه العواطف او تتجمع في بؤرة عند احد الافراد فتؤدي الى الجريمة او الى الجنون . كعاطفة الخوف, وهي عاطفة عامة في مجتمعنا, اذا تبلورت عند احدنا لظروف خاصة ادت الى القلق وربما الى امراض نفسية. وكذلك عاطفة الأقتناء الموجودة بيننا جميعا, لكنها اذا ما تبلورت في احد الاشخاص ادت الى السرقة والتزوير والى الغش

والاختلاس او حتى اكثرها خطرا.

تجسد جرائم كل أمة طبيعة جنونها، تسير طبقا لأخلاقها. لانها احتدام او تبلور في العاطفة التي أنشأها المجتمع في نفوس ابنائها. كلنا مجرمون لكن في اعتدال. وكلنا مجانين لكن في اعتدال ايضا. فإذا غلونا وتطرفنا، كان طريقنا الى المستشفى او الى السجن احيانا وبعضنا يلتذ في احلامه بالجريمة واحيانا نسلك في احلامنا سلوك المجانين ولذلك قال افلاطون: ان ما يحلم به العقلاء في النوم يفعله المجانين في اليقظة .

ولكننا لأختلاف الظروف نختلف في الأخلاق. وليس الأختلاف جذريا. لأننا ما دمنا نعيش في مجتمع واحد فأن الأخلاق العامة واحدة. ولكن منا من يتجه نحو العدوان او الأقتناء او الغيرة او التراخي او اللامبالاة. ويجري كل هذا في حدود يرضاها المجتمع , لأننا نعتدل ولا نغلو في ممارستها. وفي مجتمعنا الحاضر نجد ان اعظم ما يفسد حياتنا هو الخوف والقلق وهوس الاقتناء.

هذا النوع من الاقتناء خطر قد يؤدي الى الخطف و السرقة والتزوير. والخوف والاقتناء عاطفتان اجتماعيتان سلبيتان، واثرهما كبير في حياة الانسان خاصة في التعارف الجنسي في الحياة الزوجية. والاخلاق الاجتماعية تتبلور اثنائها, لان العلاقة الجنسية تصل دوما الى الحدة والغلو, وهنا نرسو على الاسس العاطفية التي نشأنا عليها. فنحن خطافون للذة الجنسية اذا كنا قد نشأنا منذ طفولتنا على نهم الطعام. ونحن متعجلون في اللذة الجنسية اذا كنا قد نشأنا على الخوف.

بعد هذه المقدمة يتحدث لنا الباحث السيكولوجي الامريكي ادلر عن انجح طريقة في اختيار الازواج ويقول :

يوجد في بعض القرى في الريف الالماني عادة موروثة : وهو يجد فيها نموذجا حسنا للحياة الزوجية الصالحة. ذلك ان الخطيبين حينما يزمعان الزواج, عليهما ان يعمدا الى قطع جذع شجرة بالمنشار ذو القبضتين. لا يمكنه ان ينشر الا اذا توافر التعاون بين الأثنين, اما اذا تباطئ احدهما او عاند او شاكس في نشر الجذع, معناه انه لن يكون صالحا ان يكون زوجا. فالزواج تعاون وليس تصارع. معنى ذلك انه يجب ان تسود روح التعاون الحياة الزوجية.

لكن الاناني الاقتنائي الذي نشأ على اسلوب الأخذ دون العطاء، عندما يقبل على الزواج يسأل نفسه : ماذا سأكسب من هذا الزواج الان ؟ وماذا سأكسب منه غدا ؟ . اما الذي درب نفسه على الاحترام المتبادل وعامل الناس بالحسنى يسال نفسه عندما يقبل على الزواج : كيف يمكن ان اساهم في ترقية هذا الزواج كي يعود علينا جميعا بالخير والسعادة ؟

الحياة الزوجية الصالحة تسترعي السلوك الاخلاقي الحسن. فمن خلال الاتصال العاطفي بين الزوجين تبرز بؤرة الصفات الأجتماعية الغالبة فيهما, واسوأ شيء في الزواج هو ان ينظر احد الزوجين اليه بأعتباره الفرصة التي تتيح له تحقيق مصالحه و ملذاته على حساب الطرف الاخر. فعش الزوجية اشبه بطائر ذوجناحين, ليس بأمكانه ان يطير بجناح واحد.

* مقتبس بتصرف من كتاب مختارات للموسوعي سلامة موسى

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close