الحوت، ورحلتي الى ايسلندة ! (الحلقة 24 ألأخيرة)

د. رضا العطار

حينما كنت متوقفا في ايسلنده عام 1974 منتظرا موعد الرحلة الاستطلاعية المتوجهة للقطب الشمالي موطن الاسكيمو، علمت ان لأيسلنده صيت عريض في مهنة الصيد، خاصة صيد الحيتان في العالم، ولهذا الغرض اقامت لها في العاصمة ريكافيك محطة متخصصة في تشريح وتسويق هذا الحيوان الهائل بعد صيده او جنوحه على الشاطئ.

فهناك يقوم العمال المهرة بسلخ جلد الحوت عبر عملية هي في غاية الغرابة، بغية ازالة الشحوم المكدسة تحت الجلد، قبل تقطيع لحمه وفصل عظامه، بواسطة آلات كهربائية ضخمة، هذه الشحوم التي تحيط بجسم الحوت، تصل في وزنها احيانا الى نصف وزن الحوت نفسه تقريبا، علما ان سُمك طبقة الشحم لدى حيتان القطب الكبيرة يبلغ زهاء نصف متر تقريبا.

فبفضل هذه الكثافة العالية من الشحوم فقط، يستطيع الحيوان ان يحتفظ بدرجة حرارة جسمه في البرد القارس المفرط في الشدة، وسط مياه المحيط المتجمد الشمالي. علما ان وظيفة الشحوم لا تقتصر على حفظ حرارة الجسم فحسب، انما هي اكثر من مجرد عازل، كما وانه الموقع الرئيسي لتخزين الطاقة وهي ضرورية للحيوان الذي يصوم نصف ايام السنة تقريبا (1)

ان هذه الممارسة المقرفة والتي اعتبرها من المشاهد المكروهة، تعد عندهم من الممارسات المحببة، لا تقل شهرة عن مصارعة الثيران في اسبانيا، والفارق بينهما ان الاولى تعتبر هناك رياضة وطنية تقليدية تمارس على سبيل التسلية ـ بينما الثانية هناـ تعتبر مهنة دموية خطيرة، تمارس في سبيل كسب المال و الترويج التجاري، وتشجيع الحركة السياحية.

وعندما اعلن التلفزيون المحلي، ان المحطة ستقوم غدا بعملية التسويق لحوت كبير، الذي قُتل مساء امس من قبل صيادي الحيتان، دفعتني شهوة الفضول الى ان اشارك بقية الراغبين من السياح لرؤية المشهد المثير.

وفي صباح اليوم التالي، نقلتني من الفندق الذي اقيم فيه مركبة خاصة كانت تزدحم بالسياح الاجانب، وبعد ان طافت بنا شوارع المدينة واستعرضت لنا ابرز مرافقها الحضارية، عرجت بعد ذلك بأتجاه الساحل مسرعة.

كانت الطرقات التي سلكتها المركبة، طرقات صخرية بركانية وعرة سوداء اللون، وقطعت في سيرها الشاق مسافات طويلة، اخذت وقتا كثيرا الى ان بلغنا المقصد وكان هذا عبارة عن مسطح كبير يطل على البحر.

شاهدنا هناك على جوانبي هذا المسطح بما يشبه ماكنة القطارات القديمة، يتوسطهما بما يشبه عربة قطار طويلة رمادية اللون. فظن اغلبنا اننا دخلنا محطة قطار.

لكن عندما اعلمنا الدليل السياحي ان ما نراه امامنا هو الحوت بعينه، ذهلنا مدهوشين برؤية حجمه الهائل وملأنا العجب.

كان الحوت من نوع عنبر وهو معروف بالحوت العظيم، يعتبر من الحيتان الكبيرة إذ يصل طولها الى 30 متر واكثر، اي ما يعادل طول طائرة بوينغ 7 3 7 . وارتفاع جسمه كان حوالي مترين ونصف.

بدأت عملية سلخ جلد الحوت، بعد ان صعد عاملان الى الظهر، عبر سلم، وكانا يرتديان حذاءا خاصا مجهزا بمسامير بطول انجين، تساعدهما على الوقوف على الجسم اللزج للحيوان بثبات دون ان ينزلقا، وقف احدهما طرف الرأس والثاني طرف الذيل، ثم غرس كل واحد منهما سكينة حادة طويلة، شبيهة بمنجل الحصاد عميقا في جلد الحوت وعملا حزا بطول عشرين متر تقريبا، حتى تحول السطح الخارجي لجسم الحيوان الى شرائط متوازية، تنضح بالدم.

بعد ذلك قام العاملان بأدخال سلك حديدي ضخم في طرف كل شريط. وبعد الانتهاء من العملية المضنية، انزلا الى الارض، وراحا يشغلان الماكنتين الكائنتين على جانبي المحطة، فاخذت الدواليب المرتبطة بأسلاك الحديد تدور، و بدأت عملية السلخ البشعة، الهدف منها انتزاع الشريط الجلدي المثخن بالشحوم. كانت هذه المرحلة تجري ببطء شديد، محدثة اصوات مفزعة مقززة عالية، اشبه بالصريخ الحاد، تزعج السمع وتخدش الضمير، محدثة لدى الانسان المتفرج، الاحساس بالذنب ..

وختم المرشد السياحي برنامجه قائلا :

اننا نستفاد من قتل الحوت في نواحي كثيرة، نستفاد من اعضاء جسمه دون استثناء، فلحمه يؤكل، وعظامه تُستعمل في مجالات متعددة، فمنها ما يدخل في بناء سقوف المنازل وفي عمل آلات الصيد وكذلك في صناعة بعض ادوات التجميل الخاصة بالنساء. وتستعمل عظام الحوت كذلك في ديكور بعض الامور الفنية. أما عظم الفك بالخصوص فانه يستعمل من قبل صيادي الحيتان كمصد تحفظ سفنهم من اخطار البحر

اما شحمه فيدخل في صناعات كثيرة، وقسم منها يتحول الى دهن المارغرين بعد ان يعامل بمواد كيميائية خاصة، كما ان زيته يدخل في صناعة بعض الاطعمة، الى جانب الاستفادة منه في الطبخ والاضاءة وفي امور طبية اخرى كثيرة.

اننا الان في الحلقة الاخيرة من سلسلة حلقات (الحوت، هذا الكائن العجيب) فلا بد لي من ان اؤكد بان الانسان والحيتان ينتميان الى صنف اللبائن، وهذا المخلوق يشارك الانسان في كثير من صفاته، كالشفقة والحنان وحبه لصغاره، وميله لبني جنسه، وهي تتمتع بقدر غير قليل من الذكاء.

ولكي يتصور القارئ الكريم مدى ظلمنا وتجاوزنا على حياة هذا المخلوق الوديع، دعونا نصغي الى ما يقوله البروفيسور )دومينيك لاكابرا( المؤرخ في جامعة كورنيل في الولايات المتحدة، عن مملكة الحيوان ;

ان للحيوانات شريعة اخلاقية يعيشون بموجبها ويتقيدون بها، افضل من تقيد البشر بشريعتهم، وان لديها ضرب من الذكاء الاخلاقي ـ ـ ـ ويقول كذلك :

اننا لو دخلنا الحياة الحيوانية الاجتماعية، سيتبين لنا ان هذه الكائنات تتمتع بعوالم داخلية ثرية، حيث ان لديها مخزونا معقدا ومتنوعا من العواطف. اضافة الى درجة عالية من الذكاء والمرونة السلوكية الى جانب كونها فاعلة وماهرة جدا. إذ انها تقيم ضمن شبكة علاقات متينة، تحافظ عليها وتعيش بموجب قواعد سلوكية متوازنة دقيقة، تتصف بالاستقرار الاجتماعي. (*)

ويقول العالم البيولوجي الشهير تشارلز داروين، صاحب نظرية التطور:

حياة الانسان حرب الجميع على الجميع، معركة لا هوادة فيها على الجنس والغذاء. يقاتل الاشقاء اشقاؤهم حتى الموت، (وهي ظاهرة تعرف باسم ابادة الاشقاء Siblicide وعندما ننظر الى الطبيعة من خلال هذه العدسات الضيقة، فإننا نرى الحيوانات تجاهد للبقاء في مواجهة القوى الساحقة للصراع التطوري. وقد لوحظ ان الغالبية العظمى من تفاعلات الحيوان سلمية وليست شقاقية.(*)

كان الهدف الرئيسي لليابان في صيد الحيتان هو الحصول على الطعام والترويج لصناعتها، ولذلك اقامت جنازات للحيتان التي قُتلت وعلى مدى قرون. كان على الصيادين ان يكافؤا الحيتان على التضحية بحياتها ويعتنوا بارواحها. ولا يزال بعض الصيادين الذين عملوا في مهنة صيد الحيتان في عرض البحر يطلبون الغفران لقيامهم بقتل الحيتان.

فاليابانيون كانوا يعتقدون ان ارواح الحيتان يمكن ان تنقلب الى الاشباح الجائعة. . . لهذا تعامل ارواح الحيتان عندهم، بنفس الاحترام الذي تتلقاه الارواح البشرية.

فتمنح بعد موتها اسماء يتم تسجيلها على الالواح التذكارية و حفظها في سجل الوفيات. واصبحت مواقع هذه النصب التذكارية اماكن تجمع الحركات الهادفة لحماية صيد الحيتان في اليابان.

(1) مقتبس من كتاب الحوت التاريخ الطبيعي والثقافي لمؤلفه د. جو رومان، ترجمة ايزميرندا حميدان، ط 1 ، 2913 هيئة ابو ظبي للسياحة والثقافة و(الكلمة).

(*) مقتبس من كتاب العدالة في عالم الحيوان لمارك بيكوف وجيسيكا بيرس، ترجمة فاطمة غانم ط1 2010 هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث والكلمة.

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close