المعطف .. قصة قصيرة.

لا تكن نسخ من الآخرين، كن نفسك.
كواكب الساعدي

“يبدو أنه ليس يوماً سيئاً.” قالها بعد أن أطال النظر فيما حوله في ذلك الصباح العابق بقشعريرة باردة. هو العاطل عن العمل الذي يتُـقن لغتين ولغته الأم، المدمن على التهام الكتب كحشرة أرضه، لذا استحق بجدارة اللقب والتي امتدت عدوى ما أصابه لأصحابه فأصبح مرشدهم لنفائس الإصدارات والكتب.
ذات نهار دامي، فكّر أن يهاجر كالعصافير بعيداً عن وطنه لبلاد ما وراء المحيط، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة، لأنه رآها خطوة أكبر من طاقته المفعمة بالعاطفة لأمه وأخواته.
اعتاد في عمله أن يدفع عربته ليحمل بضائع الآخرين ليلتقط رزق اهله، فكثيراً ما عاكست أحلامه العقبات، لكنه لم يعبأ لها، ولم ينعزل عن العالم ولم يندب حظه، فشتّان ما بين عمله الآن وما ناله في اختصاص علم الفيزياء. وهو المثابر ومع كل فوضى ما يحيطه، تلقاه دوماً مبتسم، مفرطاً بهندامه ونظافته مما كان يثير دهشة من يعرفونه، بل تقديرهم في الحياة لتجربته.
ذات صباح، وهو مار لشأنه، تلّفت ناحية صوت طرق أسماعه، حيث بائع الملابس المستعملة يدلل ببضاعته بطرقه المغرية والتي أسدلها فوق بسطته القديمة، فاستوقف نظره من بين ما استوقفه، ذلك المعطف الأسود كالذي ارتداه آل باتشينو بفيلم عطر امرأة، خاطب نفسه ليواسيها على مغامرة سوف تأتي على ثروة صغيرة جناها بعرقه، تسد له بعض عوزه، لكنه قرر أن يخاطر وخاصةً أن السماء تنذر بشتاء ثقيل الوطأة. فاصل البائع باللين تارة والإصرار أخرى، وبعد أخذ ورد، تمت الصفقة بين الطرفين بود. وحينما طرق المساء سماء المدينة، وصل لمنزله سارع لغرفته عارية الجدران ليعلق على المشجب غنيمته. بادر للاسترخاء، وحين آوى لسريره وكأنه أراد ان يمارس طقوس احتفاله تلفت حوله، كأنه يبحث عن شيء ما، أجل، شيء ما. أظنها الفكرة التي بدأت تلتمع برأسه، نهض متراخياً، بادر بارتداء معطفه، طواه حول جسده بحميمية، أحس بدفء مباغت، وبانتعاش المنتصر سحب الكتاب المؤجل للشاعرة ماري فراي، واوغل بالسطور دون أن يعير انتباهه لعقارب الساعة التي تنهش جسد الوقت، وعربته التي تنتظر رزق نهار آخر.
أنا لستُ هناك، لست نائمة
أنا الرياح التي تهب
أنا بريق الماس على الثلج
أنا الشمس على حبوب القمح
أنا المطر الخفيف في الخريف… حين تتنزه في الصباحات الساكنة
أنا خفقات أجنحة الطيور… التي تحلق في رحلة هادئة
أنا ضوء النجوم الناعم في الليل
لا تبكِ أمام قبري
أنا لست هناك، لم أمت.

شاعرة من العراق

Read our Privacy Policy by clicking here

By continuing to use the site, you agree to the use of cookies. more information

The cookie settings on this website are set to "allow cookies" to give you the best browsing experience possible. If you continue to use this website without changing your cookie settings or you click "Accept" below then you are consenting to this.

Close