لغتنا العربية ومؤسساتنا

د. رضا العطار

اعظم المؤسسات في اية امّة هو لغتها. لأنها وسيلة تفكيرها ومستودع تراثها من القيم الاجتماعية والعادات الذهنية.

واللغات تتفاوت. فهي مجموعة صغيرة من الكلمات, قد لا تزيد على ثلاثمائة كلمة عند القبائل البدائية، بينما تبلغ مئة الف كلمة عند امّة متمدنة, ارتفعت فيها العلوم و الفنون والاداب.

واللغة الراقية هي علم وفن وفلسفة. بمعنى انه يمكننا ان ننظر اليها النظر العلمي فنبحث اصولها ونميز بين معانيها بل نضع الكلمات الجديدة لتأدية المعنى المبتكر. ويمكننا ان ننظر اليها النظر الفني. فننشد بالكلمات والجمل رفاهية ذهنية لا تؤديها الدقة العلمية. وكذلك يمكننا ان ننظر اليها النظرة الفلسفية فنكسب الكلمات القديمة معاني جديدة تؤدي بعد الفتها في المجتمع الى صورة منشودة من الخير.

وغاية اللغة قبل كل شئ هي الفهم, ولم نصل بعد الى اللغة المثلى بل نحن لا نكاد نعرف كيف تكون, اذا جعلنا الفهم اول غاياته. فقد وصلنا في العدد الى الارقام الهندية فكانت اعظم خطوة لغوية في الحساب والعلوم. فهل نستطيع يوما ان نصل في سائر الموضوعات عن طريق اللغة التي تنقل الينا الفكرة الفنية او العلمية او الفلسفية بمثل الدقة والسهولة اللتين ننقل بهما الى اذهاننا عدد الارقام ؟

والى ان نصل الى هذه الغاية, ستبقى اللغة عاجزة عن التعبير الدقيق. اذ يجب ان نذكر من الان اننا لا نعرف الدقة التامة في اي علم من العلوم الا اذا استطعنا ان ننزل بحقائقه الى الارقام. ولذلك ليس مفر من ان نقول ان الرقي في اللغة يعني الدقة. وهو يقاس بها, فما دامت الكلمة مسيبة في المعنى فانها تضر التفكير. كالالة لم يحكم صنعها. فلا يمكن التكهن بمنتوجها. والانسان حيوان لغوي, يرى ويسمع ويفكر باللغة. ولكل كلمة ايحاء معين في اذهاننا.

ففي العراق مثلا نقول (وزير) وفي الولايات المتحدة يقولون (سكرتير) والعمل الذي يؤديه الوزير والسكرتير واحد ولكن ايحاء الكلمة الاولى ارستقراطي, وايحاء الكلمة الثانية ديمقراطي. ولهذا اثره البالغ في نفوس الشعب. كما له ايضا اثره البالغ في نفس الموظف الذي يصف نفسه بأنه سكرتير او وزير. فهو متواضع في الحالة الاولى و متطوًوس في الحالة الثانية .

وللكلمات توجيه اجتماعي بعيد الاثر في المجتمع. فإن كلمة (الخير) من اشرف الكلمات الموحية التي تربي الابناء وتبعث على التعاون والاخاء. في حين ان كلمة (الدم) تحدث عاطفة كريهة تجعل بعض المتهورين من الرجال يرتكبون جريمة القتل. والكاتب المنتبه الذي يحس الوجدان الاجتماعي يجب ان يؤكد المعاني الخيرة للأمّة, وان يضع الكلمات الجديدة كي توجه التوجيه الفلسفي والاجتماعي. وبذلك تنمو اللغة وتتطور. ولا تركد، واللغة في تفاعل لا ينقطع مع المجتمع الذي يتطبع افراده بها. والقيم اللغوية في تغير دائم لهذا السبب. والمحاولة لوقف هذا التغير هي تعطيل للتطور الذهني للأمة.

ومن الغايات الشريفة لكل لغة الايجاز في التعبير. فاللغة الحسنة تتوقى المترادفات, لانها ثرثرة صبيانية يضيع بها الوقت. والكاتب الذكي يحيل المترادفات من التوحيد الى التنويع . فنحن نميز الآن بين الذهن والعقل. وبين الروح والنفس, وبين الحكومة والدولة، وبين المثقف والمتعلم وهذا حسن. كذلك نحن نتبع الاسلوب التلغرافي ونتخير الكلمة التي تحمل العبرة فضلا عن المعنى.

نحن امّة متطورة فيجب ان تكون لنا لغة متطورة بل لغة متمدنة تتسع للتعبير عن مئات العلوم والفنون لم يكن يعرفها العرب الذين ورثنا عنهم لغتنا. ويجب ان يتغير راينا في البلاغة عما عرفه السلف. فانهم كانوا يقصدون منها الى انها فن لمخاطبة العواطف ولكننا يجب ان نزيد على هذه الغاية غاية اخرى هي ان تكون البلاغة علما يراد به مخاطبة العقل. لاننا نعرف ان الحضارة التي نعيش في احضانها قامت على الارقام الهندية التي تخاطب العقل في دقة وبساطة اكثر مما قامت على الاستعارات والمجازات التي تخاطب العاطفة في اغراق ومترادفات.

وكلمات اللغة هي بمثابة النقود التي نتعامل بها. وكثيرا ما يكون فيها النقد الزائف او القديم الذي بلى وانمسح منه نقشه، والامّة التي تهمل كلماتها ولا تجددها ولا تسك الكلمات الجديدة هي اخسر من الامّة التي تجيز التداول للنقد الزائف. لاننا نشتري بنقود المعدن او الورق حاجات الانسان بينما نشتري بالكلمات حاجات الذهن والروح والاخلاق والرقي .

هناك عاملا آخر كثيرا ما يهمل. فإن الانسان قبل كل شئ حيوان لُغَوي وللحيوان صوت ولكن للأنسان لغة. والفرق بينهما عظيم. فإن الحيوان عندما يتألم او يخاف يصرخ, والصراخ هنا ذاتي يعبر عن احساسه. ولكن الانسان عندما يتألم او يخاف ينادي. فهو هنا موضوعي, قد نقل احساسه الى غيره من زملائه.

ومع هذا لا يزال حتى الصراخ غير عام بين الحيوان وقت الخوف او الالم . فإن السباع وحدها هي التي تصرخ . كما نرى في القط والكلب والاسد . اما البهائم مثل البقر او الحمير او الخراف فلا تصرخ عندما تتألم او تخاف. ولكن يجب ان نعلم ان الصراخ ذاتي اما النداء فموضوعي. الاول كله عاطفة, والثاني عاطفة وعقل، الاول حركة عقيمة لا تتحيز غير مكانها اما الثاني فدعوة الى المجتمع.

والحيوان لعجزه عن اختراع اللغة لا يختزن تفكيره ولا ينتفع لهذا السبب بتفكير آبائه او زملائه ولكن اللغة عندنا جعلت الزمن تاريخيا والفضاء جغرافيا. فالكلب الذي يعيش في بغداد يعرف الشارع الذي به منزله وبضعة شوارع اخرى. ولكن الصبي يعرف (جغرافية) بغداد ومكانها في العراق بل ومكانها على كوكبنا. فالفضاء عنده جغرافي وذلك بفضل الكلمات بغداد, العراق، وموقعه من قارة اسيا في الكرة الارضية.

و خيال الصبي لهذا السبب يتسع وتفكيره يمهر, بهذه المفردات التي ورثها من المجتمع الذي يعيش فيه. وكذلك الشأن في الزمن. فأن وقت الكلب هو ساعته او يومه اما نحن فلنا أمس وحاضر وغد ولنا سنين ماضية وسنين قادمة ولذلك لنا تاريخ. ولولا الكلمات التي جعلت الزمن تاريخا والفضاء جغرافيا , لما استطعنا ان نفكر ونختزن اختباراتنا فضلا عن اختبار معاصرينا واسلافنا اي لما كان لنا ثقافة. والحيوان ينتفع بأختباراته الشخصية التي مرت به في حياته. ولكننا نحن بفضل اللغة ننتفع بأختبارات غيرنا في العصور الماضية والعصر الحاضر.

* مقتبس من كاب البلاغة العصرية واللغة العربية لسلامه موسى مع التصرف

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close